الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يعدد الإمام الآجري أخلاق من حمل القرآن ليستهدف الدنيا، ويصف صفاتهم السيئة مثل التكبر وعدم الامتثال لأوامر القرآن. يحذر من هذه الصفات ويبين عواقبها.
يصف حامل القرآن الذي ضيع حقوق الله واهتم بالدنيا، فهو لا يعمل بما في القرآن ويهتم بالعلوم التي يتزين بها عند الناس. تلاوته للقرآن تفتقر إلى الخشوع والتأثر بمعانيه.
نهى النبي عن الكبر والإعجاب بالنفس، وضرب مثالا لرجل خسف الله به الأرض لافتخاره في مشيته. الإعجاب بالنفس هو آفة العقول ومهلكة لأهل الفطنة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، إن على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في رسالته «أخلاق حملة القرآن»: قال باب أخلاق من قرأ القرآن لا يريد به الله عز وجل. بعد أن ذكر شيئا من أخلاق من حمل القرآن يريد به الله سبحانه وتعالى، ثنى هنا بذكر هذا الباب في ذكر أخلاق من قرأ القرآن لا يريد به الله، أي قصده من أخذ القرآن هو الدنيا، قصده هو الدنيا، المدح والثناء، والسمعة، ونيل شيء من أغراض الدنيا. سيذكر في هذا الباب شيئا من صفات هؤلاء حتى يحذر المسلم وحامل القرآن أن يتخلق بأخلاق هؤلاء الذين أخذوا القرآن لأجل الدنيا، فيحذر من أخلاقهم. قال: فأما من قرأ القرآن للدنيا ولأبناء الدنيا -يعني من أهل الأموال، أبناء الملوك ونحوهم- قال: فإن من أخلاقه أن يكون حافظا لحروف القرآن، مضيعا لحدوده. تجده متقنا لقراءة القرآن في تلاوته، وكذلك تجويده وحسن نطق حروفه وألفاظه، لكنه في المقابل مضيعا لحدوده، لا يمتثل لأوامر القرآن، ولا ينتهي عن نواهيه؛ لأن مقصوده من أخذه للقرآن هو الدنيا. قال: متعظما في نفسه، متكبرا على غيره، أن يكون عنده عجب وغرور وكبر، عجاب النفس لأنه لم يحمل هذا القرآن لله، فلهذا لم يؤثر في أخلاقه. قال: قد اتخذ القرآن بضاعة يتأكل به الأغنياء -يعني يتأكل به من أموال الأغنياء- بقراءة القرآن لهم وإسماعهم للقرآن، أو لتدريس أبنائهم ونحو ذلك. قال: ويستقضي به الحوائج، يستقضي بالقرآن حوائجه، إذا أراد أن يقضي حاجة من حوائج الدنيا، فإنه يستقضي هذه الحاجة بالقرآن، يقول: أنا فلان، أنا حافظ القرآن، أنا كذا؛ من أجل أن تقضى حوائجه، وربما كذلك لأجل أن يحسن له في المعاملة ونحو ذلك. قال: يعظم أبناء الدنيا ويحقر الفقراء؛ لأن الفقراء لا يجد منهم شيئا من متاع الدنيا، بخلاف الأغنياء فإنه يعظم أبناءهم -أي أبناء الملوك والتجار وأهل الأموال- حتى ينال منهم ما ينال من متاع الدنيا. قال: إن علم الغني رفق به طمعا في دنياه، وإن علم الفقير زجره وعنفه؛ لأنه لا دنيا له يطمع فيها. يستخدم به الفقراء -يعني يستخدم بالقرآن الفقراء- أي في خدمته والقيام بقضاء حوائجه، ويتيه به على الأغنياء -أي تعالى بالقرآن على الأغنياء. قال: إن كان حسن الصوت أحب أن يقرأ للملوك ويصلي بهم طمعا في دنياهم، وإن سأله الفقراء الصلاة بهم فذلك عليه لقلة الدنيا في أيديهم. إنما طلبه الدنيا حيث كانت، ربض عندها -أي لزمها حيث وجد أنه سيجد شيئا من متاع الدنيا من عطاء وأموال ونحو ذلك لزم ذلك واقترب إليهم كأبناء الأغنياء. وأما الفقراء لكونهم ما معهم شيء من أمور الدنيا، فهو بعيد عنهم، لا يحب مجالستهم ولا قراءتهم القرآن ولا الاستماع لهم؛ لأنه لا يجد شيئا من الدنيا في أيديهم. قال: يفخر على الناس بالقرآن، ويحتج على من دونه في الحفظ بفضل ما معه من القراءات وزيادة المعرفة بالغرائب من القراءات. يعني يفخر مما أتاه الله سبحانه وتعالى من حفظ القرآن وحسن تلاوته، وربما بما من عليه من معرفة بعض القراءات الأخرى -القراءات السبع أو العشر- وربما زاد معرفته بالقراءات الأربع الشواذ، فتجده يظهر ما عنده من هذه القراءات الشاذة يفتخر بذلك. كون الإنسان يحفظ القرآن ويتعلم القراءات لأجل معرفة هذا العلم والعمل به وحفظه وتعليمه للآخرين هذا أمر حسن، أما كونه يفتخر بذلك على غيره ويتكبر على غيره بذلك فهذا هو المذموم. قال: فتراه تائها متكبرا، كثير الكلام بغير تمييز -يعني تجد عنده شيئا من الثرثرة وكثرة الكلام- ولا يميز هذا الكلام، فلا يكون كلاما موزونا ولا كلاما معقولا، وإنما همه أن يتكلم حتى ينظر إليه. قال: يعيب كل من لم يحفظ كحفظه، ومن علم أنه يحفظه كحفظه طلب عيبه الذي لم يوفق لحفظ القرآن مثله. تجده يعيبه: فلان ما يحفظ ما عنده إلا كذا وكذا من الأجزاء، وإذا وجد من يحفظ مثله فإنه يتطلب له العيب، ينظر: هل من عيب؟ هل من خطأ؟ هل من زلل؟ حتى يعيبه به، فيتنقص غيره ويرتفع هو. قال: متكبرا في جلسته، متعاظما في تعليمه لغيره، ليس للخشوع في قلبه موضع؛ لأنه لا يهتم بتدبر القرآن وبإحياء قلبه وإصلاحه بكتاب الله جل وعلا، وإنما همه الدنيا، لهذا هو لا يخشع. مع حبه لهذا القرآن ليس لهذا القرآن أثر في قلبه. قال: كثير الضحك والخوض فيما لا يعنيه، يشتغل عن من يأخذ عليه بحديث من جالسه -يعني من جلس معه وضحك ومزح- وجاء من يريد أن يقرأ القرآن لم يعتبر به ولم يبالي به، فتجده يميل إلى أهل الضحك والمزاح أكثر من ميله إلى من أراد أخذ القرآن وتعلمه. قال: هو إلى استماع حديث جليسه أصغى منه إلى استماع من يجب عليه أن يستمع له -هو ممن أراد أن يأخذ القرآن ويتعلم القرآن- وأنت تحمل كتاب الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، فينبغي أن يميل أن يكون أكثر ميله إلى حملة القرآن ومن أراد أن يتعلم القرآن، ولكن هذا على العكس، ذلك يميل إلى أهل الدنيا وأهل اللعب. قال: يري أنه لما يستمع حافظ -يعني يقول له: اقرأ- يقول لمن أراد أن يقرأ القرآن: اقرأ، وهو يلعب ويمزح ويلهو مع أصحابه، يظهر بهذا أنه ممن يجيد ويتقن القرآن، وأنه إن شغل بغيره فهو منتبه لقوة حفظه وشدة فهمه، إلى آخر ذلك مما هو من مظاهر العجب والغرور. قال: فهو إلى استماع كلام الناس أشهى منه إلى كلام الرب عز وجل، لا يخشع عند استماع القرآن، ولا يبكي، ولا يحزن، ولا يأخذ نفسه بالفكر فيما يتلى عليه، وقد ندب إلى ذلك -يعني طلب منه أن يتفكر ويتدبر بكلام الله جل وعلا- ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾، وقال جل وعلا: ﴿أفلم يتدبروا القول﴾، لكنه لا يبالي يتدبر القرآن وتتفكر في معانيه ودلالاته؛ لأن همه منه هو الدنيا. قال: راغب في الدنيا وما قرب منها، لها يغضب ويرضى -يغضب ويرضى أي للدنيا- فإن حصل على شيء من أمور الدنيا فرح، وإن فاته شيء من أمور الدنيا غضب. قال: إن قصر رجل في حقه قال، أهل القرآن لا يقصر في حقوقهم، وأهل القرآن تقضى حوائجهم -يستقضي من الناس حق نفسه- يستقضي من الناس حق نفسه؛ لأنه حامل للقرآن، وهو مضيع لحقوق الله التي يجب عليه أن يقوم بها لله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك أنه من الخذلان والجهل العظيم. قال: ولا يستقضي من نفسه ما لله عليها، يجده مضيعا للواجبات، مرتكبا لشيء من المحرمات، ثم إذا لم تقض له شيء من الحوائج غضب لذلك، وهو لا ينظر إلى ما عنده من تضيع وتفريط عظيم في حق الله سبحانه وتعالى. يغضب على غيره زعما لله، ولا يغضب على نفسه لله، والذي ينبغي أن يغضب على نفسه كونه قصر في حقوق الله، في الواجبات والفرائض، ووقع في شيء من المعاصي والمحرمات، ينبغي أن يصلح نفسه. قال: ولا يبالي من أين اكتسب -من حرام أو حلال- فلا يبالي بكسبه الحلال، همه أن يتحصل على المال، ولو كان بالطرق المحرمة، ولو كان بالطرق المحرمة لا يبالي بذلك؛ لأن همه هو الدنيا. قال: قد عظمت الدنيا في قلبه، إن فاته منها شيء لا يحل له أخذه حزن على فوته، إذا فاته شيء من الدنيا لا يحل له أن يأخذه حزن على ذلك؛ لأن قلبه معلق بالدنيا. قال: لا يتأدى بأدب القرآن، ولا يزجر نفسه عند الوعد والوعيد -يعني عند آيات الوعد التي فيها ذكر النعيم والمغفرة والجنة فلا يتعظ بها- ولا كذلك أيضا عند آيات الوعيد التي فيها ذكر النار والعذاب فيحمله ذلك على الخوف. قال: لا يغفل عما يتلو أو يتلى عليه، حافظ الحروف -يعني نطق القرآن وحسن التلاوة هذا همه-؛ لأن به موضع الثناء والمدح، إن أخطأ في حرف ساءه ذلك؛ لألا ينقص جاهه عند المخلوقين، فتنقص رتبته عندهم، فتراه محزونا مغموما بذلك. إذا أخطأ في حرف ثناء القراءة في الحفظ ورد عليه حزنا شديدا؛ لأن هذا ينقص منزلته عند أهل الدنيا، فيحزن لذلك حزنا شديدا، وهو لا ينظر إلى ما عنده من تفريط بتضيع الواجبات وارتكاب المحرمات، هذا لا يحزنه ولا يسوه؛ لأن مراده بالقرآن الدنيا، عياذا بالله. قال: لأن لا، قال: فتراه محزونا مغموما بذلك، وما قد ضيعه فيما بينه وبين الله تعالى مما أمر به في القرآن أو نهي عنه غير مكترث به، غير مبالي بما عنده من تضيع للفرائض الواجبات وارتكاب لشيء من المحرمات. قال: أخلاقه في كثير من أموره أخلاق الجهال الذين لا يعلمون، لا يأخذ نفسه بالعمل بما أوجب عليه القرآن، إذ سمع الله تعالى يقال: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، فكان الواجب عليه أن يلزم نفسه طلب العلم لمعرفة ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فينتهي عنه، وهذا الذي ينبغي أن يعتني به حامل القرآن، هو العمل بما في كتاب الله جل وعلا، فيمتثل الأوامر ويجتنب النواهي ويحل الحلال ويحرم الحرام ويعمل بكتاب الله سبحانه وتعالى. قال: قليل النظر في العلم الذي هو واجب عليه فيما بينه وبين الله عز وجل، فهو لا يعمل -لا يهتم بالعمل بالقرآن- معرفة الفرائض والواجبات ليحافظ عليها، ويعرف المحرمات المنكرات ليجتنبها، لا يبالي بذلك. قال: قليل النظر في العلم الذي هو واجب عليه فيما بينه وبين الله عز وجل، كثير النظر في العلم الذي يتزين به عند أهل الدنيا ليكرموه بذلك. فهو يهتم بالعلوم التي يتزين بها -كمعرفة علوم اللغة- وكذلك القراءات، نحو ذلك مما يكون به التزين عند أهل الدنيا حتى يكرم بذلك ويعطى ما يعطى من متاع الدنيا. قال: قليل المعرفة بالحلال والحرام الذي ندب الله تعالى إليه، ثم رسوله ليأخذ الحلال بعلم ويترك الحرام بعلم. فهو لا يهتم بمعرفة الحلال والحرام حتى يلزم الحلال ويجتنب الحرام ويحرص على الكسب الطيب، فهذا لا عناية له به، وإنما همه كما مر: إقامة القرآن بحروف وألفاظه، وما كان فيه كذلك تزين بالقرآن، عياذا بالله. قال: لا يرغب في معرفة علم النعم، ولا في علم شكر المنعم. لا يرغب في معرفة علم النعم -يتعرف على نعم الله سبحانه وتعالى- وأن نعم الله عز وجل عظيمة وكثيرة، ونعم الله عز وجل علينا تترى، وأن ما من نعمة أنعم بها العبد إلا وهي من الله سبحانه وتعالى، ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، فإذا عرف ذلك عرف العبد فقره وحاجته إلى ربه، وكذلك عظيم افتقاره إلى خالقه سبحانه وتعالى، ثم يعرف ما ينبغي عليه تجاه هذه النعم من شكر المنعم سبحانه وتعالى؛ لأن ذلك سبب لدوام النعم، وكفر النعم سبب لزوالها، كما قال الله عز وجل: ﴿ولئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾. قال: تلاوته القرآن تدل على كبر في نفسه وتزين عند السامعين منه، ليس له قشوع -فيظهر على جوارحه- فهو إذا قرأ القرآن يظهر عليه آثار الكبر والعجب والغرور، وتزين عند السامعين يزين صوته من أجل أن يمدحوا ويثنوا عليه، ليس له خشوع فيظهر على جوارحه؛ لأن حقيقة الخشوع هو خشوع الجوارح، أما خشوع القلب -وهو كان كذلك مطلوبا ومقصودا- لكن لا بد أن يظهر أثر هذا الخشوع في الجوارح بالتزامه بالفرائض واجتنابه للمحرمات وإقباله على عمل الآخرة والتواضع وخفض الجناح وعدم العجب والكبر والغرور، إلى آخر ذلك من مظاهر الخشوع وقصد الآخرة بحمل القرآن. قال: إذا درس القرآن أو درسه عليه غيره، همته: متى يقطع؟ ليس همته: متى يفهم؟ فهو لا يعتبر بمعاني القرآن ودلالاته، وكذلك تدبر آياته، وإنما همه هو إقامة الألفاظ فقط، لهذا همه: متى يقطع وينتهي من القراءة. قال: لا يعتبر عند التلاوة بضرب أمثال القرآن، تمر عليه الأمثال العظيمة الكثيرة التي أمر الله جل وعلا بتدبرها وتأملها مما تزيد العبد إيمانا وتزيده إجلالا وتعظيما لله سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾، ثم لا تؤثر فيه شيئا، ولا يتعظ بها، ولا يعتبر بها. قال: ولا يقف عند الوعد والوعيد، لا يقف عند آيات الوعد -آيات الجنة والنعيم- فترغبه فيما عند الله وتزاهده في الدنيا، ولا آيات الوعيد التي فيها ذكر العذاب والنار، فتخوفه من الوقوع في معصية الله وفيما يغضب الله سبحانه وتعالى، فيكون سائرا إلى الله جل وعلا بين الرجاء والخوف -بين الرجاء والخوف هذا أكمل ما ينبغي أن يكون عليه العبد في سيره إلى الله جل وعلا- يرجو رحمة الله ويخاف عذابه، كما قال الله سبحانه وتعالى في أهل الإيمان: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾، وقال جل وعلا: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾، لكن هذا لا تؤثر فيه آيات الوعد ولا آيات الوعيد، عياذا بالله؛ لأن همه هو إقامة الألفاظ. قال: يأخذ نفسه برضى المخلوقين، ولا يبالي بسخط رب العالمين، همه إرضاء المخلوقين لينال ما ينال من متاع الدنيا، ولو كان في ذلك غضب الله، ولو كان في ذلك سخط الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني من دلائل الحرمان والخذلان أن يكون هذا حال العبد، فضلا أن يكون حامل القرآن من من الله عز وجل عليه بحفظ القرآن وإتقانه أن يكون همه هو إرضاء الناس ولو كان في ذلك سخط الله سبحانه وتعالى. وقد جاء عند الترمذي أن «معاوية رضي الله عنه كتب إلى عائشة رضي الله عنها: أوصيني بوصية أعمل بها ولا تكثر علي، فكتبت إليه رضي الله عنها: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس». من أرضى الله سبحانه وتعالى وكان همه رضى الله، ولو كان في ذلك سخط الناس، لا يبالي بالناس، همه إرضاء الله سبحانه وتعالى، فهذا يرضى الله عز وجل عنه، ويكفيه الله جل وعلا سخط الناس، فلا يضره سخطهم، بل جاء في بعض الروايات: «رضي الله عنه وأرضى عنه الناس». ومن كان همه إرضاء الناس، ولو كان في ذلك سخط الله، فإن الله عز وجل يكيله إلى الناس، فيسخط الله عليه ويسخط عليه الناس، فلا يوفق ولا يسدد ولا يعان في أعماله. قال: يحب أن يعترف -يحب أن يعرف- بكثرة الدرس، ويظهر ختمه للقرآن ليحظى عندهم؛ لأن مراده الدنيا -يعني يظهر أنه ختم القرآن وأنه ختم كذا وكذا ختم من القرآن أو نحو ذلك- أو أنه درس كذا وكذا من الطلاب. قال: قد فتنه حسن ثناء من جهله، يفرح بمدح الباطل. فتنه حسن ثناء من جهله -أي من جهله حقيقة أمره- من أثنى عليه جهلا بحاله، فإن ذلك يفتنه ويجعله يستمر في هذا الباطل وفي هذا الغرور والعجب. قال: يفرح بمدح الباطل، وأعماله أعمال أهل الجهل، يتبع هواه فيما تحب نفسه، غير متصفح لما زجره القرآن عنه. إن كان ممن يقرأ غضب على من قرأ على غيره، إذا كان يقرأ القرآن فإذا ذهب الطالب إلى غيره غضب: لماذا تذهب عند فلان؟ لماذا تذهب وتقرأ عند غيره؟ وهذا من دلائل عدم إرادته وجه الله سبحانه وتعالى بهذا القرآن؛ لأن الذي يريد ما عند الله ما يبالي أن يذهب هذا الطالب يأتي عنده، يذهب إلى غيره، المهم أنه يتعلم، أنه يتعلم قراءة القرآن ويجيد تلاوة القرآن. أنت تريد أن تعلمه سواء تعلم على يدك أو تعلم على يد غيرك، لكن الذي يريد الدنيا ما يرضى بذلك، يغضب إذا ذهب الطالب إلى غيره وقرأ القرآن على غيره. قال: إن ذكر عنده رجل من أهل القرآن بالصلاح كره ذلك، إذا قيل: فلان ما شاء الله، يحفظ ويجيد تلاوة القرآن، وصوته حسن بالقرآن أو كذا، فتجده يكره ذلك أن يذكر غيره بخير ويثنى عليه. قال: وإن ذكر عنده بمكروه سره ذلك، إذا ذكر هذا المقرئ بشيء من السوء والشر والذنب والقدح يفرح بذلك؛ لأنه يرى أنه يوضع هذا الذي يذم ويرتفع هو، وهذا مراده. قال: يسخر ممن دونه ويهمز من فوقه، يسخر ممن دونه في الحفظ والقراءة والتلاوة، فتجده يستهزي به ويسخر منه، ويهمز من فوقه -من كان أعلى منه- يلمزه ويعيبه وتنقصه. قال: يتشبع عيوب أهل القرآن، يتتبع عيوب أهل القرآن ليضع منهم ويرفع نفسه، يتمنى أن يخطئ غيره ويكون هو المصيب؛ لأن همه أن يثنى عليه ويمدح، فلهذا هو يحب أن يذم غيره وأن يتنقص وأن يعاب حتى يرتفع هو. قال: ومن كانت هذه صفته فقد تعرض لسخط مولاه الكريم، وأعظم من ذلك إن أن أظهر على نفسه شعار الصالحين بتلاوة القرآن، وقد ضيع في الباطن ما يجب لله وركب ما نهاه عنه مولاه الكريم، كل ذلك بحب الرياسة والميل إلى الدنيا، قد فتنه العجب بحفظ القرآن والإشارة إليه بالأصابع. هذا كله الذي جعله ويقع في هذه الأمور هو حبه للدنيا وحب الرياسة، حب الرياسة والشرف والرفعة، وحب الميل للدنيا ونيل عرض الدنيا. وهذان الأمران إذا اجتمعا في المرء فهما سبب عظيم لهلاكه: حب الدنيا، الحرص على الدنيا، وحب الشرف، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام -بحيث كعب بن مالك-: «ماذا أباني جائع عن غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، أي أن حرص المرء على المال -أي محبته للمال والحرص عليه والسعي إلى تحصيله بأي طريق وأي سبيل- وحب الشرف والرئاسة والرفعة إذا اجتمعا في المرء أهلكناه إهلاكا عظيما كإهلاك الذئب لزريبة الغنم، إذا أرسل ذئبان في زريبة غنم وهما في غاية من الجوع فإنهما لا يبقيان غنما من الأغنام إلا وقتلاها وهلكناها، وهكذا يهلك المرء حبه للدنيا، وكذلك حبه للشرف والرفعة، فهو لأجل حبه للرياسة والميل للدنيا أهلكه ذلك إهلاكا عظيما. وكذلك أيضا فتنه العجب بحفظ القرآن والإشارة إليه بالأصابع: الحافظ المتقن، الكذا الكذا المقرئ، هذا فتنه حتى يعني أوقعه في هذا المهلك العظيم، والعجب سبب عظيم لهلاك صاحبه، سبب عظيم لهلاك صاحبه. فيحذر حامل القرآن من ذلك، لا يغتر بما أتاه الله سبحانه وتعالى من حفظ للقرآن وحسن للتلاوة، بل يعلم أن ذلك فضل من الله سبحانه وتعالى، فيحمد الله عز وجل على ما من به عليه، ويطلب من الله جل وعلا التوفيق والسداد، فيتواضع ويخفض الجناح ولا يتكبر ولا يعجب بما أتاه الله سبحانه وتعالى، فإن العجب داء عظيم مهلك لصاحبه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي يختال في مشيته، ترجل رأسه معجب بنفسه، إذ خسف الله عز وجل به في الأرض، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». وكما قال عليه الصلاة والسلام، وكما قال علي رضي الله عنه: «آفة الألباب الإعجاب»، آفة الألباب -أهل الألباب- يعني مهلك لذوي العقول والفطن هو العجب، عياذا بالله. طيب، نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.