الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 113، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المحور أن علة تحريم التصوير هي مضاهاة خلق الله ومنازعته في الربوبية، مستدلاً بحديث "ومن أظلم" الذي يفيد نفي وجود أظلم من المصور بالتحدي. ويوضح أن الأمر الإلهي "فليخلقوا ذرة" يمثل تحدياً كونياً يعجز عنه البشر تأكيداً لبطلان فعلهم.
يستعرض المحور تقسيم التصوير إلى ثلاثة أنواع: ذو الظل، والرسم ثنائي الأبعاد، والتصوير الفوتوغرافي والفيديو، مبيناً إجماع العلماء على تحريم النوعين الأولين. ويرجح تحريم النوع الثالث لوجود علة المضاهاة مع استثناء حالات الضرورة كالبطاقات الرسمية، وإباحة تصوير الجمادات لانتفاء علة النفخ.
يوضح المحور أن التصوير من الكبائر لورود الوعيد الشديد بدخول النار وتكليف المصور نفخ الروح في صوره يوم القيامة. ويوجه إشكال حديث "أشد الناس عذاباً" بتقدير التبعيض أو النسبية، ويربط تعظيم الصور بالقبور المشرفة كأصل للشرك مشدداً على وجوب طمسها.
يستعرض المحور أدلة تحريم اقتناء الصور مطلقاً استدلالاً بالأمر بطمسها، مبيناً أن العقوبة تشمل خلق الله لكل صورة نفساً تعذب صاحبها وتكليفه نفخ الروح فيها. ويستثني من التحريم اقتناء الصور للضرورة الملزمة كالبطاقات الرسمية والوثائق، بينما يحرم الاحتفاظ بها للذكرى أو التذكار.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى أهله. قال الشيخ العلامة المجدد حمد بن عبد الوهاب المجدد رحمه الله: باب ما جاء في المصورين. ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: لأن في التصوير خلقاً وإبداعاً يكون به المصور مشاركاً لله عز وجل في ذلك الخلق والإبداع، ففيه تعلق بتوحيد الربوبية. فلذلك جاء تحريم الصور وذم المصورين؛ لأن في التصوير خلقاً وإبداعاً، ولا يجوز مضاهاة الله عز وجل بشيء من الخلق والإبداع بمعنى الخلق. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة». أخرجهما، يعني في البخاري ومسلم. وقوله: «ومن أظلم»، «من» هنا استفهامية، «من» هنا استفهامية، ولكن المراد به النفي، والتقدير: لا أحد أظلم، لا أحد أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله. وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام، قال علماء اللغة: كان أبلغ في النفي. يعني قوله: «ومن أظلم» أبلغ من قوله: لا أظلم، أبلغ وأفصح. لماذا قالوا؟ لأن الاستفهام يكون مشرباً بمعنى التحدي والتعجيز، فهو نفي وزيادة، نفي وزيادة. واضح هذا الآن؟ فقوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» يعني: لا أحد أظلم ممن فعل ذلك. كان التقدير: التقدير ماذا؟ «من أظلم» يعني لا أحد أظلم، نفي. فالاستفهام يعني تضمن النفي وزيادة، ففيه معنى التحدي والتعجيز. وهذا في آيات كثيرة، ففي قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: لا أحد أظلم. وقس على هذا في آيات كثيرة. طيب، قد يقول قائل: كيف الجمع بين هذا الحديث وبين آيات وردت في من هو أظلم، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، وغيرها من النصوص؟ وهنا في الحديث يقول: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي». فتعددت هنا الأدلة في من هو أظلم، فكيف يكون الجمع بين هذه النصوص؟ قال العلماء: الجمع بين هذه النصوص من وجهين اثنين: الوجه الأول: أن هذه النصوص كلها مشتركة في الأظلمية، مشتركة في الأظلمية، ومعنى ذلك أنها في مستوى واحد. فلا أحد أظلم ممن ذهب يخلقه كخلقي الله، ولا أحد أظلم ممن يمنع مساجد الله، ولا أحد أظلم ممن يفتر على الله الكذب، وكلها في مستوى واحد. وهذا قد يقع في أشياء كثيرة، فيقال مثلاً: فلان عالم، وفلان عالم، لا أعلم من فلان، ولا أعلم من فلان، ولا أعلم من فلان، وكلهم في العلم سواء. واضح هذا الآن؟ وهذا مثله: أنها مشتركة في الأظلمية، وكل هؤلاء قد بلغوا القمة في الظلم، قد بلغوا القمة في الظلم. هذا وجه. والوجه الثاني: أن الأظلمية نسبية، أن الأظلمية نسبية. ما معنى الأظلمية نسبية؟ يعني أنه لا أحد أظلم من هذا في نوع هذا العمل، في نوع هذا العمل. فمثلاً في الحديث الأول: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»، فيكون المعنى: لا أحد أظلم في مشابهة أحد في صنعة، كالذي يخلق كخلق الله ويصنع كصنع الله. فهمتم هذا الآن؟ فهو في مسألة الخلق لا أحد أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله. مثلاً: أنت نجار، وفلان نجار، ها، وفلان نجار. فلعلك تأخذ صنعة هذا النجار، صح، وتحاول تشابهه في صنعة وإيجاد هذا، مثلاً الباب أو النافذة أو نحو ذلك. فلا أحد أظلم ممن ذهب في مسألة الخلق والصنع ممن يخلق كخلق الله، هذا أظلم ممن يشابه في الصنعة أو الخلقة. وأما في الآية في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، فيكون الأظلمية النسبية: لا أحد أظلم في منع حق، لا أحد أظلم في منع حق ممن منع مساجد الله. فمثلاً: أنا ربما يكون لي حق عندك، صح، أنت ظالم، أليس كذلك؟ لكن أظلم من منع الحق هو من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. فهنا الأظلمية ماذا؟ نسبية. وهكذا في الكذب: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، فيكون التقدير: لا أحد أظلم في افتراء الكذب ممن افترى على الله. قد تكذب عليه، تكذب على السلطان، تكذب على أمك، تكذب على أبيك، تفتري عليهم، لكن أظلم المفترين من يفتري على الله الكذب، فيحل مثلاً ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله، هذا أظلم المفترين. هذا وجه ثانٍ. فبهذا يزول الإشكال. وأما قوله: «يخلق كخلقي»، «يخلق» يعني يكون خالقاً. والغالب يطلق الخلق على الفعل بعد التقدير، بعدما يقدر شيئاً يصنعه. وبالنسبة للإنسان: الخلق يكون بعد التأمل والنظر، يفكر ماذا سيصنع، يتأمل وينظر، ثم يفعل الذي يريد. هذا بالنسبة للمخلوق. وأما بالنسبة للخالق سبحانه وتعالى، فإنه لا يحتاج لتأمل ولا نظر، لكمال علمه، لكمال علمه، فهو يقدر ما شاء فيخلقه سبحانه وتعالى. وقوله: «فليخلقوا ذرة»، «فليخلقوا»، اللام هنا تسمى ماذا؟ لام الأمر، تسمى لام الأمر. «فليخلقوا»، والذرة المراد بها هنا الشيء اليسير، الشيء القليل، وهو واحد الذر، وهو النمل، وهو النمل الصغار. وهذا فيه تحدٍ: أخلقوا هذا الشيء الحقير الصغير، هل تستطيعون ذلك؟ ما يستطيعون خلق ما فيه روح، ما يستطيعون ذلك ولو كان صغيراً مثل الذرة أو ذرة. فهذا معنى «فليخلقوا ذرة». وهذا فيه معنى التحدي والتعجيز، وهذا من باب التحدي في الأمور الكونية. فالله عز وجل أحياناً يتحدى المخالفين، أو يتحدى كذلك المشركين، بأمور كونية أو بأمور شرعية. فمن الأمور الكونية هذا: «فليخلقوا ذرة». ومن الأمور الشرعية: القرآن. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، هذا من باب التحدي. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، هل يستطيعون ذلك؟ ما يستطيعون. هذا من باب التحدي في الأمور الشرعية. وهنا تحدٍ في الأمور الكونية: «فليخلقوا ذرة». نعم، أقل من سورة، ها، أقل من سورة، أي نعم، آية. جاء في تحدٍ بالآية، ما جاء بالآية، صح، جاء بالسورة وعشر سور والقرآن. نعم، هذا في القرآن جاء، لكن حتى الآية ربما يستطيعون يأتون. وقوله هنا: «أو ليخلقوا حبة»، هذا من باب التنويع، «أو» هنا قالوا تفيد التنويع. والحبة معروفة: الشيء اليسير كحبة البر ونحوها. «أو ليخلقوا شعيرة»، قيل: إما الشجرة، وإما ما تخرجه الشجرة وهي الحبة، فيقوم من باب عطف الخاص على العام، لأن حبة عام وشعيرة خاص. وقد يراد بها الشجرة نفسها، يحتمل هذا وهذا. فهذا الحديث فيه ما من أجله بوب عليه المؤلف رحمه الله، وهو تحريم الصور. لماذا؟ ما هي العلة في ذلك؟ لأن الصور، لأن المصور ذهب يخلق كخلق الله، فهذا فيه مضاهاة لله عز وجل في صنعه، وهذا ينافي ماذا؟ الربوبية، ينافي الربوبية. فجاء تحريم الصور في ذلك، هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. قال: ولهما عن عائشة، يعني البخاري ومسلم، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله». وقبل هذا نحب أن ننبه على فائدة، وهي: حالات التصوير. حالات التصوير: التصوير له حالات كثيرة، له حالات كثيرة. فمثلاً من هذه الحالات: تصوير ما له ظل، كصنع الأصنام بالطين، أو بالخزف، أو كذلك المواد الحديثة بما يسمى بالبلاستيك أو نحو ذلك. فالتصوير بهذا محرم، ولا يجوز بالإجماع، ولا يجوز بالإجماع؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله. وهناك حالة أخرى من التصوير: وهو ليس له ظل ولا جسم، بل يكون بالتلوين والتخطيط، وهذا ما يسمى بالرسم. ليس له ظل، تأتي بورقة أو جدار وترسم عليه ذوات الأرواح. فهذا أيضاً محرم، ولا يجوز، ويستدل به بحديث عائشة، حديث النمرقة. لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل بيتها، فوجد في ستار لها صورة، فاشتد أنها صورة ليست ذات ظل لأنها في ثوب، لأنها في ثوب، فدل ذلك على أنها رسم، وليست بذات ظل. فتغير وجهه عليه الصلاة والسلام، وامتنع من دخول بيتها. فقالت له: ماذا أذنبت؟ استغفر الله. فقال لها: ما قال من وجود الصور في هذه النمرقة. والحالة الثالثة من حالات التصوير: الصورة التي تلتقط التقاطاً، وهما يسمى الآن بالتصوير الفوتوغرافي بالكاميرا، هذه، أو بالفيديو، أو نحو ذلك. وهذا وجد فيه خلاف، لأن هذا الأمر في هذا الزمان ما كان موجوداً في أزمنة متقدمة، وإنما وجد في هذا العصر، فاجتهد العلماء في ذلك. والصحيح والله أعلم أنه يشملها لفظ التصوير لوجود العلة، لوجود العلة. فإن هذه الآلات، هذه الآلات تزين ذلك المصور، تزينه، فربما تلون وجهه، صح، وتحسنه، وربما كذلك تجعله أفضل من صورته الحقيقية. فمن قال: إن هذا ليس فيه مضاهاة، وإنما هي نقل نفس الصورة، هذا ليس بصحيح، بل هي من كذلك مما يدل على ذلك، هي من صنع البشر، من صنع البشر، ومن فعل المصور. فالمصور هو الذي يمسك الزر، وهو الذي ربما يحسن الصورة ونحو ذلك، ويكبرها ويصغرها، وربما الآن يستطيع أن يخرج رأساً ويضعه في مكان آخر، صح، ربما رأس جميل يضعه في بدن آخر جميل، وبدن الرأس سيء، ورأس ذلك الجسم سيء، فيجعلون صورة جميلة، يستطيعون أن يصنعوا ويخلقوا أشياء تضاهي خلق الله. والصحيح والله أعلم أن هذا يشملها لفظ الصورة، وهي تسمى صورة. من لا يقول هذه صورة؟ أي واحد يرى شيئاً من هذا يقول: هذه صورة. وهذا والله المستعان. في هذا الزمان يعني توسع الناس في ذلك، توسع الناس، بعضهم يقول للمصلحة ومواعظ وكذا، هذا ما صار الآن لأمر كذلك، صار توسع فاحش فيها في الجوالات وفي التلفزيونات وفي كل مكان، في كل مكان. فوالله أعلم، سداً لذريعة التساهل في هذا، يجنح إلى القول كذلك بالتحريم. وهذا قول جماعة من العلماء المعاصرين، بل من كبار العلماء: شيخنا الوادعي ما كان يرى التصوير مطلقاً، والشيخ الألباني كذلك إلا في حالات ضرورية نادرة، مثل: إخراج البطاقة الشخصية، أو جواز سفر، أو ما لابد منه مما تفرضه الدول، هذا لا بأس أنك أنت مضطر إلى ذلك، ولو لم تفعل تعطلت مصالحك، تعطلت مصالحك، فلا بأس في هذا. وكذلك الشيخ محمد بن هادي يمنع منعاً شديداً في أن يصور، وهكذا الشيخ ابن باز كذلك يمنع ذلك، وإن كان لا ينكر على غيره، لكنه ارتضى لنفسه أن لا يأذن بذلك، وأن لا يتصور، ولا يرى جواز ذلك، رحمه الله، إلى آخر فترة وعهد من حياته، رحمه الله تعالى. نعم، الفيديو، الفيديو أيضاً يعني يسمى صورة، وتحبس هذه الصورة وتوقف ونحو ذلك، فالظاهر أن كله يدخله النهي. كل هذا يسمى صورة، لا يستثنى من ذلك شيء. نعم، هم مجتهدون، بعضهم لا، بعضهم يرون للمصلحة الظهور فقط من أجل الناس، وهذه وسائل حديثة، من تعليلات عصرية. طيب، لكن ما يرون التصوير مثلاً للذكرى، تأتي بالصورة للذكرى، أو مثلاً يعني النظر فقط إلى هذه الصورة أو نحو ذلك، لا، ما ما يرون هذا، وإنما بعضهم يرى اجتهاداً منه الظهور في التلفاز فقط، أو في المحاضرات من أجل المصلحة في ذلك، والله أعلم. وهناك قسم رابع: وهو صورة ما لا روح له، فهذا لا بأس به. ترسم شجرة، ها، لأن جاء في الحديث التعليل بأن ننفخ فيها، وهذه الجمادات لا ينفخ فيها. وجاءت رواية في النهي عن الصور واستثنى النطع والوسادة، إلا رسماً في ثوب. فحملوا هذا على ماذا؟ على رسم ما لا روح له. أنت معنا يا بطاهر؟ أنت نائم الآن؟ فحملوا، فحملوا ذلك على ما لا روح له، مثل رسم الشجرة، أو رسم بيت، أو رسم أي شيء لا روح له، فهذا لا بأس به. نعم، قال: ولهما عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله». ومعنى «يضاهئون» يعني يشابهون. فهذه هي الحكمة من النهي، هذه هي الحكمة من النهي. ففي التصوير مشابهة لخلق الله سبحانه وتعالى، فهذه هي الحكمة، وليست الحكمة كما يذكر البعض: حتى لا تعبد من دون الله. هذا إذا عبدت من دون الله، هذا حتى الشجرة لا يجوز رسمها، إذا ترسم شجرة وتعبد من دون الله لا يجوز رسمها للناس. طيب، ولكن العلة في التصوير هو المضاهاة، كما صح بذلك، أو كما ورد بذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. ووجه الشاهد من هذا: احترام جانب الربوبية، وأن لا يطمع أحد في أن يخلق كخلق الله. ولذلك نهى الله عز وجل عن الكبر، لأنه فيه منازعة لله، والتصوير فيه منازعة لخلق الله. الكبرياء رداؤه سبحانه وتعالى، فمن تكبر فقد نازع الله في كبريائه، ومن صور فقد نازع الله في خلقه، نازع الله في خلقه. فهذا هو الشاهد من إرادة هذا، لأن غرض النهي هو المضاهاة. فمن قال: أنا سأرسم مع نيتي المضاهاة، يقال لهما: إيش طيب نيتك؟ كونك ترسم فأنت وقعت في المضاهاة، نويت المضاهاة أو لم تنوي، فأنت وقعت في المضاهاة. فكما أن الكبر لا يجوز لأن فيه مزاحمة ومنازعة للرب سبحانه وتعالى، وكذلك التعالي لا يجوز، فكذلك التصوير لا يجوز لأن فيه منازعة لخلق الله. قال: ولهما، يعني البخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما: انظروا هذه الأحاديث، يعني في الصحيحين، أحاديث شديدة، انظر كيف الناس تساهلون في هذا. قال: ولهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم». عياذ بالله. فقول: «كل مصور في النار»، هذا دليل على أن التصوير كبيرة من كبائر الذنوب، أن التصوير كبيرة؛ لأنه متوعد صاحبه بماذا؟ بالنار. فمن صور فقد وقع في كبيرة من كبائر الذنوب. ولذلك كان الأحوط والأحرى أن الإنسان يبتعد عن التصوير مطلقاً، حتى خروجاً من خلاف أهل العلم، فما يدريك أن التحريم عام؟ فأنت تجيز لنفسك، ولربما تقع في هذا الأمر العظيم. فالسلام لا يعادلها شيء، السلام لا يعادلها شيء. فقوله: «كل مصور في النار»، هذا فيه دليل على أن التصوير كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب. وكذلك حديث عائشة: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة»، أيضاً فيه المعنى المتقدم. وهذا حديث عائشة أيضاً فيه إشكال، قبل ما ننتقل إلى حديث ابن عباس: ربما يشكل على البعض، كيف يقول: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله»، يعني المصورين، وهناك من الأصناف من هو أشد عذاباً من المصورين، كالمشركين والمنافقين والكفار؟ فكيف هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله»؟ والجواب من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث على تقدير «من» التي تفيد البعضية، بل قد جاءت رواية بهذا: «من أشد الناس عذاباً»، يعني «من أشد الناس عذاباً». وهذا لا إشكال فيه، لأن «من» هنا للتبعيض، فمعنى ذلك أن هناك أصنافاً كثيرة هم أشد الناس عذاباً، ومنهم المصورون، ومنهم المشركون، ومنهم المنافقون، وهكذا. فعلى تقدير «من»، إن «من أشد الناس»، هذا وجه. الوجه الثاني: أن الأشدية نسبية، مثل ما قلنا في حديث أبي هريرة: «ومن أظلم»، «ومن أظلم»، فيكون التقدير: الذين يصنعون الأشياء ويبدعون ويبدعونها، فهؤلاء في هذا الباب من أشد الناس عذاباً. وكذلك من أشد الناس عذاباً في مسألة الشرك هم المشركون، وهكذا كل بحسب ما وصف به، ما وصف به. وهناك توجيه ثالث: أن هذا من باب الوعيد الذي يطلق لتنفير النفوس منه، وهذا له أمثلة أخرى. وهنا حديث ابن عباس: «كل مصور في النار». قلنا فيه دليل على كبيرة التصوير، أن المصور وقع في كبيرة. وقالوا: «يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم». هذا يقتضي أنه لو صور في اليوم عشر صور، أو مئة صورة، ففي كل صورة يعذب، في كل صورة، ولو من نفخة واحدة، يجعل له في النار عشر صور، أو عشرين صورة، أو مئة صورة، فيقال له: هذا تبكيتاً وتنكيلاً به، ولا يستطيع، هذا من باب التعجيز: «يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم». هذا في مسلم فقط، ما هو في الصحيحين. «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس»، أنا أقول: نفس، لا نفس، نفس السكون، نفس، يعني روح. نعم، كل صورة صورة يجعل له روح يعذب بها في جهنم، والعياذ بالله. فكلما زاد من الصور، كلما زاد من التعذيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفي الرواية الثانية: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ». وهذا أمر لا يتمكن منه، وهذا زيادة في تعذيبه، هذا زيادة في تعذيبه. قال العلماء: وعذب بهذا العذاب ليذوق جزاء ما عمل، وبهذا تزداد حسرته وأسفه، حيث أنه عذب بما كان في الدنيا يراه رحمة، في الدنيا يأخذ أموال من هذا التصوير، صح، وربما يستمتع عندما يرسم، ويثني عليه الناس: ما شاء الله، هذا رسام، وهذا كذا. ففي يوم القيامة يعذب بجنس ما تلذذ به في الدنيا، كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ، فيعجز عن ذلك، وأنه لا ينفخ فيها الروح. قال: ولمسلم عن أبي الهياج الأسدي رضي الله عنه قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته». وقوله: «طمستها»، يعني: إن كانت ملونة فطمسها بوضع لون آخر يزيل معالمها، وإن كانت تمثالاً بقطع الرأس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما صورة الرأس»، فإذا قطع الرأس فلا صورة. صح الحديث بذلك، صحيح، العلامة الألباني عليه رحمة الله. فالطمس كل بحسبه، الطمس كل بحسبه. فالملون يكفي أن تزيل الرأس بالتلوين، لا يلزم الشطب وتمزيق الورقة، لا يلزم تمزيق الورقة، يكفي أن تطمس بلون آخر. وإن كان مثلاً تمثالاً بقطع رأسه. طيب، وإن كان مثلاً منقوشاً في جدار، في جدار مرسوم مثلاً في مدر، أو في طين، أو نحو ذلك، كيف يطمس؟ هذا حق من هذا؟ لا ما أتبع، جوار موجود. قلنا: لو كان منقوشاً في طين أو تراب أو شيء، يكون بطمس الرأس، بطمس، بنقش آخر، وهكذا كل بحسبه. فهذا معنى قوله: «إلا طمستها»، «إلا طمستها». ومناسبة ذكر هذا الحديث: الأمر بطمس الصورة، فهذا دليل على أنها منكر، تغيير منكر، واضح، تغيير منكر، لأن فيه المعنى المتقدم. وذكرت هنا الصورة، وقرنت مع القبر المشرف. والقبر المشرف يعني: البارز العالي، سواء كان بتجصيص، أو برفع زيادة على الشبر كما يذكر العلماء، أو بتمييزه بأي شيء، بتمييزه بأي شيء، فهذا هو القبر المشرف. فلماذا قرن الصورة بالقبر المشرف؟ لأن كل منهما يتخذ وسيلة إلى الشرك. فإن أصل الشرك في قوم نوح كان بسبب الصور والقبور، كان بسبب الصور والقبور. أولاً: صوروا صور الصالحين حتى يتذكروا عباداتهم، صح، هذا قد مر معنا. ثم لما طال بهم العهد، وجاءت الأجيال الذين بعدهم، عبدوها من دون الله، جعلوا لهم أنصاباً، يعني شيئاً يتذكرونهم بهم، فعبدوها من دون الله سبحانه وتعالى. وهذا ما وقع فيه عباد القبور اليوم، اليوم ربما بعضهم يضعون صورة ابن حفيظ تحت وسادته، وهو الصباح يذهب إلى القبر، جمعوا بين الصور والقبور، والقبور، وجصصوا القبور وميزوها، فهذا صاحب قبة، وهذا صاحب سقيفة، وهذا صاحب كذا وكذا ضريح، المهم افتتنوا بهاتين الفتنتين: فتنة الصور، وفتنة القبور. قال: فيه مسائل، يعني في هذا الباب: الأولى: التغليظ الشديد في المصورين، فالمصورون جاء فيهم يعني عقوبات كثيرة، كما في هذه الأحاديث، من العقوبات: أن المصور أشد الناس عذاباً، من العقوبات: أن الله يجعل له بكل صورة نفساً يعذب بها في نار جهنم، يعذب بها في نار جهنم، من العقوبة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، من العقوبة: أنه في النار، أي المصور، ومن العقوبة: أنه ملعون، كما في حديث أبي جحيفة في البخاري، وهكذا عقوبات كثيرة جاءت في هذه الأحاديث وفي غيرها من الأحاديث، فهو يعني هذا العمل من كبائر الذنوب. الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله، بقوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»، والعلة أيضاً المضاهاة، كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، يعني على قدرة الله عز وجل وعجز هؤلاء، فلماذا يزاحمونه في خلقه؟ لذلك قال: لقوله: «فليخلقوا ذرة أو شعيراً». الرابعة: التصريح بأنه أشد الناس عذاباً، وهذا واضح. الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفساً يعذب بها المصور في جهنم، كما دل عليه الحديث. السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بفاعل. السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت، وطمس هذه الصور استدل به العلماء أنه لا يجوز اقتناؤها، كيف تقتني شيئاً أمرنا بطمسه؟ فهذا دليل على أنه لا يجوز اقتناؤها، فلا يجوز لمسلم أن يقتني صوراً إلا كما تقدم للضرورة، معك بطاقة شخصية لا تقدر، هذا شيء لا بد منه، معك جواز، معك بطاقة عائلية، معك شيء من هذا الذي تلزم به الدول، هذا لا بأس أن تقتنيه لهذه المصلحة. أما أن تقتني صوراً للذكرى، أو يعني التذكر، فلان أو نحو ذلك، أو تذكر حبيب أو صديق أو زوجها أو نحو ذلك، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز، لأننا أمرنا بطمسها، فكيف نقتنيها؟ فاستدل العلماء أنه لا يجوز اقتناء الصور مطلقاً إلا للضرورة، فادي نحو ذلك، بالله هذا لا يجوز، ما يجوز، هذا لا يجوز، بطمسها، حبيب، اشتركوا في القناة.