الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 474

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 474

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 474، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح مسند سهل بن الحضلية ورواة الحديث

يتحدث عن مسند سهل بن الحضلية الأنصاري ورواة الحديث عنه، مع توضيح موقف الإمام أحمد بن حنبل من الرواة في الفتنة. كما يبين أهمية معرفة الرواة ومدى ثقتهم.

توضيح إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم المال لبعض كبار القبائل

يشرح سبب إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم مالًا لبعض كبار القبائل لتثبيت إسلامهم وإسلام من وراءهم، مع توضيح موقف المرداس بن أبي عامر. يبين المقطع الحكمة من وراء هذه الإعطيات.

النهي عن ظلم البهائم وإهمالها ومعاملة المسلمين لبعضهم

يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ظلم البهائم وإهمال إطعامها، ويأمر بمعاملتها برفق. كما يبين عقوبة من يسأل الناس وهو لديه ما يكفيه، مشيرًا إلى أنه يستكثر من نار جهنم.

ختام الدروس المستفادة

يشير إلى الاكتفاء بما تمت مناقشته من دروس، مع التأكيد على أن الله أعلم بكل شيء. يمثل هذا الختام نهاية المناقشات المطروحة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: مسند سهل بن الحضلية رضي الله عنه، وسهل بن الحضلية أنصاري عوسي من العوس. والحضلية قيل: إنها أم أبيه، وقيل: إنها أم جده. وقد شهد أكثر المشاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام، منها أحد. وكان قد سكن الشام بعد أن استولى أهل الإسلام عليها، ومات في بداية خلافة معاوية رضي الله عنه، سنة أربعين أو نحوها. وكان رحمه الله لا يكلم أحدًا كثيرًا، أو لا يتكلم عن ناس كثيرًا، أكثر وقته كان صلاة وذكرًا، مشغولًا بنفسه رضي الله عنه. لكن كان يحدث عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. قال رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن عبد الله، وهذا مع علي بن عبد الله هو ابن المديني، أبو الحسن الإمام الحافظ الكبير، إمام العلل، حتى لقب بحية الوادي لمعرفته لعلل الحديث. كان أحمد يقول: كأن الله عز وجل خلق علي بن المديني لهذا العلم أو لهذا الشأن. وإن كان الإمام أحمد لم يرو عنه في آخر حياته، لكن الأحاديث التي سمعها منه قبل الفتنة كان يرويها، وذكرها في المسند. وهذا يدل على أن أحمد لا يرى أن حديث من أجاب في الفتنة ترد كلها، وإنما ترك أحمد التحديث عنهم بعد الفتنة بعدما حصلت الفتنة وأجابوا. ولا شك أن علي بن المديني رحمه الله أجاب في الفتنة، وكان مع ابن أبي دؤاد، يمشي معه مكرها. وكان يقول: لو ضربوني سوطًا لمت لنحافة جسده، وهو -إن شاء الله تعالى- معذور. وأكثر من شدد على من أجاب في الفتنة أحمد، ولو كان هناك شيء عليهم لما كان لشطب حديثهم من المسند، لكنه رواها. يدل هذا على أن أحمد يعرف أنهم ما قالوا إلا على إكراه، وأنهم كانوا أهل علم وزهد وتقوى، لكن وقعوا في الاضطرار فأجابوا، فهم -إن شاء الله تعالى- معذورون. وأما أحمد رحمه الله شدد عليهم لئلا يتساهلوا في هذا الأمر، وأن هؤلاء أئمة يقتدى بهم، فلو تساهل مثل هؤلاء لتساهل غيرهم. قال: حدثنا الوليد بن مسلم، وهو ابن عباس الدمشقي، وكان حافظًا من حفاظ أهل الشام. كان أحمد يقول: أفضل من روى أحاديث أهل الشام الوليد بن مسلم، وكان حافظًا كبيرًا، إلا أنه حصل له بعض الأخطاء في بعض أحاديث مالك وغيره. وهذا الخطأ لا يسلم منه أحد. وكان يدلس كثيرًا، وهذا الذي أيضًا أسقط حديثه، كان كثير التدليس، ويدلس تدليس التسوية. قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو إمام أهل الشام وحافظهم ومقدمهم، عن سيرته عند أهل الشام كسيرة الأوزاعي. قال: حدثني ربيعة بن يزيد، وهو الأيادي أيضًا شامي ثقة من أهل دمشق، وحافظ، ويعد عند أهل الشام كمكحول، أبو عبد الله رحمه الله. مكحول يعتبر إمام أهل الشام، لكن أهل الشام يعدون ربيعة بن يزيد أنه مثل مكحول، بل بعضهم فضله على مكحول أي في العلم والعبادة. قال: حدثني أبو كبشة السلولي، وأبو كبشة السلولي هو شامي كذلك من أهل دمشق. وغلط الحاكم فقال: هو البراء بن قيس السكوني، وهذا خطأ؛ لأن البراء بن قيس السكوني من أهل الكوفة، ويكنى بأبي كبشة، وقيل أبي كبشة بالسين. وأما هذا فهو شامي ولم يعرف اسمه. قال: إنه سمع سهل بن الحنضلية الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: إن عيينة... وتجد في بعض الأحاديث بعض الكلمات تحذف، وهذا من باب الاختصار فقط، وإلا فهي أصلًا موجودة معنى، لابد أن تقرأ أو ينطق بها، لكنها تحذف من باب الاختصار. فهنا قوله: إنه سمع سهل بن الحنضلية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن عيينة... التقدير أن يقول: أن عيينة. والأقرع سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا من المال، أن يريدون مالًا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم دائمًا يعطيهم، خاصة إذا جاءت الغنائم أعطاهم، حتى إنهم في غنائم حنين أعطى عيينة بن حصن، وهو مقدم وشيخ أهل فزارة -معنى قبيلة فزارة- عيينة بن حصن، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي، وهو أيضًا مقدم أهل تميم، أعطاه مئة من الإبل. وأعطى كذلك زيد بن علاقة، وأعطى زيد الخير مقدم أهل طيء، وأعطى جماعة من مشايخ القبائل أو كبار أهل القبائل من حنين. وأيضًا المرداس بن أبي عامر احتج على النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى عيينة والأقرع مئة من الإبل، وأعطاه أقل. ومعنى وهم لا يزيدون عليه بشيء. وقال: ما في البخاري، يقول المرداس: أجعلت يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أجعلت نهبي ونهب العبيد العيينة والأقرع؟ أنا أجعلت ما أعطيتنا أقل مما أعطيت العبيد؟ العبيد معناه بني تميم، الفزاري. قال: أن عيينة والأقرع سألا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى رضوا وحسن إسلامهم؛ لأن من بعدهم كثير، هؤلاء إذا أسلموا أسلم قومهم. ولهذا دخل بنو تميم الإسلام مع أنهم كانوا أشد القبائل قسوة، لكنهم أحبوا الإسلام ودخلوا الإسلام، وأحبوا النبي عليه الصلاة والسلام. حتى إنه في سنة بعد حنين، لما جاءت ثقيف جاء الثقيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله جئنا مسلمين، جئنا نريد الإسلام، فأعطنا أموالنا ودرارينا. فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: اختاروا أحد الأمرين، إما المال وإما الذرية، أن تريدون المال أو تريدون الذرية -الذرية معنى نساءهم وأطفالهم-. فقالوا: بل نريد الذرية. فقال: ما كان مني ومن بني هاشم فهو لكم. فقال الناس: ونحن كذلك. قال: فليرفع إلي رؤساؤكم وكباركم يرفعون إلي موافقتهم. فأما عيينة فرفع إليه، وأما الأقرع فرفض. قال: كيف نعطيهم وقد أخذناه؟ فقال بنو تميم: والله والله لا نتابعك على ما أردت، وإنما نهديهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا يدل على تمكن الإسلام في قلوبهم؛ فالأقرع كان شيخهم مقدمهم، لكنهم لم يطيعوه في هذا. قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي من المال، فأمر معاوية أن يكتب به له ما فعل. لأن معاوية كان من كتاب وحي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وماذا يدل على فضله رضي الله عنه؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم استعمله أن يكون كاتبًا للوحي، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يضع في هذا المكان إلا من وثق فيه. وهذا خلاف ما يقوله الشيعة وسيد قطب وغيرهم: أن معاوية كان يمكر أو كان ماكرًا، وكان خائنًا، من هذه الألقاب التي يضعونها. بل كان مؤمنًا رحمه الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعله هاديًا واهد به». قال: وختمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم، وأمر بدفعه إليه ما، أنا أعطاهم كتابًا لم يعطهم شيئًا، وإنما أعطاهم كتابًا وختم هذا الكتاب وأعطاه. ما دفع إلى عيينة هذا الكتاب، ودفع للأقرع أيضًا كتابًا، وهما لا يدريان ما فيه. قال: فأما عيينة فقال: ما فيه؟ قال: فيه الذي أمرت به. أنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. قال عيينة: ما هذا الكتاب؟ أشفي هذا الكتاب؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فيه الذي أمرت به، أنا الذي أمرت به في هذا الكتاب الذي أمرني الله عز وجل به. قال: فقبله وعقده في عمامته، أنا أخذ هذا الكتاب إما أنه ما كان يقرأ وإما أنه لم يفتحه، ثم عقده في عمامته، عصبه في عمامته وخرج. قال سهل بن الحنظلي رضي الله عنه: وكان أحكم الرجلين، أنا أفضلهما وعقلهما. قال: وأما الأقرع فقال: أحمل صحيفة لا أدري ما فيها. فصحيفة المتلمس، أنا كأنه يقول: كيف أحمل هذه الصحيفة وأنا لا أدري ما فيها؟ قال: فأخبر معاوية رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله، وما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، أنا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يتكلم النبي عليه الصلاة والسلام بشيء. ثم بعد ذلك تكلم، وكأنه خرج لأجل حاجة عليه الصلاة والسلام. قال: فمر ببعير مناخ على باب المسجد من أول النهار، لما خرج من مسجد ظهر أنه كان في المسجد، فوجد البعير هذا من أول النهار وهو معقود عند المسجد، معنى صاحبه عصبه عند باب المسجد وضعه وذهب. قال: ثم مر به آخر النهار وهو على حاله، أنا أيضًا جاء بعد العصر وهو أيضًا على حاله معقود ومعصوب في مكانه. فقال: أين صاحب هذا البعير؟ فابتغي فلم يوجد. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اتقوا الله في هذه البهائم، ثم اركبوها صحاحًا واركبوها سمانًا كالمتسخط آنفًا»، أنا تركبونها كأنه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: تركبونها صحاحًا وسمانًا ولا تعطونها حقها، لا تعطونها ما يقومها. وهذا فيه أن الإنسان إذا اتخذ بهائم لا بد أن يطعمها ويعطيها ما يقومها، وإلا فليبيعها؛ إذا كان لا يستطيع أن يعطيها حقها من الطعام والبرسيم وغيره، القضب مثلًا، وما يقوتها، فإنه إذا لم يستطع ذلك فإنه يجب عليه أن يبيعها. فإن امرأة دخلت النار في هرة، لا هي أطعمتها ولا هي جعلتها تأكل من خشاش الأرض، وإنما حبستها فماتت بالجوع، فأدخلها الله عز وجل النار، أي هذه المرأة. فلهذا لا يجوز للإنسان أن يعذب هذه البهائم، يتركها بدون طعام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله في هذه البهائم». وجاء في حديث آخر قال: «اركبوها صالحة واتركوها صالحة»، كما قال عليه الصلاة والسلام. وجاء في حديث عبد الله بن جعفر أنه لما دخل حائطًا من حيطان المدينة وجد بعيرًا، فلما رآه -أي البعير- رأى النبي صلى الله عليه وسلم أدمعت عيناه، وعنى رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعرفه فدمعت عيناه. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ووضع يده عليه وخرج به من الحائط. فقال: لمن هذا البعير؟ فقال رجل من أنصار: لي يا رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اتق الله في هذه البهيمة، اتق الله في هذه البهيمة؛ فإنها شكت إليك أنك تجيعها وتدئبها»، أنا لا يعطيها طعامها وأيضًا كذلك يأمر عليها كثيرًا. فقال: إنها بكت إليك، أو أنها شكت إليك أنك تجيعها وتدئبها. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إنه من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من نار جهنم». قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: ما يغديه أو يعشيه. قال: هذا حديث صحيح. ثم ذكر الرواية الأخرى، إن شاء الله تعالى، نذكرها في درس لاحق، ونذكر أيضًا ما ذكره هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من نار جهنم». طيب نكتفي بهذا، والله أعلم.