التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 22

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

آداب الطالب مع معلمه

ينبغي للطالب أن يتحلى بالتواضع ويقبل على شيخه ويتحمل ضجره وزجره، وأن يعقد له الهيبة والاحترام. كما ينصح بأن يتلقى ما يعلم أنه يضبطه من القرآن ولا يزيد على ذلك حتى يتقنه.

أدب التلميذ مع شيخه في حفظ القرآن والتعلم

ينبغي للتلميذ أن يتحلى بالأدب مع شيخه، ويطلب الزيادة في الحفظ برفق، ويصبر على مراد شيخه، ويشكر له ويعظم قدره. كما ينبغي ألا يجفو عليه إن جفى، ويكرمه حتى وإن لم يكرمه.

تحذير النبي من تغير قلوب الناس وتأثيره على المجتمع

يحذر الحديث النبوي من زمان تصبح فيه قلوب الناس كقلوب العجم، حيث يسود حب الدنيا وتُنظر للجهاد والزكاة نظرة سلبية. يشير الحديث إلى تغير قيم الناس واهتمامهم بالدنيا على حساب الدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن حسين الآجري رحمه الله في كتابه «أخلاق حملة القرآن»: «باب ذكر أخلاق من يقرأ على المقرئ». سيذكر في هذا الباب ما ينبغي أن يتحلى به الطالب مع شيخه ومعلمه. وقد ذكر في الأبواب التي مضت أدب الشيخ مع تلميذه، وهنا سيذكر أدب التلميذ مع شيخه. فكما أن الشيخ عليه آداب تجاه تلميذه، فكذلك التلميذ عليه آداب ولشيخه حقوق عليه في خلال تعلمه وتتلمذه على يده. وكل من الشيخ والتلميذ مطالب بالتحلي بهذه الأخلاق والآداب التي أمرنا الإسلام بالتخلق بها، وبذلك تحصل المودة والمحبة والأخوة بين الناس جميعا. قال رحمه الله: «من كان يقرأ القرآن على غيره ويتلقى، فينبغي له أن يحسن الأدب في جلوسه بين يديه، ويتواضع في جلوسه، ويكون مقبلا عليه -يعني على شيخه ومعلمه الذي يريد أن يتعلم منه القرآن أو يتعلم منه العلم- فيحسن الأدب في جلوسه، يجلس جلسة المتأدب المتعلم. فمثلا لا يمد رجليه في أثناء جلوسه عند شيخه، هذا من سوء الأدب إلا لعذر، إذا كان مريضا أو شيء من ذلك. أما إن لم يوجد عذر، فينبغي أن لا يفعل ذلك، بل يجلس متربعا أو مفترشا قدميه ويجلس عليهما. وهكذا يتواضع في جلوسه ولا يتكبر، ويقبل على شيخه، ينتبه له ما يلقيه عليه، ما يلقنه من القرآن، ما يعلمه إياه من العلم». وأصل ذلك أخذ من حديث جبريل المشهور، لما جلس بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، ووضع يديه على فخديه، قال: «فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخديه» هكذا، بتأدب وتواضع. وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم. قال: «فإن ضجر عليه احتمله، وإن زجره احتمله ورفق به -يعني إذا رفع الشيخ صوته على التلميذ، ربما يرفع صوته عليك، أو كذلك ينهرك- فينبغي أن تتحمل، ينبغي للتلميذ أن يتحمل شيخه، وأن لا يتضجر من ذلك، أو يسيء الأدب معه، أو يرد عليه، فيحرم هذا العلم الذي عند شيخه. فربما يصادف التلميذ وقتا يكون فيه هذا الشيخ منزعجا لأمر من الأمور أو لسبب من الأسباب، فينبغي أن يتحمله وأن يسكت ويتأدب. وكذلك يقبل ما عمله معه من رفع الصوت أو النهر أو شيء من ذلك. وربما يكون عند الشيخ شيء -يعني من سوء المعاملة أو الشدة مع التلاميذ- وإن كان هذا لا ينبغي، والأصل أن يكون رفيقا رحيما، لكن قد يغلب طبع الإنسان، قد يكون عنده شيء من الغلظة والشدة في التعامل مع الطلاب والتلاميذ، فكذلك ينبغي أن يتحمل وأن يرفق بشيخه». قال: «واعتقد له الهيبة والاستحياء منه -يعني يعامله معاملة الحي، يكون عنده شيء من الحياء، وكذلك مراعاة مكانته ومنزلته وفضله وعلمه-». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه». والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وصححه علامة الألباني رحمه الله. فتوقير الكبير أمر مطلوب، احترامه وتقديره. وهكذا أيضا معرفة للعالم حقه. قال: «وأحب أن يتلقن ما يعلم أنه يضبطه، وهو أعلم بنفسه. إن كان يعلم أنه لا يحتمل في التلقين أكثر من خمس، فلا ينبغي أن يسأل الزيادة -أي التلميذ إذا لقنه الشيخ الآيات من القرآن- فيقول: أحب أن يتلقن من القرآن ما يضبطه، يعني الذي يتقنه، الذي يحسن حفظها وإتقانها، فلا يزيد على ذلك. وهو أدرى بنفسه، مثلا إن كان يعلم أنه ما يتحمل أكثر من خمس آيات، فلا يزيد على ذلك. لا يزيد على خمس آيات يلقنه خمس آيات ويكتفي بهذا حتى يضبطها ويتقنها. وإن كان يعلم من نفسه أنه يستطيع أن يضبط أكثر من ذلك، مثلا عشر آيات، فلا بأس أن يلقنه عشر آيات. وهو أعلم بنفسه، يعني أعلم بقوة حافظته وذاكرته. فإن كان يعلم أنه يضبط ذلك، فلا بأس، عشر آيات، خمس عشرة آية. لكن إذا كان يعلم أنه ما يستطيع أكثر من خمس آيات، فلا يزيد على أكثر من ذلك، لأنه لو زاد هنا سيكثر عليه المحفوظات، ولا يقوم بضبطها وإتقانها، وحينئذ لا يتقن حفظ القرآن». قال: «وإن كان يعلم أنه لا يحتمل أن يتلقن إلا ثلاث آيات، لم يسأل أن يلقنه خمسا. فإن لقنه الأستاذ ثلاثا، لم يزيد عليها، وعلم هو من نفسه أن يحتمل خمسا، سأله أن يزيده على أرفق ما يكون -يعني مثلا إذا كان الشيخ ما يلقن إلا ثلاث آيات، ما يلقن التلاميذ إلا ثلاث آيات حتى يتقنوها ويضبطوها- وهو أي هذا التلميذ يعلم من نفسه أنه يتقن أكثر من ذلك كخمس آيات مثلا، فإذا لقنه ثلاث آيات فيطلب منه الزيادة برفق وأدب، فيقول مثلا: يا شيخ، أنا أستطيع أن أضبط أكثر من ثلاث آيات، أستطيع أن أضبط خمس أو ست آيات، فيحبذا لو تلقنني ثلاث آيات أخرى بأدب واحترام. فهذا الذي ينبغي. قال: فإن أبى لم يؤذه بالطلب -إذا قال الشيخ: لا، ما في إلا ثلاث آيات، خلاص- يقبل ما يقول، لا لماذا أنت تحجر علي، زدني، ويشد مع شيخه، لا ما يفعل هذا، هذا سوء أدب، وربما يحرم نفسه الخير الذي عنده هذا الشيخ. إذا وجد منه هذه المعاملة وسوء الأدب وعدم الاحترام والتقدير، ربما لا يلقنه بعد ذلك ما يلقنه، ويحرم هذا الخير». قال: «وصبر على مراد الأستاذ منه، فإنه إذا فعل ذلك كان هذا الفعل منه داعية للزيادة له ممن يلقنه إن شاء الله -يعني في المستقبل إذا رأى أنه يقبل منه ويتأدب ويحترمه ويوقره- في المستقبل ربما يزيده من نفسه، إذا رأى أنه طلب ذلك لكن منعه في المرة الأولى، وجد منه نشاطا وهمة وقوة في الحفظ ونحو ذلك، وربما يزيده في الأيام المقبلة». قال: «ولا ينبغي له أن يضجر أن يضجر من يلقنه فيزهد فيه. نعم، ما يضجر التلميذ شيخه إذا فعل ذلك، ربما يزهد فيه، فلا يلقنه ويهمله ويتركه، وينظر إلى غيره الذي عنده أدب واحترام وتوقير له، فيقبل عليه بتعليمه وتلقينه». قال: «وإذا لقنه شكر له ذلك ودعا له وعظم قدره -إذا لقنه يقول: جزاك الله خيرا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يشكر الله من لا يشكر الناس- وقد أحسن إليك بتلقينك أو تعليمك، فتقول له: جزاك الله خيرا، أحسن الله إليك، زادك الله من فضله، غفر الله لك، ونحو ذلك من الدعاء الذي يعني يفرح به الشيخ من حسن معاملة تلميذ له». قال: «ولا يجفو عليه إن جفى عليه -يعني إذا جفى الشيخ، لا يجفو التلميذ، لا يعامل شيخه بالجفاء، يقول: أنت تعاملني بالجفاء، أنا أعاملك بأكثر من ذلك، ها لا، هذا خطأ. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها -يعني ليس الصلة بالمكافئة، من أحسن إليك أحسنت إليه، ومن أساء إليك أساءت إليه، لا- حقيقة الصلة، سواء كانت مع المحارم أو كانت بين الشيخ التلميذ وشيخه، أن تحسن إليه وإن أساء إليك، أن تحسن إليهم وإن أساء إليك. فإذا أساء إليك الشيخ وجفى عليك، لا تعامله بالجفاء، بل عامله بالرفق واللين والصبر والتحمل، فبذلك تكون قد أحسنت الصلة وأحسنت المعاملة». قال: «ويكرم من يلقنه إذا كان هو لم يكرمه -نعم- يعني بالإحسان وحسن التعامل، حتى وإن أساء إليه أو جفى عليه أو أغلظ عليه في القول، فإنه يعامله بالإحسان وبالإكرام». قال: «وتستحي منه إن كان هو لم يستحي منك -تلزم أنت نفسك واجب حقه عليك، فبالحري أن يعلم حقك أنت، تلزم نفسك بالحق الذي له-». وكما سمعنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ويعرف لعالمنا حقه». العالم له حق، وله فضل من الاحترام والتقدير والتبجيل، فتؤدي هذا الحق الذي عليك، وهو إن قصر في الحق الذي لك، فإنه ولابد سيؤديه لك فيما سيأتي في الأيام القادمة، لما يرى حسن التعامل منك والصبر على تحمل الجفاء الذي منه، هذا سيغير من أخلاقه ويغير من أسلوبه. قال: «لأن أهل القرآن أهل خير، وتوقظ أدب، يعرفون الحق على أنفسهم. فإن غفل عن واجب حقك، فلا تغفل عن واجب حقه. فإن الله عز وجل قد أمرك أن تعرف حق العالم، وأمرك بطاعة العلماء، وكذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم». قال: «حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثنا أحمد بن عيسى المصري، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي قبيل المعافري، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». قال أحمد: يعني يعرف حقه. وهذه اللفظة «حقه» قد جاءت في بعض روايات هذا الحديث. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ليس من أمتي -يعني ليس من أهل الإيمان الذين يستحقون الثواب، وكذلك يأمنون من العقاب- الذين لا يؤدون هذه الأعمال، ولا يتحلون بهذه الأخلاق. وليس المراد: ليس من أمتي أنه كافر، لا، المراد نفي كمال الإيمان الذي ينبغي أن يتصف به من كان من أمة النبي عليه الصلاة والسلام من أهل الإيمان». قال: «من لم يجل كبيرنا». إجلال الكبير واحترامه وتوقيره هذا من الإيمان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من إجلال الله: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم». والحديث رواه أبو داود. فإكرام الكبير وتوقيره واحترامه هذا من إجلال الله، ومن تعظيم الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا رحمة الصغير: «ويرحم صغيرنا». يرحم الصغير، ويرفق به، ويلين في المعاملة معه، فهذا أيضا من خصال الإيمان. قال: «ويعرف لعالمنا حقه». كذلك أيضا معرفة حق العالم، مما له من حق الاحترام والتوقير والتقدير، فهذا أيضا كذلك من خصال الإيمان. وقوله عليه الصلاة والسلام: «يعرف لعالمنا حقه». هذه الكلمة «مفرد مضاف»، والقاعدة عند أهل العلم أن المفرد إذا أضيف دل على العموم. فقوله «حقه» يعني حقوقه، حقوقه التي له، وهذا يشمل كل ما يجب أن يؤدى للعالم من التبجيل والتعظيم والاحترام والتقدير إلى آخر ذلك. قال: «وحدثنا الفريابي، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة -وهو عبد الله- عن جميل الأسلمي، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا يدركني زمان، ولا أدركه، لا يتبع فيه العالم، ولا يستحيا فيه من الحليم، قلوبهم قلوب العجم، وألسنتهم ألسنة العرب». هذا الحديث استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من زمن ألا يدركه، أي ألا يدركه هذا الزمن، ولا يدركه هذا الزمن الذي لا يتبع فيه العالم -يعني العالم القائم بحقوق الله، المطبق لكتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام- فلا يتبع، لا يؤخذ بأقواله، ولا بإرشاداته، ولا بتعاليمه، هذا زمن سوء، أن يترك الناس اتباع العلماء والاقتداء بهم والاستنارة بنورهم. فإذا كان الناس قد تركوا علماءهم، فلا شك أنه سيكثر فيهم الشر، ويقل فيهم الخير. قال: «ولا يستحيا فيه من الحليم». الحليم الذي تخلق بهذا الخلق، خلق الحلم، أن يكون الرجل عنده رزانة، وعنده رجاحة في عقله، وتأني في أموره، فمثل هذا حق وحري أن يستحيا منه أن يستحيا منه. فإن لم يستحيا منه ولم يبال به، هذا أيضا يدل على فساد هذا الزمان، يدل على فساد مثل هذا الزمان. قال: «قلوبهم قلوب العجم». المراد بالعجم أي الكفار، من اليهود والنصارى، ومن كان على شاكلتهم ممن لا دين له. والمعنى أن قلوبهم تشبه قلوب أهل الكفر، تشبه قلوب أهل الكفر، وإن كانت ألسنتهم ألسنة العرب، أي أنهم يتكلمون بلغة العرب، وكذلك بلسانهم، لكن قلوبهم قد فسدت، هي أشبه ما تكون بقلوب العجم من اليهود والنصارى. وهذا يكون من ميل هؤلاء الناس في هذا الزمان إلى متابعة ومشابهة اليهود والنصارى، متابعة ومشابهة اليهود والنصارى. وهذا كثير كثير في بلاد الإسلام، فضلا عن غيرها، تجد من يعني يقلد صرخات الغرب والشرق من الكفار، من اليهود والنصارى وغيرهم، في سائر يعني أمور دنياهم، بل ربما كذلك في أمور دينهم من أعياد واحتفالات، فضلا عن دون ذلك من أمور اللباس والصفات والأخلاق إلى آخر ذلك. وهذا فيه بيان لفساد مثل هذا الزمان. وهذا الحديث بهذا السند فيه ضعف، ابن لهيعة عبد الله ابن لهيعة سيء الحفظ، وشيخه جميل الأسلمي هذا كذلك فيه ضعف ومجهول حال. لكن جاء ما يدل على «صحته معنى هذا الحديث» فيما جاء في حديث عبد الله بن عمر، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليأتين على الناس زمان، قلوبهم قلوب العجم». قلت: «وما قلوب العجم؟» قال: «حب الدنيا، سنتهم سنة الأعراب، ما أتاهم من رزق جعلوه في الحيوان، يرون الجهاد ضررا، والزكاة مغرما». وهذا الحديث أخرجه الطبراني، وصححه علام الألباني رحمه الله. والشاهد قوله: «ليأتين على الناس زمان قلوبهم قلوب العجم»، كما ذكر في هذا الحديث حديث سهل بن سعد الساعدي. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.