كتاب الأطعمة 3

الدرس في كتاب الأطعمة 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف النذر وحكمه

النذر هو إلزام الشخص نفسه لله تعالى بشيء غير محال، وعقد النذر مكروه لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

أقسام النذر وأحكامها العامة

النذر أنواع، فمنه نذر الطاعة الذي يجب الوفاء به، ونذر المعصية الذي لا يجوز الوفاء به، ونذر المباح الذي لا ينعقد.

تفاصيل أحكام نذر الطاعة والمعصية والمباح

يجب الوفاء بنذر الطاعة، بينما يُكفر عن نذر المعصية ونذر المباح، ونذر اللجاج والغضب يخير بين الفعل أو كفارة يمين.

حكم نذر صوم شهر وتتابع الصوم

إذا نذر الإنسان صوم شهر فعليه أن يصومه متتابعا ليكون شهرا كاملا، وهذا مبني على وجوب الوفاء بالنذر كما هو مقرر في الشريعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه «منج السالكين توضيح الفقه في الدين»، في كتابه أو باب الأيمان والنذور، قال: «النذور»، قال: «وعقد النذر مكروه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر، وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل»، متفق عليه. فإذا عقده على بر، وجب عليه الوفاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، متفق عليه. وإن كان النذر مباحا أو جاريا مجرى اليمين، كنذر اللجاج والغضب، أو كان نذر معصية، لم يجب الوفاء به، وفيه كفارة يمين إذا لم يوفي به، ويحرم الوفاء به في المعصية. ذكر رحمه الله هنا حكم النذر. النذر لغة: الإيجاب، يقال: نذر دم فلان، يعني أوجب قتله. وشرعا: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى شيئا غير محال، بكل قول يدل عليه. فقولنا: إلزام مكلف مختار، خرج به غير المكلف، والمكلف هو من كان عاقلا بالغا، فغير العاقل والبالغ لا يصح منه النذر. وقولنا: مختار، خرج به المكره، من نذر نذرا وهو مكره، فلا ينعقد هذا النذر. وقولنا: لله تعالى شيئا غير محال، أما كان شيء محال، هذا أيضا لا يصح، فيكون من لغو الذي يعني لا يواخذ عليه الإنسان، كان يقول مثلا: لله علي أن أطير في الهواء، هذا شيء مستحيل. ما يقول: أنا نذرت نذرت شيء محال، ما ينعقد هذا النذر. بكل قول يدل عليه، يعني لا يلزم في النذر أن يكون من لفظ النذر، فيقول: نذرته لله، فلو حصل النذر بغير هذا اللفظ، فإنه يصح، مثلا لو قال: لله علي أن أصوم كذا وكذا يوما، هذا نذر، أو يقول: ألزمت نفسي أن أصوم كذا وكذا، أو أصلي كذا وكذا صلاة، هذا نذر، لأن هذا اللفظ يدل على النذر. قال: «عقد النذر مكروه»، يعني ابتداء كونه ينذر نذرا هذا مكروه، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، يعني عن عقد النذر، قال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل». لأن النذر لا يريد أن يفعل الطاعة إلا بمقابل. وهذا النذر المعلق وهو أشد كراهية، الذي يقول: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أتصدق بكذا وكذا، أو إن نجحت في الدراسة، فلله علي أن أصوم كذا وكذا يوما، أو إن جاء أهلاء من السفر سالما، فلله علي أن أذبح كذا وكذا شاة. أو النذر المطلق: لله علي أن أصوم أو أتصدق أو كذا، هذا مكروه. عقد النذر ابتداء مكروه، لكن إذا نذر، وكان النذر طاعة، وجب عليه الوفاء بهذا النذر. ولهذا الله عز وجل أثنى على الموفين بنذورهم، قال جل وعلا: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ويوفون بالنذر﴾، وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». وهذا العبادة، عبادة النذر، تختلف عن بقية العبادات، فسائر العبادات عقدها وابتداؤها مستحب، إلا النذر، فابتداؤه مكروه والوفاء به واجب. ثم ذكر رحمه الله أن عقد النذر إذا كان على بر، واجب عليه الوفاء. ذكر هنا بعض أنواع النذر، فقوله: إذا عقده على بر، هذا يسمى عند أهل العلم بنذر التبرر، نذر التبرر، يعني أن ينذر نذرا يقصد منه البر والطاعة، الله علي أن أصوم عشرة أيام، أو لله علي أن أتصدق بعشرة آلاف مثلا، أو لله علي أن أصلي اثنتي عشرة ركعة، هذا يسمى نذر بر، هنا يجب الوفاء به، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، ما دامت ألزمت نفسك بهذه الطاعة، فعليك أن تفي بها. طيب هذا النوع الأول، نذر الطاعة. أيضا من أنواع النذور نذر المعصية، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه. قد ينذر الإنسان فعل معصية، يقول: الله علي أن أشرب الخمر مثلا، أو أن أشرب الدخان، أو لله علي أن لا أصلي هذا اليوم، هذا نذر معصية، نقول: لا يجوز لك الوفاء بهذا النذر، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». طيب أيضا من أنواع النذر النذر المباح، النذر المباح، كان يقول: لله علي أن ألبس الثوب الفلاني، أو لله علي أن أركب هذه الدابة، أو لله علي أن أمشي حافيا، أو نحو ذلك. وهذا النذر، النذر المباح، لا ينعقد، لحديث أبي إسرائيل، الرجل الذي نذر أن يقوم ولا يقعد، وأن يجلس تحت الشمس ولا يستظل، وأن لا يتكلم، وأن يصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروه فليستظل، وليقعد، وليتكلم، وليتم صومه». هو نذر نذر مباح، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل هذه المباحات، وأمره بالصيام لأنه نذر طاعة، أمره أن يفي بالصيام لأنه نذر طاعة. وهل يجب عليه أن يجب عليه في نذر المباح ونذر المعصية كفارة؟ جاء في حديث: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين»، «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين»، هذا الحديث رواه الترمذي، إلا أنه معلل، قال الترمذي: لا يصح، لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة، هو منقطع. ولهذا ذكره شيخنا رحمه الله في أحاديث معل ظاهرها الصحة. كذلك أيضا من أقسام النذر نذر اللجاج والغضب، نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق النذر بشرط، تعليق النذر بشرط، يقصد منه المنع أو الحث على الفعل، أو التصديق أو التكذيب. مثل مثلا أن يغضب الإنسان فيقول: لله علي إن كلمت فلانا أن أتصدق بكذا وكذا، هو الآن نذر يريد ماذا؟ أن يمنع نفسه من كلام فلان. أو يقول: لله علي إن لم أذهب للمكان الفلاني أن أصوم كذا وكذا يوما، هنا يريد ماذا؟ الحث، يحث نفسه على فعل هذا الشيء. أو يقول: لله علي مثلا إن كان فلان لم يأت من السفر فعلي كذا وكذا، يريد تأكيد تأكيد صدق الخبر، أو العكس إذا أراد نفي ذلك وتكذيب الخبر، هذا يسمى نذر اللجاج والغضب. فإذا نذر هذا النذر، فهو مخير بين فعل ما نذر أن يفعله، أو يكفر كفارة يمين، يخير بين فعل ما نذر أو يكفر كفارة يمين. واستدل أهل العلم بحديث عمران بن حصين، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين»، «لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين»، هذا الحديث رواه النسائي، وفيه ضعف، وأعله أبو حاتم رحمه الله في العلل. وهكذا أيضا الحافظ العراقي أعله بالاضطراب. لكن قول يعني جمهور أهل العلم على هذا، على أنه يخير بين فعل ما نذر أو يكفر كفارة يمين. يبقى من أنواع النذر النذر المطلق، النذر المطلق، يعني الذي ليس فيه تعيين، يقول: لله علي، ويسكت، لله علي نذر، ولا يسمي هذا النذر، لا يسمي هذا النذر، هذا يكفر كفارة يمين، لحديث عقبة بن عامر عند الترمذي وابن ماجه: «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين». على أن بعض العلم يضعف هذه الرواية التي فيها ذكر إذا لم يسم، وجاء الحديث مطلقا بغير هذا القيد: «كفارة النذر كفارة يمين»، «كفارة النذر كفارة يمين»، وهذا يستدل به أيضا على مثل هذه الحال، إذا نذر هذا النذر المطلق، فإنه يكفر كفارة يمين. يبقى إذا نذر الإنسان نذر طاعة، طيب وعجز بعد ذلك عن الوفاء بهذا النذر، يعني مثلا قال: لله علي أن أصوم كل اثنين وخميس، أو أن أصوم ثلاثة أيام كل شهر، أو أن أصوم يوما وأفطر يوما، نذر، قل الآن ألزم نفسه بهذا، استمر فترة، ثم تعب وما استطاع أن يفي بهذا النذر، فماذا يفعل؟ نقول: يكفر كفارة يمين، يكفر كفارة يمين، ويترك هذا النذر. طيب إذا نذر أن يصوم شهرا، لله علي أن أصوم شهرا، هل يلزمه التتابع في هذا الصيام؟ الجواب: لا، لا يلزمه إلا إذا قيده بذلك، إذا قال: الله عليه أن أصوم شهرا متتابعا، فيلزمه. وإذا لم يشترط، فلا يلزمه التتابع. وإذا نذر صلاة، فأقل الصلاة ركعتان، يلزمه ركعتان، لأن هذا أقل ما تصلى به من نافلة الصلاة. نعم، نقل في صوم الشهر، إذا نذر أن يصوم شهرا، لا يلزمه التتابع، لأنه ما يمكن أن يصوم شهر أو يصح في حقه أنه صامه شهرا إلا إذا كان متتابعا. وإذا قال: لله علي أن أصوم شهرا، فيلزمه أن يتابع في الصيام حتى يصوم شهرا، لأنه لو صام يوما أفطر يوما، ما صح في حقه أنه صامه شهرا. إذا الصواب: إذا نذر أن يصوم شهرا، أن يكون متتابعا، أن يصوم شهرا كاملا، حتى يصح في حقه أنه صام شهرا كاملا. صلى الله عليه وسلم، ونبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.