الدرس في شرح العقيدة الواسطية 34، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتضمن إثبات صفة الكلام لله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وتوضيح عقيدة أهل السنة والفرق بين الكلام القديم والحدث الآحاد. يوضح أن الكلام صفة ذاتية فعلية قديمة النوع.
يشرح أنواع كلام الله ويستدل بالآيات القرآنية على إثبات صفة الكلام لله، مثل تكليم الله لموسى ونداء الأنبياء والأمم، مما يدل على أن الله يتكلم حقيقة.
يتناول آراء المبتدعة في صفة كلام الله، مثل الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة، ويوضح الفرق الإسلامية الرئيسية التي خالفت أهل السنة في هذه العقيدة.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، في الدرس الأخير الوسطي، إخواني في الله، كان الحديث عن إثبات صفة الكلام لله جل في علاه، وذكرنا قواعد مهمة في هذه الصفة من الصفات العظيمة الثابتة لله. ومنها أن صفة الكلام ثابتة لله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فالعقل السليم يدل على أن الكلام صفة كمال مطلقاً، إذا كان هذا في المخلوق من باب أولى في الخالق جل في علاه. وذكرنا كذلك أن من عقيدة أهل السنة في صفة الكلام لله بأنه يثبتونه إثباتاً يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ثم ذكرنا ثالثاً أن صفة الكلام من الصفات التي اضطرب فيها أهل القبلة من الفرق والجماعات اختلافاً واضطراباً شديداً، حتى من خلاله ظهر اسم علم الكلام وظهر ما تسمى بفرق أهل الكلام. فبعض العلماء يخرج هذه الألقاب إنما خرجت من مسألة صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، شدة الاضطراب بين الفرق فيما بينها وبين أهل السنة مع غيرهم. كذلك مما ذكرنا من عبارات السلف رحمه الله تعالى من أن الكلام صفة ثابتة لله قديم النوع حادث الآحاد. وأشرنا إلى ما يتعلق بكونه قديم النوع، أي أنه ثابت لله منذ القدم منذ الأزل، وأنه كذلك حادث الآحاد أنه يتجدد، يتجدد، فالله سبحانه وتعالى يتكلم متى ما شاء. ثم تأتي على هذه المسألة مسألة هل صفة الكلام صفة ذاتية فعلية أم ماذا؟ الجواب إنها ذاتية فعلية، ذاتية باعتبار أن الله له القدرة على الكلام فهي ذاتية، وعلى أنها فعلية بأن الله تكلم ويتكلم وسيتكلم، فهي متعلقة بمشيئته جل فعلا. ثم كانت مسألة هل يعبر عن كلام الله بأنه بصوت وحرف؟ ذكرنا عبارات السلف رحمه الله تعالى أنه يعبر بهذا، وأن هذا هو الذي يدل عليه اللسان العربي أولا، فاللسان العربي يدل على أن الكلام لا يكون كلاما إلا بصوت وحرف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. القيل هو القول، وهو الكَمَالَمُ، ففي هاتين الآيتين أثبت الله لنفسه الحديث وأثبت لنفسه القول. وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، هذه الآية دلالتها واضحة أن الله سبحانه وتعالى أضاف القول إليه، فهو الذي قال: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ، جَلَّ فِي عُلاهُ، يَا عِيسَى، يَا عِيسَى، هذا سيكون يوم القيامة، إذن هذا حوار مستقبلي، هذا كلام مستقبلي سيكون يوم القيامة، هل وقع الآن؟ هو لم يقع، لكنه سيقع. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا. كلمة ربك كلمة نكرة أضيفت، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، كلمة أضيفت، وَالنكرة إذا أضيفت فإنها تفيد العموم، فالمعنى وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ. قال العلماء: كلمات الله على قسمين، كلمات الله الكونية وكلمات الله الشرعية. أما كلمات الله الكونية، الذي بها يكون تسخير السماوات والأرض وما يجعله الله في كونه، إنما أمره إذا أراد شيئا وقال له: كُنْ، فكل شيء أوجده الله جل وعلا في هذا الكون إنما بقول، بكلمة، وهي: كُنْ، فلما قال: كُنْ، كان، أي حصل وحدث. وتسمى كلمات الله الكونية، والثاني النوع الثاني من كلمات الله وهي الكلمات الشرعية، وهي التي أنزلها الله جل وعلا في كتبه، وما أوحى به إلى أنبيائه ورسله. هذه كلمات الله الشرعية، ما كان في القرآن، كلمات الله الشرعية، ما كان في الإنجيل، ما كان في التوراة، ما كان في الزبور، ما كان في الصحف، وما كان في كل كتاب. فكلامه سبحانه وتعالى فدلت هذه الآية على أن الله يتكلم، وأن من كلمات الله ما يكون من كلامه الكوني، وما يكون من كلامه الشرعي. وتمت كلمة ربك، ففيه أضيف الكلام إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. وهذه كذلك هذه الآية من إضافة فعل الكلام إلى الله، فسبحانه المتكلم، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، فموسى هو الذي سمع الكلام، والله عز وجل هو الذي تكلم. وَمِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ. في هذه الآية كذلك إثبات إضافة الكلام إلى الله، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، فأضاف الله الكلام إلى نفسه، ولفظ الجلال مرفوع على الفاعلية، فهو سبحانه القائم بالكلام، كلم أنبياءه وكلم رسله. وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ. كذلك في هذه الآية في إثبات لصفة الكلام لله، كلمه ربه، من الذي قام بالكلام؟ هو الله سبحانه وتعالى، فالله تكلم حقيقة، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا. النداء نوع من أنواع الكلام، وهنا أضاف الله جل وعلا النداء إليه، وَنَادَيْنَاهُ، من الذي قام بالمناداة؟ هو الله، وَنَادَيْنَاهُ سبحانه وتعالى، فالضمير مضاف إلى رب العزة والجلال. وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. والشاهد من هذه الآية كما مضى: نَادَى رَبُّكَ، فيه النداء، أضيف إلى الله جل وعلا، إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى. وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ. وهذه الآية كذلك من الآيات السابقة تدل على إثبات الكلام لله جل وعلا، بذكر صيغة النداء، وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا، فالنداء مضاف لله. وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ. والنداء يعود إلى الله سبحانه وتعالى، حين يحاسب الأمم، وفيه إثبات صفة الكلام من جهتين: من جهتي يُنَادِيهِمْ، ومن جهتي فَيَقُولُ، إثبات النداء وإثبات القول، وكل ذلك مضاف إلى الله سبحانه وتعالى. فهذه الآيات التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في إثبات صفة الكلام، نأتي الآن، إخواني في الله، إلى مسألة وهي نختصرها ونختزلها. علمنا الآن ما هو معتقد أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الكلام لله. أن الله سبحانه وتعالى تكلم بكلام حقيقي جل في علاء، يليق بجلاله وعظمته، وأن كلام الله سبحانه وتعالى صفة كمال له، فهو يتحدث ويقول ويتكلم، ونادى وناجى جل في علاء، وأن كلامه قديم النوع حادث الآحاد، صفة ذاتية، صفة فعلية في نفس الوقت، باعتبار وباعتبار. نأتي الآن إلى أقوال المخالفين، المبتدعة نازعوا في ذلك، المبتدع نازع في إثبات صفة الكلام، لا يكاد أحد من المبتدعة وافق أهل السنة على هذه المسألة، وهم تفاوتوا فيما بينهم. مثل اختلاف من مذاهب الفرق الضالة، ما ذهبت إليه الجهمية من أنهم سلبوا عن الله صفة الكلام، فالجهمية يرون أن الله لا يتكلم ولا يوصف بصفة الكلام، وأنه ليس بذي كلام. فإن نوقشوا: طيب ماذا تقولون في هذه الآيات والتي ملئت بالقرآن؟ قالوا: الكلام يحمل هنا على أن الله خالق الكلام، خالق الكلام، فالله ما تكلم، وإنما هو خلق من خلق الله، خلق مخلوق اسمه كلام، مخلوق اسمه كلام الله. المذهب الثاني: مذهب المعتزلة، وهم الذين يقولون بقول الجهمية، يقولون بقول الجهمية بأن الكلام بمعنى أن الله خالق الكلام، هذا معنى أن الله متكلم، أو أن الله تكلم بمعنى أن الله خلق الكلام، هذا معنى المعتزلة. لكن ما الفرق بينه وبين الجهمية؟ الفرق بينه وبين الجهمية أنهم يجعلون للكلام محل، المعتزلة يجعلون لكلام الله محل، خلق فيه، خلق فيه، باعتبار المناسبات، باعتبار المناسبات. المذهب الثالث: مذهب الكلابية، وهذا الذي عليه الأشاعرة، بأن كلام الله معنى واحد، أن كلام الله معنى واحد، وهو كلام واحد، كلام الله واحد، إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالسريانية فهو الإنجيل، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو التوراة، هو كلامه واحد. وأعظم من ذلك مسألة أن كلام الله معنى، قبل أن يكون واحد، لكنه معنى، ما معنى؟ على أن كلام الله معنوي بين قوسين، نفسي، أي ما هناك كلام، ما هناك صوت، ما هناك حرف، ما هناك صوت ولا هناك حرف، فهو كلام معنى، كلام نفسي في صفة لله، لكنها قائمة بذات الله، قائمة بذات الله. ثم من مذاهب المبتدعة قول من يقول بأن كلام الله جل وعلا كقول الفلاسفة، بأن كلام الله هو الذي يفيضه الله، يفيضه الله من معاني الخير، يفيضه الله ما يفيضه الله من معاني الخير، كمعاني الحكمة، ما يفيضه الله على الغير، هذا كلامه، هذا قول طائفة من الفلاسفة، وقال به الغلاة من المتصوفة. ثم اختلفوا: إذا كان هذا الكلام الذي أفاضه الله، إذا كان أفاضه إلى العقول، ما يسمى بالعقل الفعال، فهذا هو كلام الله عند الفلاسفة. وأما إن كان هذا الكلام الذي أفاضه الله على قلوب بعض الرجال، فهذا هو كلام الله عند المتصوفة. فهذه مذاهب كثيرة جدا، عشرات المذاهب، والحلولية والاتحادية لهم كلام في كلام الله وتفسيره. لكن الذي يهمنا في هذا الباب الاهتمام بفرقتين اثنتين: المعتزلة والأشاعرة، هؤلاء من أعظم الفرق التي ناطحت أهل السنة، المعتزلة هي الحرب الضروس التي أقيمت مع الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.