كتاب الصلاة 6

كتاب الصلاة 6

الدرس في كتاب الصلاة 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية السترة في الصلاة وآراء أهل العلم حولها

يتناول هذا الفصل أهمية اتخاذ السترة أثناء الصلاة، ويشرح آراء أهل العلم حول وجوبها أو استحبابها مستدلاً بالأحاديث النبوية.

تفاصيل أحكام السترة ومقدارها والاقتراب منها

يشرح هذا الفصل مقدار السترة وأهمية الاقتراب منها لمن يصلي إليها، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية مختلفة.

حكم مرور بعض الأشياء بين يدي المصلي وتأثيرها على الصلاة

يتناول هذا الفصل شروط صحة الصلاة وعدم قطعها بمرور بعض الأشياء بين يدي المصلي، ويبين تأثير مرور المرأة والحمار والكلب الأسود.

بيان ضعف حديث يتعلق بالسترة ودرء ما يقطع الصلاة

يتناول هذا الفصل حديثا ضعيفا يتعلق بما يقطع الصلاة، ويشير إلى صحة حديث آخر يتعلق بدرء ما يقطع الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: باب سترة المصلي. قال حديث القامس الثمانون بعد المائتين، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء. متفق عليه. هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد -يعني إلى المصلى- وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يصلي العيد في المصلى، فأمر بالحربة فتوضع بين يديه -يعني يجعلها سترة يستتر بها- فيصلي إليها والناس وراءه أن يصلون بصلاته، وكان يفعل ذلك في السفر -يعني إذا خرج في السفر يتخذ له حربة حتى يجعلها سترة-. وقوله: "فمن ثم اتخذها الأمراء" يعني اتخذوا الحربة، ليس اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في باب الصلاة، وإنما فعلوا ذلك من باب العجب والكبر كما أشار أهل العلم. وفي هذا الحديث مشروعية السترة في الفضاء، مشروعية اتخاذ السترة في الفضاء -يعني إذا أراد إنسان يصلي في صحراء أو موضع ليس فيه شيء يستتر به- فلا بأس أن يستتر بشيء كحربة أو حصى أو قوم رمل أو نحو ذلك يجعله سترة. وفيه أيضا حرص النبي عليه الصلاة والسلام على اتخاذ السترة، فلهذا كان يتخذ الحربة إذا خرج في سفر ليستتر بها. والسترة جمهور أهل العلم على أنها مستحبة، وليست واجبة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى الوجوب، لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسترة في بعض الأحاديث، حيث بسعيد: "لا تصلي إلا إلى سترة"، وكذلك ملازمة النبي عليه الصلاة والسلام لها في الأسفار. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد صحيح صريح أنه صلى بلا سترة. وسيأتي معنا ما سدل به الجمهور من صرف الأمر في سعيد من وجوب إلى الاستحباب في حديث ابن عباس، وسنذكر إن شاء الله وجه الاستدلال الذي استدل به الجمهور والرد عليه. قال الحديث السادس الثمانون بعد المائتين، عن أبي جهيم ابن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه". اتفق عليه. ووقع في البزار من وجه آخر: "أربعين خريفا". في هذا الحديث وعيد شديد لمن يمر بين يدي المصلي، "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه" يعني من الإثم والعقوبة، لكن لم يذكر ليكون ذلك أبلغ في الزجر، "لكان أن يقف أربعين" يعني ولا يمر بين يديه، أن يقف أربعين ولا يمر بين يديه. أربعين يحتمل أربعين ساعة، يحتمل أربعين يوما، يحتمل أربعين شهرا، يحتمل أربعين سنة خيرا له من أن يمر بين يديه. هذا يدل على حرمة قطع صلاة المصلي والمرور بين يديه، ولهذا جاء في رواية البزار: "أربعين خريفا". ففيه تحريم المرور بين يدي المصلي، وهذا عام، يعني في جميع المواضع التي يصلي فيها المصلي، في جميع المساجد على الصحيح، حتى المسجد الحرام. قال حديث السابع والثمانون بعد المائتين، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: "مثل مؤخرة الرحل". أخرجه مسلم. قال حديث الثامن الثمانون بعد المائتين، عن سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم". أخرجه الحاكم. في حديث عائشة بيان المقدار الذي يجزأ في السترة، سئل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عن سترة المصلي، ما هي سترته وما المقدار الذي يجزأ في ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل مؤخرة الرحل" يعني مثل العود الذي يكون في آخر الرحل. وقال أهل العلم: هو قدر ثلثي ذراع، قدر ثلثي ذراع، هذا قدر ثلثي ذراع يكون هذا مقدار السترة، إذن هذا هو مقدار السترة المجزئة. وسيأتي معنا في حديث القط الوارد في الباب هو ضعيف لا يصح، إذن لم يجد أحدكم شيئا فليخط خطا وليصلي إليه، فهذا غير ثابت. إذن لابد من اتخاذ سترة قدر مؤخرة الرحل، وهذا إذا تيسر، إذا لم يتيسر للإنسان شيء يستتر به، فاتقوا الله ما استطعتم، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. هذا على قولنا بالوجوب، وإلا فعلى قول الجمهور هي مستحبة. ومن أهل العلم من يرى أنه له أن يتركها مطلقا، لكن الصواب أنها واجبة، وأقل الأحوال هو القول بالاستحباب، لكن ليس الشرط لصحة الصلاة، لو صلى الإنسان متعمدا إلى غير سترة مع استطاعته صلاة صحيحة، لكن اتخاذها كما سمعتم سنة واجبة. وفي حديث سمرة بن معبد بيان أن السترة لا بأس ولو كانت شيئا نحيفا، ليس شيئا عريضا، السهم ليس بعريض، فلو جعل سهما أو عودا ولو كان هذا العود ليس بالعريض لا بأس بأن يستتر به، فلا يشترط بالسترة أن تكون عريضة، طيب وإنما يجب أن تكون طويلة قدر مؤخرة الرحل، سواء كانت نحيفة أو كانت عريضة، فالأمر في ذلك واسع. قال حديث التاسع والثمانون بعد المائتين، وعن سهل بن أبي حثمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته". رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة، وهو حديث مختلف في إسناده. هذا الحديث فيه وجوب الاقتراب من السترة لمن صلى إلى سترة، أن يدنو منها، أن يقترب منها ولا يبتعد عنها، وهذا ثابت يعني من فعل النبي عليه الصلاة والسلام ومن قوله، أنه كان إذا صلى إلى سترة جعل بينه وبين السترة قدر ثلثي ذراع، هذا هو القائم، وإذا سجد يكون بين موضع السجود وبين السترة قدر ممر شاة. ولأن المقصود من اتخاذ السترة هو أن تمنع من أراد أن يمر بين يديك، فإذا كانت بعيدة لم تنتفع بها، فالمذكور في هذا الحديث يعني ثابت في حديث آخر، منها يثبت سعيد: "إذا صلى لا يصلي أحدكم إلا إلى سترة وليدن منها"، "وليدن منها" ولا يدع أحدا يمر بين يديه، وهو الصحيح. قال حديث التسعون بعد المائتين، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت راكبا على حمار أتان -الأتان الأنثى من الحمار- قال: وأنا يومئذ قارب ناهزت الاحتلام -يعني قربت- ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد. متفق عليه. هذا الحديث استدل به جمهور أهل العلم على استحباب السترة، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم هنا صلى بمنى إلى غير جدار، قالوا: يعني إلى غير سترة، ودل هذا على أن اتخاذ السترة مستحب وليس بواجب. وقال من ذهب إلى الوجوب: إن هذا الحديث ليس صريحا في نفي السترة، ليس صريحا في نفي السترة، لأن قوله: "إلى غير جدار" معنى أنه صلى إلى سترة أخرى غير الجدار، هو مكان يصلى إلى حربة أو يصلى إلى شيء يستتر به غير الجدار، فنفي الجدار لا يلزم منه نفي السترة. وفيه أيضا مرور الحمار بين يدي المأمومين لا يضر، لا يبطل الصلاة، إنما يبطل ذلك إذا مرت بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه سترة كما سيأتي. وفيه جواز مرور الإنسان بين يدي المصلين، وأن هذا لا يضر في صلاتهم. قال حديث الحادي والتسعون بعد المائتين، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقطع صلاة المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسود". الحديث وفيه: "الكلب الأسود شيطان". أخرجه مسلم، ولأبي داود والنسائي عن ابن عباس نحوه دون آخره، وقيد المرأة بالحائض. في هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن صلاة المصلي تقطعها هذه ثلاثة الأشياء، وذلك إذا كان يصلي إلى غير سترة، قال: "إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسود"، المرأة بالمرأة الحائض كما جاء في روايات أخرى مقيدة بالحائض، والمرأة بالحائض أي البالغة، دون الصغيرة. والحمار والكلب الأسود، خلق للنبي صلى الله عليه وسلم ما بال الأسود من الأحمر، قال: "الكلب الأسود شيطان". ففي هذا الحديث أن مرور هذه الأشياء الثلاثة بين يدي المصلي تقطع صلاته، والمرأة بالقطع على الصحيح هو البطلان، أنها تبطل صلاته، هذا إذا كان يصلي إلى غير سترة، وأما إذا كان يصلي إلى سترة فلا تضر بصلاته. قال حديث الثاني والتسعون بعد المائتين، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. متفق عليه. هذا الحديث فيه جواز أن يصلي المصلي والمرأة أمامه جالسة في محلها، فهذا لا يضر بصلاته، وليس هذا كالمرور، فرق بين مرور المرأة وبين مكثها في محلها والصلاة إليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى وعائشة بين يديه متجعة ورجلاها في قبلته، والبيوت كانت ضيقة، فإذا سجد غمزها -يعني قبضها أو بيديه- حتى تبعد رجليها، فقبضت رجلي، وإذا قام بسطت رجليها -أي مدت رجليها-. ففيه دليل على جواز مثل ذلك، وأن هذا لا يضر بالصلاة بخلاف المرور. وفيه أيضا دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء ولا يبطل الصلاة، هذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يغمز عائشة إذا سجد بيديه ويستمر في صلاته. قال حديث الثالث والتسعون بعد المائتين، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان". متفق عليه. ولمسلم عن ابن عمار: "فإن معه القرين". في هذا الحديث أن المصلي إذا صلى وعنده سترة يصلي إليها فلا يدع أحدا يمر بين يديه، إذا أراد أحد أن يمر يدفعه يمنعه، "فليدفعه" المراد بدفعه أن يمنعه من المرور يكون بلطف، فإن أبى فليقاتل، المراد بالمقاتلة ليس المقاتلة التي تخرج من الصلاة، بسم الله مضاربة لا، المراد بالمقاتلة شدة الدفع، شدة الدفع يعني إذا أبى إلا أن يمر تدفعه بقوة. قال أهل العلم: حتى لو أصيب هذا المار بشيء من الضرر فليس على الدافع شيء، لماذا؟ لأن القاعدة أن ما ترتب على المأذون فغيره مضمون، هذا الدفع أذن به الشرع، وإذا كان كذلك فلا ضمان على الدافع. ففيه أن المصلي إلى سترة يمنع من أراد أن يمر بين يديه. قال حديث الرابع والتسعون بعد المائتين، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليخط خطا، ثم لا يضره من مر بين يديه". أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان. في هذا الحديث إذا لم يجد المصلي شيئا يستتر به أن يخط خطا، من قال خطا مستقيما، ومن قال خطا معوجا كالهلال. وعلى كل حال، الحديث فيه ضعف، فالحديث فيه أبو عمر وعمه وهما مجهولان. وقال إمام مالك: حديث القط باطل وليس بشيء. وقول عامة الفقهاء عدم العمل به، فصحيح أنه إذا لم يجد شيئا يصلي على حاله وليتق الله ما استطاع. قال حديث الخامس والتسعون بعد المائتين، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقطع الصلاة شيء، ودرءوا ما استطعتم". أخرجه أبو داود، في سنده ضعف، مع أنه مجالد بن سعيد وهو سيء الحفظ. وهذا الحديث ضعيف ومخالف لما ثبت في الصحيح، في الصحيحين: "يقطع صلاة المرء إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل". هذا الحديث لا يصح، "لا يقطع الصلاة شيء" يعني لا امرأة ولا حمار ولا كلب، الآخرة، فهذا الحديث لا يصح. نعم، "ودرءوا ما استطعتم"، طيب هذا ما يتعلق بباب السترة إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.