التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 10

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

صفات حامل القرآن وأخلاقه

يُناقش المقطع الصفات الحسنة التي ينبغي أن يتحلى بها حامل القرآن مثل الرفق والصبر، ويُشير إلى أهمية العلم في العبادات. يُبين أن حامل القرآن يجب أن يكون ملتزما بتعاليم القرآن.

تأثير القرآن على سلوك حامله وتحقيق التقوى

يصف كيف يكون حامل القرآن ملتزما بتعاليمه ويقرأ بفهم، ويتأثر سلوكه بأوامر القرآن ونواهيه. يحث على محاسبة النفس وتقوى الله لتحقيق الإحسان والتوكل على الله.

وجوب اتباع القرآن والتحذير من النار

يتناول تحذير المؤمنين من النار وأهمية اتباع القرآن وتطبيق أوامره. يوضح أن القرآن يجب أن يكون مرآة للمؤمن لتصحيح سلوكه وصلاح نفسه، ويحث على محاسبة النفس وتقوى الله.

فضل العمل بالقرآن وأثره في الآخرة

يُبين أن العمل بالقرآن هو الأصل في إقامته، ومن يعمل به يكون حجة له ويقوده إلى الجنة، بينما من يخالفه يكون حجة عليه ويقوده إلى النار. نسأل الله أن يوفقنا للعمل بكتابه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في رسالته «أخلاق حملة القرآن»، وهو يذكر ما ينبغي أن يكون عليه حامل القرآن من الصفات الحسنة والأخلاق الجميلة: «إن علم غيره رفق به، لا يعنف من أخطأ ولا يخجله»، أي أن حامل القرآن إذا علم غيره رفق بمن يعلمه، عامله بالرفق لا بالشدة والغلظة. فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وهو أيضا سبب لمحبة هذا الطالب لتعلم القرآن، لما يرى معلمه رفيقا رحيما شفيقا. فهذا مما يحببه للعلم ولتعلم القرآن. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصفه الله عز وجل بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. ومالك بن الحويرث رضي الله عنه لما أتى النبي عليه الصلاة والسلام هو ومن كان معه من أصحابه من الشباب، فذكر من خلق النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان رفيقا رحيما عليه الصلاة والسلام، قال: «لا يعنف من أخطأ ولا يخجله»، يعني من يدرس عنده ويعلمه القرآن قد يخطئ في القراءة وفي التلاوة وفي نطق الكلمات أو في نطق الحروف، فلا يعنف من أخطأ، يعني يعامله بالعنف والشدة والقسوة، ولا يخجله، أي أمام إخوانه، ما يقول له: أنت ما تعرف، أنت ما تفهم، أنت كذا، لا، هذا مما يجعله يكره تعلم العلم وتعلم القرآن، وربما ينفر بسبب هذه الأخلاق ويترك تعلم كتاب الله جل وعلا. بل يعامله بالرفق واللين، لا بأس عليك، إذا أخطأ تقول: لا بأس، إن شاء الله ستتعلم وستحسن تلاوة القرآن وقراءته. وكذا كلنا، نحن في بداية الأمر يصعب علينا نطق الكلمات ونطق الحروف حتى تعلمنا، فترفع من معنوياته وتحثه. وكذلك أيضا تكون عونا له على تعلم القرآن ومحببا له لذلك. قال: «رفيق في أموره، صبور على تعليم الخير». كذلك ينبغي لحامل القرآن أن يكون عنده صبر في تعليم العلم وتعلم القرآن، وكذلك أيضا في تحمل الطلبة. فإن أخلاق الطلاب تختلف، ومداركهم ومفاهيمهم كذلك تتنوع، هذا قد يكون عنده ذكاء، وهذا قد يكون عنده نقص في باب الذكاء والفهم، يحتاج إلى زيادة تكرار، وكذلك زيادة عناية وتفهيم، فلابد من صبر، لابد أن تكون صبورا. قال: «يأنس به المتعلم، ويفرح به المجالس»، لما يكون حامل القرآن ومعلم القرآن على أخلاق فاضلة وأخلاق طيبة، فإن المتعلم يأنس به، يحب مجالسته ويأنس بالتعلم منه، ويفرح إذا جالسه لأنه لا يجد منه إلا الخير، لا يجد منه إلا الخير والكلمات الطيبة والحث والنصح والتوجيه الحسن، بخلاف ما لو كان على غير ذلك، لو كان قاسيا شديدا معنفا، ينفر الطلاب، ما يحبون أن يجلسوا معه، ولا يأنسون بمجالسته، ولا يفرحون بقربه. قال: «مجالسته تفيد خيرا مؤدب لمن جالسه بأدب القرآن والسنة»، وهو يتأدب بآداب القرآن والسنة، ويظهر ذلك على أخلاقه، على لسانه، وعلى جوارحه. وهكذا يكون حامل القرآن على أسمى الأخلاق الفاضلة. قال: «إن أصيب بمصيبة فالقرآن والسنة له مؤدبان». إذا أصابته مصيبة أو نزلت به نازلة، فهو يعلم أنها من عند الله جل وعلا، فيصبر ويحتسب، ﴿وَمَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، فهو يعلم أن هذه المصائب من عند الله سبحانه وتعالى، فيؤمن ويسلم، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال علقمة رحمه الله: «هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم». وهكذا يكون حامل القرآن. قال: «يحزن بعلم، ويبكي بعلم، ويصبر بعلم، ويتطهر بعلم، ويصلي بعلم، ويزكي بعلم، ويتصدق بعلم، ويصوم بعلم، ويحج بعلم»، أي أن سائر أعماله وسائر طاعاته بعلم يعملها بعلم ومعرفة وفهم لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يعملها بجهل كحال غيره، بل هو يتحرى أن يعبد الله جل وعلا على علم. قال: «ويجاهد بعلم»، حتى بباب الجهاد، من أعظم، فهو إن جاهد جاهد بعلم، عنده معرفة وعلم ضوابط الجهاد الشرعي. فإن العبادة إذا كانت قائمة على العلم حصل بها النفع والخير، وإذا فعلت بجهل حصل بها من الشر والفساد ما هو أعظم. ولهذا قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «من عبد الله بجهل أو بغير علم أفسد أكثر مما يصلح»، أفسد أكثر مما يصلح، خاصة في باب الجهاد، فهو باب عظيم ومزلق خطير. ولهذا ضل في هذا الباب الخوارج، أيما إغلال، الذين يزعمون أنهم جاهدون في سبيل الله، وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بأوصاف تدل على عظيم جهلهم في هذا الباب. قال عليه الصلاة والسلام: «يخرج أقوام في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم. فمن أدركهم فليقتلهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم -والحديث في الصحيحين-. وقال عليه الصلاة والسلام في ذي الخويصرة: «يخرج من ضئضئ هذا أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإيمان ويتركون أهل الأوثان»، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد -والحديث أيضا في الصحيحين-. هكذا يخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هؤلاء الخوارج أنهم يقتلون أهل الإيمان ويتركون أهل الأوثان، ويزعمون أن هذا جهاد، أن هذا جهاد. فتجدهم يقتلون النساء والصبيان وكبار السن، وربما فجروا في بلاد الإسلام وقتلوا أهل الإيمان وأهل العلم وأهل الفضل، ويزعمون أن هذا جهاد، ويزعمون أن هذا جهاد. أليس قد قتلوا أفضل من كان على ظهر هذه الأرض في زمن علي رضي الله عنه؟ وعلي بن أبي طالب قتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، وفعل ذلك تقربا إلى الله، فعل هذا تقربا إلى الله. وهكذا قتلوا بعده عثمان رضي الله تعالى عنه، ويزعمون أن هذا جهاد وقربة إلى الله. فهكذا يفسدون أكثر مما يصلحون بسبب الجهل وعدم العلم. قال: «ويكتسب بعلم، وينفق بعلم»، أي أن حامل القرآن يحرص على الحلال، يحرص على الكسب الحلال، فهو يتحرى كسب المال الحلال ويجتنب الحرام. وينفق بعلم أيضا، إن أنفق ماله أنفقه بعلم، ما ينفقه في أمور محرمة أو منهي عنها أو منهي عنها أو مخالف لدين الله. قال: «ينبسط في الأمور بعلم، وينقبض عنها بعلم». إذا انبسط في الأمور قولا أو فعلا يفعل ذلك بعلم، وإن قبض عنها، إن قبض بعلم، أي أن سائر أعمال التي يعملها يعملها بعلم، قد أدبه القرآن والسنة، يتصفح القرآن ليؤدب به نفسه. هو لا يقرأ القرآن لمجرد التلاوة ونطق الحروف فقط، بل يتأدب بآداب القرآن، إن مر بآيات فيها الأمر بالصدق يلزم نفسه الصدق وترك الكذب. إن مر بآيات فيها الأمر بالوفاء بالعهد يلزم نفسه بذلك، أن يكون من الموفين بالعهد. إن مر بالآيات التي فيها الأمر بالتواضع يحرص على ذلك. إن مر بالآيات التي فيها ذم الكبر والعجب والغرور، فهو يلزم نفسه استنباط ذلك. وهكذا سائر آداب القرآن، يقرأ القرآن ويتأدب بآدابه، ويظهر أثر هذا القرآن في جوارحه وأخلاقه. قال: «ولا يرضى من نفسه أن يؤدي ما فرض الله عز وجل عليه بجهل، قد جعل العلم والفقه دليله إلى كل خير». إذا درس القرآن ففي حضور فهم وعقل. نعم، هكذا حامل القرآن، هو يحرص على الانتفاع بدلالات القرآن، وكذلك أوامر القرآن فيأتمر بها، ونواهيه فيجتنبها، وآدابه فيتخلق بها. قال: «همته إيقاع الفهم لما ألزمه الله عز وجل من اتباع ما أمر والانتهاء عما نهى». ليس همته متى أختم السورة، ليس همته أن يختم السورة وينتهي منها، يقرأ ويقول: متى أنتهي؟ لا، يقرأ ويقول: متى أنتفع؟ متى أنتفع؟ متى أعمل؟ متى أخشع؟ متى أتق الله جل وعلا؟ متى أكون من أهل التقوى وأهل الصلاح ومن العاملين بالقرآن؟ وهكذا. قال: «همته متى أستغني بالله عن غيره، متى أكون من المتقين، متى أكون من المحسنين، متى أكون من المتوكلين». ويمر على مثل هذه الآيات: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، يحدث نفسه: متى أكون من هؤلاء؟ كيف أكون من هؤلاء حتى يحبني الله جل وعلا؟ هو يحرص أن يعمل بأعمال هؤلاء المتقين والمحسنين حتى ينال محبة الله جل وعلا، وثناء الله سبحانه وتعالى. قال: «متى أكون من المتوكلين، متى أكون من الخاشعين، متى أكون من الصابرين، متى أكون من الصادقين». يمر على هذه الآيات التي فيها الثناء والمدح على الخاشعين وعلى الصابرين وعلى الصادقين، فيحدث نفسه: متى يكون من هؤلاء؟ متى يتخلق بأخلاقهم حتى يكون منهم وينال محبة الله جل وعلا وثناء الله سبحانه وتعالى؟ قال: «متى أكون من القانتين، متى أكون من الراجين، متى أزهد في الدنيا، متى أرغب في الآخرة، متى أتوب من الذنوب». هكذا يربي نفسه ويصلح نفسه بقراءة القرآن، إن مر بالآيات التي فيها ذم الدنيا وبيان حقارتها، فهو يحدث نفسه: متى أكون من الزاهدين في الدنيا الذين لا يرغبون فيها ويتعلقون بها، بل يتعلقون بالآخرة؟ متى أكون من أهل الآخرة التي تكون قلوبهم معلقة بما عند الله سبحانه وتعالى؟ وهكذا إذا مر بآيات المغفرة والتوبة، يحدث نفسه: متى أتوب من الذنوب؟ وتوبة صادقة وأرجع إلى الله سبحانه وتعالى وأحسن الأعمال. قال: «متى أعرف النعم المتواترة، متى أشكر عليها». نعم، إذا مر بالآيات التي فيها بيان عظيم نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد، فيحدث نفسه: متى أعرف هذه النعم؟ وأقوم بشكرها لله سبحانه وتعالى؟ وأكون من الشاكرين. قال: «متى أعقل عن الله جلت عظمته الخطاب، متى أفقه ما أتلو، متى أغلب نفسي على هواها، متى أجاهد في الله عز وجل حق الجهاد». هو يقرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، والذين جاهدوا فينا، في الله، أنت تجاهد نفسك في الله، في لزوم الأوامر واجتناب النواهي، تحدث نفسك: متى تبلغ هذه المنزلة العظيمة؟ أن تكون من المجاهدين لأنفسهم لله سبحانه وتعالى. قال: «متى أحفظ لساني، متى أغض طرفي، متى أحفظ فرجي». نعم، تمر الآيات التي فيها الأمر بحفظ اللسان: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، وهكذا غيرها من الآيات، تتفطن لها حفظ اللسان، وحفظ البصر، وحفظ الفرج، فتحدث نفسك: متى تكون من هؤلاء المحققين لهذه الأوامر، الخائفين من الله، المراقبين لله سبحانه وتعالى؟ قال: «متى أستحي من الله حق الحياء، متى أشتغل بعيبي، متى أصلح ما فسد من أمري، متى أشتغل بعيبي». أنت تنظر في عيوبك، في النقص الذي عندك حتى تصلحه، لا تشتغل بعيوب الناس، فما من أحد إلا وعنده عيب، ما من أحد إلا وعنده عيب، لأن الناس بشر يصيبون ويخطئون. أنت عليك أن تشتغل بعيوب نفسك لا بعيوب الآخرين، لا تشتغل بعيوب الآخرين. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حال من يشتغل بعيوب الناس ويترك عيوبه: «يرى القذاة في عين أخيه وينسى الجذع معترضا بين عينيه»، يعني ينظر إلى عيوب الآخرين وهي شيء يسير، وعندهم يعني العيوب ما هو أعظم من ذلك، ما هو أعظم من ذلك، لا يبالي به ولا يصلحه، ينبغي أن تصلح نفسك وتنظر في عيوب نفسك حتى تصلحها. قال: «متى أحاسب نفسي، متى أتزود ليوم معادي». نعم، يمر على الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، يحدث نفسه: متى أحاسب نفسي؟ متى أصلح أمري وأصلح حالي وأصلح أقوالي وأفعالي وأصلح آخرتي؟ قال: «متى أتزود ليوم معادي»، أي بالأعمال الصالحة وبتقوى الله جل وعلا وتزوده، فإن خير زاد التقوى. لا تمر عليه هذه الآيات مجرد قراءة وتلاوة، بل هو يحدث نفسه على أن يعمل بها وأن يصلح قلبه وجوارحه. قال: «متى أكون عن الله راضية، متى أكون بالله واثقا، متى أكون بزجر القرآن متعظة». إذا مر بآيات الزواجر وآيات الوعيد وآيات العذاب وآيات العقاب وآيات النار، يحدث نفسه: متى أتعظ بها؟ ومتى أكون خائفا منها؟ قال: «متى أكون بذكره عن ذكر غيره مشتغلا، متى أحب ما أحب، متى أبغض ما أبغض، متى أنصح لله، متى أخلص له عملي، متى أقصر أملي، متى أتأهب ليوم موتي وقد غيب عني أجلي». ينظر، تأتي في آيات الموت: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، يمر على هذه الآيات، يعلم أنه لا بد أنه سيموت ويرحل من هذه الدنيا، فيحدث نفسه على أي شيء يموت؟ متى سيأتيه الأجل؟ هو لا يدري، فيربي نفسه على قصر الآمال، وأن الموت قد يأتيه في أي لحظة، فيصلح نفسه حتى إذا نزل به الموت يكون على استعداد لملاقاة ربه سبحانه وتعالى. قال: «متى أعمر قبري»، يعني بالأعمال الصالحة، لأن الأعمال الصالحة هي رفيق الإنسان في قبره، حين يرحل من هذه الدنيا، لا يرحل إلا بعمله، لا يرحل إلا بعمله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يتبع الميت ثلاث: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله» -اتفق عليه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه-. فإعمار القبور بالأعمال الصالحة، وكما قال عليه الصلاة والسلام: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار»، روضة من رياض الجنة بالأعمال الصالحة، هي التي تجعل قبرك روضة من رياض الجنة، فأنت تعمر قبرك بطاعة الله وبالأعمال الصالحة. قال: «متى أفكر في الموقف وشدته، متى أفكر في خلوتي مع ربي». وهكذا في سائر قراءته وتلاوته للقرآن، فهو يربي نفسه أن يتعظ ويعتبر ويعمل بما يقرأ ويتلو ويصلح قلبه ويصلح جوارحه. قال: «متى أفكر في المنقلب، متى أحذر ما حذرني منه ربي من نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وغمها طويل، لا يموت أهلها فيستريح -كما قال الله عز وجل-: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، قال: ولا تقال عثرتهم، ولا ترحم عبرتهم»، أي بكاؤهم ونشيجهم وصياحهم لا ينفع. قال: «طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم، كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ليذوقوا العذاب، ندموا حيث لا ينفعهم الندم، وعضوا على الأيدي أسفا على تقصيرهم في طاعة الله عز وجل وركوبهم لمعاصي الله تعالى». فهو ينظر في هذه الآيات التي فيها عذاب أهل النار، وما هم عليه من العذاب والنكال والحسرة والندم، فيربي نفسه أن يحذر أن يعمل بعملهم، وأن يسلك طريقهم وسبيلهم الذي أوبقهم إلى الوقوع في النار عياذا بالله، حتى يخوف نفسه من معصية الله سبحانه وتعالى. قال: «فيقال منهم قائل: يا ليتني قدمت لحياتي»، هذا ندم المفرط، يضيع حياته الدنيا في اللعب واللهو والغفلة والانهماك في الدنيا وترك العمل للآخرة، إذا نزل به الموت يندم، فيقول: «يا ليتني قدمت لحياتي»، يعلم أن حياته الدنيا كانت غرور لا شيء، وأن الحياة الحقيقية هي الآخرة: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، أي الحياة الأخروية، وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، فهو يوقن بأن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، فيقول: «يا ليتني قدمت لحياتي»، أي حياتي الحقيقية وهي الآخرة التي ضيعها وضيع العمل لها في الدنيا لأجل حياة الدنيوية الفانية. وقال قائل: «رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت»، وهذا آخر من أهل التفريط والندم، الذي يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليعمل صالحا، ربما عاش في الدنيا سنين طويلة، ربما عمر الثمانين، فوق الثمانين أو دون ذلك، سنين عديدة، وما عمل فيها صالحا، في غفلة وفي لعب ولهو، لما نزل به الموت وأدرك أنه سيفارق هذه الحياة الدنيا، طلب من الله جل وعلا الرجوع حتى يصلح الأعمال. وقال قائل: «يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها»، أي سجلها وسطرها. وقال قائل: «يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا»، أي صاحبا، لماذا؟ لأنه أضله وغرّه، وزين له الباطل فاتبعه على ذلك حتى أبعده عن طاعة الله سبحانه وتعالى. قال: «وقالت فرقة منهم: ﴿وَوُجُوهُهُمْ تَتَقَلَّبُ فِي أَنْوَاعِ الْعَذَابِ قَالُوا يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ﴾»، هؤلاء الذين قدموا طاعة ملوكهم وأمرائهم وأسيادهم على طاعة الله والرسول، فندموا ندما عظيما. قال: «فهذه النار يا معشر المسلمين يا حملة القرآن حذرها الله المؤمنين في غير موضع من كتابه رحمة منه للمؤمنين». فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وقال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وهذه الآية أصل في محاسبة النفس، أصل في محاسبة النفس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، المراد بالغد: أي يوم الآخر، ماذا أعددت لهذا اليوم من الأعمال الصالحة ومن الطاعات والقربات حتى تفوز وتنجو وتفلح؟ قال: «ثم حذر المؤمنين أن يغفلوا عما فرض عليهم وما عاهدوا إليهم ألا يضيعوه، وأن يحفظوا ما استرعاهم من حدوده، ولا يكونوا كغيرهم ممن فسق عن أمره فعذبه بأنواع العذاب». فقال عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، لا تكونوا كالذين نسوا الله، أي تركوا عبادة الله جل وعلا وأهملوا طاعة الله، فلم يلزموا الأوامر ولم ينتهوا عن النواهي، فكانت النتيجة: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، أهملهم الله وتركهم وضيعهم، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن طاعة الله جل وعلا، احذروا أن تكونوا من هؤلاء. ثم أعلم المؤمنين أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون. إذا كان الأمر كذلك، فالعاقل الفطن ما يرضى بنفسه بالدون، أن يكون من الخاسرين، وأن يكون من الهالكين، بل هو يحرص أن يكون من الفائزين. إذا كان أهل الجنة هم الفائزون، فيحرص على عمل أهل الجنة حتى يفوز بالجنة ويكون من أهلها، ويكون من السعداء، ويكون من المفلحين. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون. قال: «فالمؤمن العاقل إذا تل القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة يرى بها ما حسن من فعله وما قبيح منه». فما حذره مولاه حذره، وما خوفه من عقابه خافه، وما رغبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه. المؤمن العاقل، وحامل القرآن على جهة الخصوص، إذا تل القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة له. أنت لما تأتي إلى المرآة، المرآة تريد أن تنظر في وجهك، تنظر في شعرك، تصلح من مظهرك، تنظر في المرآة ترى الخلل والنقص فتصلحه، ترى الخلل والنقص فتصلحه. وهكذا اجعل القرآن كالمرآة، مررت بآية فيها الأمر بالصدق وأنت تكذب، أصلح نفسك، أصلح لسانك، إلزم الصدق. مررت بالآيات فيها الأمر بالمحافظة على الصلاة وأنت مضيع ومقصر، إذن أصلح هذا الخلل، حافظ على الصلوات. مرت بالآيات فيها الأمر ببر الوالدين، أنت عندك تقصير في هذا الباب، أصلحه واحرص على بر الوالدين. مرت بالآيات فيها الأمر بصلة الأرحام وأنت عندك خلل في هذا الباب، أصلح. وهكذا تجعل القرآن مرآة لك تصلح به نفسك، تأتمر بأوامره وتنتهي بنواهيه وتتأدب بآدابه حتى تكون على أكبر الأحوال والأخلاق. قال: «فمن كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدا وشفيعا وأنيسا وحرزا». ومن كان هذا وصفه نفع نفسه ونفع أهلا، وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة. من كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة، يعني إما أن يكون على أكمل الصفات، فيكون مسددا في العمل بالقرآن على الجهة الكمال، وهذا هو الأفضل والأكمل. وقد لا يكون كذلك، دون ذلك، لكن مقارب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا»، السداد وقاربوا السداد، إصابة الهدف، والمقاربة أنك لا تصيب الهدف لكن قريب منه، لكن قريب منه. فهكذا ينبغي أن تكون، أن تكون صفتك كما ذكر، تكون مسددا بإصابة الهدف بالعمل بكل ما في القرآن، وهذا الأكمل والأفضل والأحسن. إن لم يكن كذلك فكن مقارب، كن مقارب، يعني قد يكون عندك شيء من النقص لكنه قليل، لكنه قليل. إذا كنت كذلك فأنت على خير، إذا كنت مسددا أو كنت مقاربا فأنت بهذا على خير. لكن المصيبة أن تكون بعيد الهدف في هذه الجهة وأنت ترمي في الخلف، فأنت هنا بعيد جدا عن التوفيق والسداد. فإذا كنت كذلك، فقد تلوته حق تلاوته ورعيته حق رعايته، لأن الأصل في إقامة القرآن وإقامة تلاوته هو بالعمل به، العمل بالقرآن. فإن كنت كذلك، كان القرآن شاهدا لك، وكان كذلك حرزا لك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك»، حجة لك إن عملت به، وحجة عليك إن خالفت ما فيه. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره قاده إلى النار». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للعمل بكتاب الله جل وعلا، وأن يجعلنا سبحانه من أهل القرآن العاملين بما فيه، وأن يجعل جل وعلا القرآن شاهدا لنا لا علينا، وحجة لنا لا علينا. وصل الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.