الدرس في التعليق على الجواب الكافي 174، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر ابن قيم الجوزية آراء الظاهرية حول منافع العشق، وأورد أقوالهم في هذا الشأن. يناقش المقطع آراءهم وتأثيرها على بعض أهل التصوف.
يناقش المقطع مفهوم العشق وآثاره، حيث يرى بعض الحكماء أنه يحمل على مكارم الأخلاق، بينما يرى آخرون أنه قد يؤدي إلى الفواحش. يشير إلى أن العشق المباح يكون في إطار الزواج.
يتناول المقطع مفهوم العشق الحقيقي والعشق الباطل، حيث يرى أن العشق الحقيقي هو الذي يكون لله أو للزوجة أو لمن يريد الزواج بها. يذكر أمثلة على انشغال العلماء بالعلم.
يصف الشاعر الحب بأنه يحمل اللذاذة والشفاء مع الكروب، ولا يطيب العيش إلا بالحبيب. يشير إلى أن الحياة بدون حبيب لا تعتبر نعيمًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. بعد ذلك، ذكر دمام ابن قيم رحمه الله مضار عشق الصور وما يترتب عليها من مفاسد عظيمة. ثم قال رحمه الله: فإن قيل قد ذكرت ما يفوت العشق يوم ضرر، يوم فساده، فهل لا ذكرت منافعه وفوائده التي من جملتها أنا يريد أن يأتي بما ذكره بعض الظاهرية؛ لأن الظاهرية يجيزون هذا العشق، وهذه من أعظم سقطات الظاهرية أنهم يجيزون مثل هذه الأشياء. ولهذا ابتلوا - ابتلاهم الله عز وجل - بعضهم بمثل هذه الأشياء، بدل أن يموت على علم مثل الأئمة، بدل أن يموت على صلاة، بدل أن يموت على مثل هذه الأمور العظيمة من العبادات، يموت على مرض لأجل عشق، وهو إمام من أئمة الظاهرية. وهذا من الابتلاء. ولأن هذا القول من الآفات العظيمة التي ابتلي بها هؤلاء، بل كاد بعض الظاهرية أن يجيز حتى الإباحية، وهذا مذهب فاسد. وأيضا تشبث به بعض أهل التصوف في مسألة المردان وغيرها. ومعلوم أن أهل التصوف غالبا أهل أهواء، ليس لهم دين، وإنما يتشبثون بكل من يرخص لهم في بعض الأشياء. مثل الآن، تجد هؤلاء الذين ينتسبون للتصوف، فتجد يقولون شافعية، لكن في الغنى ليسوا شافعية، وإنما ظاهرية يأخذون بمذهب ابن حزم في الغنى، مع أنهم يتكلمون على ابن حزم ويصفونه بالشناعة، لكن لما أرادوا الهوى فأجاز الغنى لأن ابن حزم يجيزه. وهذا فيقم اتباع الهوى. فذكر الإمام ابن القيم هنا ما ذكره بعض الظاهرية من منافع وفوائد في العشق وذكرها رحمه الله، ولم يعلق على كل شيء، وإنما علق بعد أن انتهى من الكلام على ذلك والظاهر أراد أن يختصر، فرد إجمالا. فجعل الرد إجمالا. قال: فهل لا ذكرت منافع وفوائده التي من جملتها رقة الطبع، وترويح النفس، وخفتها، وزوال ثقلها، ورياضتها، وحملها على مكارم الأخلاق من الشجاعة والكرم والمروءة، ورقة الحاشية، ولطف الجانب. فقد قيل: يحيى بن معاد الرازي. ويحيى بن معاد هو من أهل الزهد وتقشف، ونسب إلى التصوف، وذكره أبو نعيم على أنه من الصوفية، وهو زاهد. لكن حتى وإن قلنا أنه من أهل التصوف، لكنه من القدماء الذين هم أكثر ما كانوا عليه هو الزهد في الدنيا، وكذلك الارتباط برب العالمين سبحانه وتعالى. ويلقي الله عز وجل على ألسنتهم كلمات عظيمة. فيحيى بن معاد أوتي لطافة في الكلام، وأيضا كلامه عظيم، أن كلامه غالبا يكون كلاما عظيما ينتفع به السالك إلى ربه. فهو من من وفقهم الله عز وجل بالقول، وصدق جماعة من أهل العلم منهم عبد الله بن الشودة، وكذلك غيره. قال: من حكم السنة في نفسه نطق بالحكمة. من حكم السنة في نفسه نطق بالحكمة. وكان أيضا يحيى بن معاد يقول: من اتبع السنة وأكل الحلال أظهر الله عز وجل قوله. وقال بعض السلف: لم لم تفت له فراسة عن أنه يكون يتفرس؟ قال: وقد قيل لي يا معاد إن ابنك قد عشق فلانا، فقال: الحمد لله الذي صيره إلى الطبع الآدمي. وقال بعضهم: العشق دواء فؤاد الكرام. وهذه الأشياء رقة الطبع وغيرها، حتى أن بعضهم يقول: أن من لم يعشق فهو بليد. وهذا الكلام ليس على ظاهره، وليس أيضا صحيحا على إطلاقه. صحيح أن العاشق يكون عنده رقة الطبع، لكن أحيانا هذه رقة الطبع تنسيه دينه وتنسيه عبادة الله عز وجل، وكذلك تجعله يقع في الفواحش وغيرها من هذه الآفات التي يتلقاها من هذا العشق. فلهذا فهذه الأشياء ممكن إذا كان العشق مباحا أن يعشق الرجل زوجته ولا يغلو في ذلك، فهذا أو يعشق المرأة يريد أن يتزوجها. أما عشق بدون زواج وبدون ارتباط فهذا باطل. قال: وقال غيره: العشق لا يصلح إلا لدي مرؤة ظاهرة وخليقة طاهرة، أو لدي لسان فاضل وإحسان كامل، أو لدي أدب بارع وحسن الناصع. وهذا كله تزيين لباطلهم غالبا. وقال: وقال آخر: العشق يشجع جنان الجبان، ويصفي ذهن الغبي، ويسخي كف البخيل، ويذل عزة الملوك. حتى إذا عشق جارية، تجد أنه يذل لها مع أنه ملك، والناس يذلون له، لكن تذهب هذه العزة عند العشق. قالوا: يسكن نوافر الأخلاق، وهو أنيس من لا أنيس له. أي الذي قلبه فارغ من ما يشغله، وقلبه فارغ من عبادة الله وتذكر وذكر الله عز وجل، تجد أنه في خلواته وفي جلواته يتفكر في معشوقه، فيذهب عليه الوقت وهو يتفكر في ذلك. قال: وجليس من لا جليس له. قال آخر: العشق يزيل الأثقال، ويلطف الروح، ويصفي كدر القلب، ويوجب الارتياح لأفعال الكرام. كما قال الشاعر: سيهلك في الدنيا شفيق عليكم إذا غاله من حادث الحب غائلة. كريم يميت السر حتى كأنه إذا استفهموه عن حديثك جاهلة. معنى ما يظهر هذا الحديث، يود بأن يمسي سقيما لعلها إذا سمعت عنه بشكوى ترسله. يعني يتمنى أن يكون ضريرا حتى ترسله هذه المعشوقة. قال: ويهتز للمعروف في طلب العلاء لتحمد يوما عند ليلة شمائلة. قال: فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق، لكن مكارم الأخلاق محدودة مع معشوقه فقط غالبا. وإلا تجد في معاملة الآخرين تجد أنه فيه قسوة. وكذا معنى على حسب طبعه، لكن يقولون معنى هؤلاء الذين يذكرون هذا من الحكماء وغيرهم أن العشق لا يكون إلا لمن كان قلبه فيه لين ورحمة. لكن هذا ليس صحيحا بحسب الواقع، فإنه يعشق اللين وغيره، لكن الطباع هي التي تبرهن فعله. قال: العشق يروض النفس ويهذب الأخلاق، إظهاره طبعي وإضماره تكلفي. وقال آخر: من لم يهج نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي فهو فاسد المزاج يحتاج إلى علاج. وأنشد في ذلك: إذا أنت لم تعشق ولم تدرم الهوى فما لك في طيب الحياة نصيب. وهذا باطل، لكن إذا كان هذا عن حلال لا بأس؛ لأن هذا من زينة الدنيا والأمور التي تمتع بها الإنسان في الدنيا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة». إذا كانت امرأة صالحة فإنها متاعها يكون أعظم. قال: وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدرم الهوى فأنت وعير في الفلات سواء. وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدرم الهوى فكم حجرا من جانت الصخرة جلمد. أي أنت قلبك مثل الصخر، أي قاسي. وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدرم الهوى فقم فعتلف تبنا فأنت حمار. وهذا أيضا من الباطل. ومن ملأ قلبه بمحبة الله عز وجل وعظمته فإنه لا شك أنه يتحصل على هذه الأمور وأعظم. وكذلك تذهب مثل هذه الطرهات وهذه الأشياء التي يذل بها العبد عند معشوقه وغيره تذهب. وأيضا ينشغل القلب بالله جل وعلا وبمرضاته وبعبادته وبطاعته. وكذلك أيضا من مرضات الله عز وجل التي يهيم فيها القلب. وكذلك ينشغل بها القلب العلم، فالعلم من أعظم الأمور ومن أعظم اللذات التي يجدها طالب العلم، فتنسيه كل مطلوب وكل مرغوب. ولهذا كان السلف رحمه الله يبينون أن العلم صار كل وقته. كان بعضهم يقول: سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناق. أي يفضل السهر في العلم أفضل من السهر مع امرأته، فيجد اللذة العظيمة في ذلك. ويذكر عن الزبير البكار المؤرخ وأيضا النسابة أن ابنة أخته قالت لزوجته: قالت الحمد لله أن خالي لم يتزوج عليك أخرى. فقالت: والله هذه الكتب التي معه هي أشد علي من ثلاث ضرائر. أي هذه الكتب التي معه أشد علي من ثلاث ضرائر. وكان فعلا بالصغير له كتاب كان يؤلفه في النحو، وكان منشغلا به عن زوجته، وكان ما يلتفت إليها، يسهر الليل وهو في هذا الكتاب. فأرادت أن تغيظه لأنه كأنه أغاضها بهذا أو وجدت شيء من النفور. فأرادت أن تغيظه فأحرقت هذا الكتاب، فتأسف أسفا عظيما أنه أحرق هذا الكتاب. قال: وقال بعض العشاق للعفة والصيانة عفوا تشرفوا، وعشقوا تضرفوا. فقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع بمن تهوى لو ظفرت به؟ فقال: كنت أمتع طرفي بوجهه، وأروح قلبي بذكري وحديثه. وهذا كله حرام، أنه يمتع طرفه أي يمتع نظره بوجهه هذا حرام لا يجوز لأنه لا يحل له. وأسر منه ما لا يحب كشفه، ولا أصير بقبيح الفعل إلى ما ينقض عهده. وقد ذكر بعض العلم الإجماع على أن من نظر إلى امرأة أو إلى أمرد نظر شهوة فهو يعتبر محرم، ولو كانت أحد المحارم يعتبر محرم. وهذا الإجماع إجماع معناه، أما الأربعة أما الظاهرية فيرون ذلك جائز. قال: ثم أنشد أي بعضهم ثم أنشد: أخل به فعف عنه تكرما خوف الديانة لست من عشاقه. كالماء في يد صائم يلتذه ضمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه. أي مثل الصائم يحب الماء لكنه ما يستطيع أن يشرب، وهذا يتعفف عن الفاحشة تكرما وديانة. قال: وقال إسحاق بن إبراهيم: أرواح العشاق عطرة لطيفة، وأبدانهم رقيقة خفيفة، نزهتهم المؤانسة، وكلامهم يحيي موات القلوب، ويزيد في العقول. ولولا العشق لبطل نعيم الدنيا. ونقول العشق الحلال، وأما العشق الباطل فهو ضيق الدنيا. وأيضا عشق من لا يحل غالبا يكون ضيقا على العبد. وذكر أشياء كثيرة. قال: وقال آخر: العشق الأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركته ضره، وإن أكثرت منه قتله. معنى يحتاج الإنسان إلى العشق، لكن العشق الحلال أن يعشق زوجته أو امرأة يريد أن يتزوجها ويسعى لزواجها. قال في ذلك: قيل خليلي إن الحب فيه لذاذة وفيه شفاء دائم، وكروب على ذاك معيش يطيب بغيره، ولا عيش إلا بالحبيب يطيب، ولا خير في الدنيا بغير صبابة، ولا فيه نعيم ليس فيه حبيب. طيب إن شاء الله تعالى نكمل في درس قادم ترجمة نانسي قنقر.