الدرس في أسباب النجاة من الفتن، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 محرم 1431هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
النبي صلى الله عليه وسلم حذر أمته من الفتن في آخر الزمان وأمر بالتمسك بالإيمان بالله واليوم الآخر. الفتن ستكون متتابعة وتؤدي إلى تقلب الأديان والعقول.
النجاة من الفتن تكون بلزوم الكتاب والسنة وجماعة المسلمين وإمامهم. العلماء ورثة الأنبياء ومرجع الأمم في الفتن، والالتزام بالكتاب والسنة وسنة الخلفاء الراشدين سبب للنجاة.
يجب لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، والتحذير من الفتن ومكائد الأعداء، والتثبت من الأخبار، والإنصاف في الأحوال، والمحافظة على مجتمع آمن ومطمئن.
يجب على كل فرد أداء الأمانة وضبط رعيته طاعة لله ورسوله، ونسأل الله التوفيق للتمسك بكتابه وسنة رسوله حتى الممات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الصلاة، حي على الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لهم من أشراط الساعة تقارب الزمان ورفع العلم وكثرة الجهل وكثرة الهرج، فقيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: «الهرج القتل». وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ستى تكون فتن، فتن، وفتن، حتى يصبح المؤمن كافرًا ويمسي مؤمنًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، من كثرة الفتن وتتابعها، يموج الناس فيها كموج البحر، حتى تتقلب الأديان وتتقلب العقول، ويتقلب الناس في مواقفهم». وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا يومًا في شؤونهم، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة جامعة»، فاجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن ينذر أمته ما يعلمه لهم من خير، وأن ينذرهم ويحذرهم من شر ما يعلمه لهم، وإن الله قد قدر لهذه الأمة عافيتها في أولها، وإنه سيصيب آخرها فتن وأمور تنكرونها». فسيصيب هذه الأمة في آخر أمرها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فتن كثيرة وأمور كثيرة تنكر وتستنكر. فما المخرج؟ بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من شدة هذه الفتن يقول المؤمن: «هذه مهلكتي»، حتى إذا انقلعت وانكشفت وجاءت الأخرى، قال: «هذه مهلكتي»، حتى إذا انكشفت، وهكذا تتابع الفتن على الناس، وكل فتنة تمر بهم ترقق أختها. يحذر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن تصيبهم هذه الفتن، وأن ينالهم ما ينال غيرهم ممن دخلوا في هذه الفتن. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقع مثل ذلك أن يلزم المرء ما علم من الإيمان بالله واليوم الآخر. وفي الصحيح عن عدد من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن فتنًا ستكون في آخر الزمان، وبين عليه الصلاة والسلام محذرًا أن لا يستشرف لها أحد بقلبه ولا بلسانه ولا بجوارحه، فلا يكون عونًا في إذكاء وإعلاء نار الفتنة، بل يكون على العكس عونًا في إطفائها وإخمادها والابتعاد عنها. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: «يبيّن صلى الله عليه وسلم مواقف الناس مع هذه الفتن بحسب أحوالهم فيها، فمنهم من يخوض فيها بقلبه، ومنهم من يخوض فيها بلسانه، ومنهم من يخوض فيها بجوارحه». عباد الله، إن نبينا عليه الصلاة والسلام الذي قال الله عز وجل عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۞ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، حذر هذه الأمة من فتن كثيرة تكون في آخر أمرها. فعلى أهل الإيمان والإسلام أن يحذروا من هذه الفتن. وقد حذرناها في كتاب الله فضلًا عما جاء في الأحاديث الكثيرة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك وضع العلماء بيان ما يكون به النجاة من الفتن بثوابت كثيرة دلت عليها أدلة الكتاب والسنة. أولها، عباد الله، لزوم الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فإن ذلك من أعظم الأسباب التي تنغلق بها الفتن وينجو الناس بها من الفتن. «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». وهكذا صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه». فإن الفتن، عباد الله، لها معاني كثيرة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأتي بمعنى الامتحان والاختبار، وتأتي بمعنى القتل، وتأتي بمعنى الضلال. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. بيّن ربنا جل وعلا في هذه الآية العظيمة أن من فضل الله ورحمته على أمة الإسلام أن أنزل إليهم من الهدى ومن الدين ما يكون به الحفاظ عليهم وسلامتهم، وذلك بالرجوع إلى حملته وهم العلماء. فإن العلماء ورثة الأنبياء، فإذا كان كذلك، فإن عصمة الأمم، رعاةً ومرعيين، ليس بالنظرة الشرقية ولا الغربية، ولا باتباع من ينادي بالفتن من داخل البلاد أو خارجها، وليس بالعواطف ولا الأوهام، ولكن بلزوم العلم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى. وهكذا، عباد الله، إن من المخارج أو من أسباب الخروج من الفتن والعصمة منها أن يلتزم المسلم جماعة المسلمين وإمامهم. ففي الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة العظيم والذي فيه ذكر الفتن التي تكون في آخر الزمان، استنصح حذيفة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ما المخرج؟ وما الحل؟ وما الذي يصنع؟ فبين النبي صلى الله عليه وسلم المخرج والحل عند وقوع الفتن، قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». فلا يكفي أن تلتزم بالكتاب والسنة حتى تلتزم كذلك بجماعة المسلمين وإمامهم. فإن لزوم جماعة المسلمين وإمامهم سبب للنجاة من الفتن. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى حذيفة رضي الله عنه، وهي وصية للناس من بعده أجمعين، أن من أسباب النجاة والخروج من الفتن لزوم جماعة المسلمين وإمامهم. قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: «يأمر ربنا تبارك وتعالى أهل الإيمان بلزوم جماعة أهل الإيمان وعدم التفرق عنهم». وفي الصحيح من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى من إمامه ما يكره فليصبر، وليلزم جماعة المسلمين، فإن من فارق جماعتهم فمات مات ميتة جاهلية». كان سلفنا يقولون: «إنما تكرهون من الاجتماع خير مما تحبون من التفرق». أي: ما تكرهون من جور السلطان إن وجد، أو بعض ما يقع في المجتمع من مخالفات ونقص، خير مما تحبون وترغبون في التفرق الذي تظنون أنكم تصلون به إلى العدل. فالحذر، عباد الله، من عدم الإنصاف في أحوالهم جميعًا: في الأقوال والأفعال والاعتقادات والمواقف. فإن العدل أمر الله جل وعلا به من فوق سبع سماوات. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، ويقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فلا ينبغي أن تغطي عليك الفتن وتغلب عليك العواطف والحماسات فتغير عليك الحقائق. فإنما يعيش أهل الإسلام وأهل الإيمان من نعمة الإيمان والإسلام والتقلب فيها، ونعمة الأمن والأمان، ونعمة حفظ الأموال والأنفس والأعراض، شيء لا يجهده إلا مكابر. فتعقلوا، عباد الله، وليكن كل واحد منا من المنصفين. ولينبغي أن تجره الفتن والمحرضون لها أن يكون متبعًا لأهل الشر في المجتمع. فالحذر، الحذر، عباد الله، من عدم الإنصاف. إن كنت تنكر منكرًا فتأمل، وأنصف: هل هذا المنكر الذي تنكره يوازي ما تسعى إليه من الفتنة وذهاب الأمن في المجتمع؟ فالحذر، الحذر، عباد الله، من اتباع الشائعات ونشرها. فإن نشر الشائعات سبب عظيم لإثارة الفتنة وزيادتها. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وفي قراءة سبعية: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾. ينبغي لأهل الإيمان والإسلام أن يتثبتوا من الأخبار وأن يتثبتوا من الشائعات. فإن اتباع الشائعات سبب لحلول النقم والفتن وزيادتها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع». لا يجوز للمسلم أن يحدث بكل ما سمع، بل يجب عليه أن يتثبت مما سمع: هل هو حق وصدق؟ ومن أسباب الاعتصام من الفتن، عباد الله، الحذر من مكائد الأعداء. فإن للأعداء مكائد وجنودًا يدسون بيننا وفي صفوفنا من المنافقين والفاجرين الذين يعملون لحساب أعداء هذا الدين. قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. فالحذر، الحذر، عباد الله، من كل وسيلة تكون سببًا في حصول الشر في هذا المجتمع وضياع أمنه واجتماعه. بعد إذ سمعنا ما سمعنا، فلنعلم، عباد الله، أن مجتمعنا هذا وبلادنا هذه، بلاد اليمن، قد أثنى عليها نبينا عليه الصلاة والسلام، فإن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وإن هذه البلاد من البلاد المباركة الطيبة. فلا ينبغي لأهلها أن يضيعوا مثل هذا الخير الذي وصفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن أناسًا من أعداء هذا الدين يحرصون على ضياع هذا الخير من هذا المجتمع الآمن المطمئن، وذلك بإثارة الفتن وإيجاد الأيدي الخفية لتفريق هذا المجتمع. فالحذر، الحذر، عباد الله، من كل وسيلة تكون سببًا في حصول الشر في هذا المجتمع وضياع أمنه واجتماعه. علينا أن نلزم ما أمرنا باللزوم به من لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، طاعة لله ورسوله، ليس مجاملة ولا رياء ولا سمعة ولا رغبة في شيء من الدنيا، ولكن طاعة لله ورسوله، وحفاظًا على هذا المجتمع أن يصيبه ما أصاب غيره. فالحذر، الحذر، الحذر، لكل من له ولاية صغيرة أو كبيرة في بيته أو أعلى من ذلك، أن يكون من تحت رعايته من يثير هذه الفتن تحت أي مسمى من المسميات الكثيرة التي ينادي بها أهل الفتن والشغب والشر. بل يجب على كل واحد أن يؤدي الأمانة التي أوجبها الله عليه من ضبط رعيته، طاعة لله ورسوله، وحفظًا على هذا الخير الذي نحن فيه. أسأل الله جل وعلا بمننه وكرمه أن يوفقنا وإياكم للزوم كتابه وسنة رسوله، وأن يجعلنا من المعتصمين بهما، وأن يتوفانا على ذلك. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.