الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 27، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستحب استقبال القبلة عند قراءة القرآن وسجود التلاوة في مختلف الأوضاع، واستدل بحديث حول استحباب استقبال القبلة في المجالس. يُذكر آراء الإمام الآجري في هذا الشأن.
يستحب استقبال القبلة عند الجلوس وتلاوة القرآن، كما يُستحب البكاء أو التباكي خشية الله أو حبًا له، وأن يكون للقرآن أثر في القلب، مما يدل على الخشوع والتأثر بالقرآن.
التدبر والتفكر في قراءة القرآن أمر مهم، ويجب تجنب الانشغال بشيء آخر أثناء القراءة لزيادة الفهم والانتفاع بالقرآن، ويُفضل القراءة من المصحف لزيادة التركيز.
المقطع ينتهي بالدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام، ويشمل الدعاء آله وصحبه أجمعين، مما يعبر عن الختام بالصلاة على النبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، المتوفى سنة 360 للهجرة، في كتابه «أخلاق حملة القرآن»: قال: «وأحب لمن كان يدرس وهو ماش في طريق، فمرت به سجدة، أن يستقبل القبلة ويومئ برأسه بالسجود». وهكذا إن كان راكبًا، فدرس فمرت به سجدة سجد، يومئ نحو القبلة إذا أمكنه. يقول: أحب لمن كان يدرس، ولو كان ماشيًا -يعني يمشي ويقرأ القرآن- يراجع محفوظاته، يقرأ ورده، فإذا مرت به سجدة -آية فيها سجدة- يقول: فيسجد يستقبل القبلة ويومئ برأسه بالسجود، يعني يسجد إيماء برأسه بأن يخفض رأسه ويستمر في مشيه. وهكذا إذا كان راكبًا، إذا كان راكبًا على دابة، سواء كان حيوانًا أو سيارة ونحو ذلك من المركوبات، فدرس -قرأ القرآن- ومرت به سجدة سجد وأومئ برأسه نحو القبلة إذا أمكنه، إذا أمكن أن يتجه إلى جهة القبلة، فعلى ذلك. وإن لم يمكن، فإنه يسجد في الجهة التي هو يستقبلها ولا حرج عليه في ذلك. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي النافلة على راحلته في السفر حيث توجهت به. قال: «وحب إن كان جالسًا أن يستقبل بوجهه القبلة إذا أمكنه ذلك»، يعني إذا أراد أن يقرأ القرآن وهو جالس، كأن يكون جالسًا في المسجد أو في البيت، فيقول: «أحب أن يستقبل القبلة»، يجلس متجهًا إلى جهة القبلة. قال: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس ما استقبل به القبلة». وهذا الحديث أخرجه الطبراني في الكبير، وهو ضعيف، قد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله، لكن معنى هذا الحديث صحيح. معنى هذا الحديث صحيح أن الأفضل والأكمل والأحسن أن الإنسان يتجه إلى جهة القبلة عند ذكر الله جل وعلا، وعند الدعاء، وعند قراءة القرآن. ويسند لذلك ما جاء عند الطبراني كذلك في الأوسط أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالت القبلة». والحديث حسن العلامة الألباني رحمه الله. إذن هذا الحديث يدل على استحباب استقبال القبلة عند الجلوس، وإذا كان ذلك ذكر الله فهذا من باب أولى وأحرى أن يستقبل القارئ والذاكر القبلة عند ذكره لله سبحانه وتعالى. قال: «وَأُحِبُّ لِمَنْ تَلَى الْقُرْآنَ أَنْ يَقْرَأَ بِحُزْنٍ وَيَبْكِي إِنْ قَدِرَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ تَبَاكَى». البكاء عند قراءة القرآن يكون على قسمين كما ذكر ابن قيم رحمه الله: القسم الأول يكون خوفًا وخشية، يكون من خوف الله وخشيته سبحانه وتعالى، عندما تذكر آيات الوعيد والعذاب والعقاب، وكذلك أيضًا آيات التي فيها تعظيم الخالق سبحانه وتعالى. والقسم الثاني يكون حبًا وشوقًا، يكون حبًا وشوقًا، كما إذا ذكرت آيات النعيم -نعيم الجنة- ونحو ذلك، فيبكي شوقًا لهذا النعيم ومحبة لرضاء الله سبحانه وتعالى. فيقول: يعني ينبغي للقارئ أن يكون عنده الخشية عند قراءته والبكاء. والبكاء عند تلاوة القرآن فيحرص على أن يحرك قلبه، لا يجعل التلاوة بلسانه من غير ارتباط القلب باللسان، بل يحرص أن يكون لهذا القرآن أثر في قلبه، وتتحرك المشاعر عند سماع أو تلاوة الآيات التي فيها الوعيد والعذاب، فيحصل الخوف والبكاء. وهكذا إذا تلا الآيات التي فيها الشوق واللقاء -لقاء الله سبحانه وتعالى- والفوز بنعيمه، فيبكي شوقًا ومحبة. ويحصل بذلك انتفاع القلب بسماع القرآن وتلاوته. وقوله: يعني يحب أن يقرأ بحزن ويبكي، قد جاء في ذلك حديث: «إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا». هذا الحديث أخرجه ابن ماجة، وهو ضعيف، ضعفه العلامة الألباني رحمه الله، لكن آخره صحيح: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا»، هذا ثابت من طرق أخرى. قال: «وأحب له أن يتفكر في قراءته ويتدبر ما يتلو». وهذه الغاية التي لأجلها أنزل القرآن: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. فيحرص قارئ القرآن على التفكر والتدبر لآيات الله، فلا يجعل القراءة مجرد تلاوة على اللسان وقراءة للألفاظ من غير إحياء القلب بسماع القرآن وقراءته، بل يتفكر ويتدبر في آيات الوعيد فتعطيه خوفًا من الله جل وعلا، وكذلك بعدًا عن الوقوع في المعاصي والذنوب. كذلك آيات النعيم تعطيه دافعًا على الإقبال على الطاعة والاجتهاد في مرضاة الله سبحانه وتعالى. إذا مر بآيات فيها الأمثال يعتبر ويتدبر هذه الأمثال لتزيده إيمانًا وتعظيمًا لله سبحانه وتعالى. قال: «ويستعمل غض الطرف عما يلهي القلوب، وأن يترك كل شغل حتى ينقضي درسه، كان أحب إلي ليحضر فهمه ولا يشتغل بغير كلام مولاه». يقول: إذا قرأ القرآن لا يلتفت إلى شيء غير القرآن، ما ينظر في فلان وفلان من الناس، وينظر يمينًا وشمالًا، فلا يعتبر ولا يتدبر القرآن ولا ينتفع بذلك، بل يجعل إقباله كله على القرآن وعلى تلاوة القرآن. ولهذا قال بعض أهل العلم: إن قراءة القرآن من المصحف أفضل؛ لأنه يحصل به حصول التدبر وعدم الانشغال بشيء آخر، فهو منشغل بالقراءة بلسانه، وهكذا أيضًا نظره منكب على المصحف، النظر إلى الآيات فيحصل بذلك التدبر لقراءة القرآن. ويترك كل شغل، يعني لا يشتغل بشيء في أثناء قراءته للقرآن، ومن ذلك اللعب بالجوال، بعضهم يقرأ ويقلب الجوال بيده، هذا من شغل بغير القرآن، هذا يشغله عن تلاوة القرآن وتدبره. فهذا أفضل أن يترك ذلك حتى يصير كل إقباله على كتاب الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.