الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول هذا المحور اتفاق الرسل على دعوة التوحيد، وآداب الدعوة من تنويع الترغيب والترهيب، والرد على شبه المشركين كاتهام أتباع الحق بأنهم أراذل وبادروا الرأي. كما يبرز فضيلة الأنبياء في الجمع بين العبادة القاصرة ك الصلاة والصيام، والمتعدية ك الدعوة والجهاد، مستدلاً بسورة المزمل على تقديم القاصرة لتثبيت الداعية.
يؤكد المحور ضرورة إخلاص الداعية بجمع العبادات القاصرة والمتعدية، وعدم طلب الأجر من الناس اقتداءً بالرسل الكرام. كما يحذر من ازدراء المؤمنين والتألي على الله، مبيناً أهمية الاستعانة بالله وذكره في جميع الأحوال، والدعاء بالبركة في المنازل والأسفار.
يستعرض المحور فضائل الأذكار النبوية في السفر والإقامة، وأن ذكر الله سبب للقوة والنشاط كما ورد في حديث فاطمة وحديث عقد الشيطان. ويوضح أن تقوى الله سبب لنيل خيري الدنيا والآخرة مستدلاً بقصة نوح، مبيناً أن العقوبات العامة قد تعم الصالح والطالح إذا كثر الفساد، رافداً الإسرائيليات التي تزعم تعقيم الأرحام قبل هلاك قوم نوح.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فأخذنا في الدرس الماضي فائدتين من الفوائد التي ذكرها المؤلف رحمه الله مما يستفاد من قصة نبي الله نوح عليه السلام. فذكر الأولى: ما هي؟ نعم، نعم: أن جميع الرسل من نوح إلى نبينا محمد متفقون على الدعوة إلى ماذا؟ لا، التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك. ثم ذكر فائدة تتعلق بآداب الدعوة وتمامها، فذكر من آداب الدعوة... نعم، عند من؟ عند من؟ أن تطالب علم... مهي... مهي... أغلق... أغلق. فذكر... قلنا: بعضًا من آداب الدعاة والدعوة إلى الله، وأنتم معاشر طلبة العلم مهيأون للقيام بهذه الوظيفة العظيمة، وظيفة الرسل. فما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الداعية مما يستفاد من هذا... من هذه القصة؟ نعم، عند من؟ نعم، نعم: تنويع الترغيب والترهيب، والخطاب بالكلام الرقيق، وغير ذلك مما كان عليه نبي الله نوح عليه السلام. بل وذكرنا فائدة ثالثة من الفوائد المستفادة من هذه القصة، فما هي هذه الفائدة الثالثة؟ أن... نعم، عند من؟ من يقول: أنا؟ من يقول: أنا؟ قصة نبي الله نوح نقرؤها كثيرًا في القرآن، وجاءت في مواضع عدة من القرآن: جاءت في سورة هود، وجاءت في سورة... نوح، وجاءت في سورة... ها، في عدة سور من القرآن. فعندما تقرأها تستفيد من هذه القصة هذه الفوائد والعبر، فمنها ذكر فائدة طيبة... نعم، من يذكر؟ نعم... ها، يعني: أن الشبه التي يذكرونها هي رد عليهم... ها، هي رد ماذا عليهم؟ فهي من الأدلة على إبطال قولهم. وما هي الشبه التي وضعها المكذبون والتي عارضوا بها نبي الله؟ عارضوا بها نبي الله نوح، ما هي هذه الشبه؟ نعم، عند من؟ نعم: ﴿وَمَا اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾، وماذا أرادوا بأراذلنا؟ أرادوا ماذا؟ نعم: الفقر، أو كذلك أراذلنا في السؤدد والشرف ونحو ذلك. فهل هذه حجة يرد بها الحق؟ كون صاحب الحق فقيرًا أو ليس بذي نسب، هذا لا... لا... لا يعني يأخذ منها رد الحق، فالحق يؤخذ ممن جاء به، ولو كان أقل الناس مالًا أو أقل الناس جاهًا ومنزلة ونحو ذلك. ومن شبههم أيضًا: ومن شبههم ماذا قالوا لنوح؟ ماذا قالوا له؟ عند من... آه، فضل... آه، نعم: أنه كذاب. ومع هذا، هل عرفوا أو هل أثر عليه كذبًا قبل أن يبعثه الله؟ أبدًا، فهو صادق وأمين ومعروف لديهم. وأيضًا من هذه الشبه التي عارض بها المشركون نبي الله نوح: نعم، أنه بشر. وكيف يرد على هذا؟ أن الحق يؤخذ ممن جاء به، وكون الرسول الذي بعث إليهم منهم فهذا أفضل في... أفضل في ماذا؟ الآن أنا أسأل وأجيب، أنتم تجيبون: كونه من البشر هذا أبلغ في التأثير، وأفضل من أي جهة؟ من أي جهة؟ من جهة ماذا؟ من جهة ماذا أفضل؟ لما بعث إليهم رسول منهم ومن أصلهم بشر، هذا أبلغ في التبليغ، وأفضل في... في الاقتداء. نعم، فهو مثلهم: يشرب كما يشربون، وينام كما ينامون، ويمشي في الأسواق كما يمشون، فهذا أبلغ في الاقتداء وفي الأخذ، وهم يأخذون عنه بالقول والفعل، بالقول والفعل. وذكروا أيضًا أنهم بادي الرأي، ما معنى بادي الرأي؟ ما معنى بادي الرأي؟ بادي الرأي... ما معنى بادي الرأي؟ تقرؤونها في هذه القصة... نعم، نعم: يعني ليسوا بأهل مشورة، ما شاوروا غيرهم، ما شاورون. ويرد عليهم بماذا؟ هذا شيء مردود عليهم، بل يدل على بطلان ما قالوا. فماذا يرد عليهم؟ أن المشاورة تكون في ماذا؟ لو عزمت على الزواج تيسرت لك هذه الأمور، هل تشاور؟ تقول: فلان، واش رايك، نزوج وما نزوج؟ لا، ما يحتاج هذا مشاورة، ما يحتاج مشاورة، خلاص. هذا شيء مما تتوق إليه النفس، ومما كذلك حث عليه الشرع. فالحق والأخذ بالحق الواضح البين ما يحتاج إلى مشاورة، إنما المشاورة تكون في الأمر الخفي، أو الأمر الذي اضطرب فيه صاحبه، فما يدري: أخير له هذا الأمر أو الشر؟ فهو يستعين برأي غيره، يستعين برأي غيره. فالمهم أن كل هذه في الحقيقة ترد عليهم. ثم قال -وهو أي المؤلف، وهو يبين الفوائد المستنبطة من هذه القصة-: ومنها أن من فضائل الأنبياء وأدلة رسالتهم إخلاصهم التام لله تعالى في عبوديتهم لله القاصرة، وفي عبوديتهم المتعدية لنفع الخلق كالدعوة والتعليم وتوابع ذلك. ويريد بذلك أن الأنبياء امتثلوا أمر الله وأخلصوا لله عز وجل فيما كلفهم به، فقاموا بعبادة الله عز وجل حق قيام العبادة القاصرة والعبادة المتعدية. العبادة القاصرة التي يعود نفعها على العابد وحده كصلاة وقراءة القرآن، وكذلك الصيام، العبادات التي تزكي نفسه ويستفيد منها دون أن يستفيد منها غيره، هذه تسمى العبادات القاصرة. وهناك عبادات متعدية تنفع العابد وتنفع غيره، وذلك مثل الدعوة إلى الله، الدعوة إلى الله عز وجل، هذا نفعها قاصر ومتعدٍ: قاصر على الداعية، ومتعدٍ لغيره في نفع الناس. ومثل الصدقة، ومثل الجهاد في سبيل الله، ومثل كذلك الصدقات الجارية، كل هذه من الأعمال المتعدية. فالداعي إلى الله عز وجل لا يستغني عن العبادتين: العبادة القاصرة والعبادة المتعدية، لأن بالعبادة القاصرة يستطيع بإذن الله أن يوفق إلى العبادة المتعدية. فإذا اعتنى الداعي إلى الله عز وجل بتزكية نفسه، وبالتعبد لربه، وبالخضوع والخشوع والذل والدعاء ونحو ذلك من العبادات القاصرة، فهذه سبب في توفيقه وفي نجاحه في العبادات المتعدية. ولذلك في أول سورة المزمل أمر الله عز وجل نبيه أولاً بالعبادات القاصرة، ثم بعد ذلك أمره بالعبادات المتعدية. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، هذه عبادة قاصرة. ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، كل هذا من العبادات... ماذا؟ القاصرة. ثم قال له ربه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، أي: هذا الوحي وهذه الرسالة تحملها ثم تبلغها، فهذه عبادة متعدية، فلا يقوم بها إلا من كان عنده حظ وافر من العبادات القاصرة التي تثبته، والتي كذلك توفقه وتعينه على القيام بتلك العبادات المتعدية. فهذا معنى قول المؤلف رحمه الله تعالى: فمن دلائل إخلاص العبد أن يجمع بين العبادتين، ولا يقتصر على عبادة دون أخرى، فيجمع بين العبادة القاصرة وبين العبادة المتعدية. ولذلك ينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يكون عنده قصط كبير من العبادات القاصرة كقيام الليل، وصيام ما تيسر له من صيام النافلة، وكذلك قراءة القرآن، لا يفرط في ذلك، فيبني نفسه ويهذب نفسه، فهذه العبادات القاصرة تعينه بإذن الله عز وجل على القيام بالدعوة إلى الله التي هي من العبادات المتعدية. قال: ولذلك يبدون ذلك ويعيدونه على أسماع قومهم، كل منهم يقول: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، أي: أنني أدعو إلى الله وحده، وهذا فيه دليل الإخلاص، فلا أريد منكم مالًا، ولا أريد منكم شيئًا من حظوظ هذه الدنيا، لا مدحًا، ولا ثناءً، ولا منصبًا، ولا شيئًا من ذلك، وإنما أدعو لله. وهذه من صفات الدعاة إلى الله، فإن مؤمن آل ياسين لما دعا قومه إلى اتباع الرسل قال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، فمن علامة الداعي إلى الله عز وجل الصادق هو الذي لا يطلب ولا يرغب فيما بأيدي الناس، وإنما يطلب ويرغب فيما عند الله سبحانه وتعالى. فليكن الداعي إلى الله عز وجل مخلصًا في دعوته، وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، أدعو إلى الله، لا إلى شيء آخر، وإنما إلى الله عز وجل. ففي هذا الإخلاص لله عز وجل في الدعوة إلى الله. قال: ولهذا كان من أجل الفضائل لأتباع الرسل أن يكونوا مقتدين بالرسل في هذه الفضيلة. ومن هم أتباع الرسل؟ من يدعو بدعوة الرسل، يدعو إلى التوحيد. أنت أيها الداعية، عندما تدعو الناس إلى توحيد الله، فأنت مقتدٍ في ذلك بأنبياء الله ورسله الذين دعوا أقوامهم إلى التوحيد. قد يقول قائل: أنا في بلد مسلم، فكيف أدعو إلى التوحيد؟ يقال: نعم، أنت في بلد مسلم، لكن هل المسلمون فهموا التوحيد؟ هل كل من ادعى الإسلام فهو على التوحيد؟ ألا ترى أن بعض من هو بين أيدينا وممن يدعي الإسلام يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، ويذبح لغير الله، وينذر لغير الله؟ فهل هذا من الإسلام؟ بل هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى. فلما تدعو إلى التوحيد فأنت مقتدٍ بنبيك وبالأنبياء ممن قبله ممن دعوا إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، فيكون الداعي إلى الله عز وجل مقتدٍ بهؤلاء الأنبياء، أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده. قال: ولهذا كان من أجل الفضائل لأتباع الرسل أن يكونوا مقتدين بالرسل في هذه الفضيلة، والله تعالى يجعل لهم من فضله من رفعة الدنيا والآخرة، وأعظم مما يتنافس فيه طلاب الدنيا. أي: يدعو المؤلف الدعاة إلى الله عز وجل، أتباع الرسل، إلى الإخلاص، وأن لا ينظروا إلى ما في أيدي الناس، وأن لا يطلبوا بدعوتهم جزاءً ولا شكورًا. قال: ومنها -أي من هذه الفوائد المستنبطة من قصة نبي الله نوح-: أن القدح في نيات المؤمنين، وفي من من الله عليهم به من الفضائل، والتألي على الله أنه لا يؤتيهم من فضله، من مواريث أعداء الرسل. أي: أن قوم نوح المكذبين له ماذا قالوا؟ قالوا: لا يؤتي أتباعه... أي: أن الله عز وجل لا يؤتي أتباعه خيرًا. نعم، لا يؤتيهم خيرًا. فرد عليهم الرسل أو نوح عليه السلام بقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾. فالازدراء بالمؤمنين، والتألي على الله... التألي هو القسم بأن الله عز وجل لا يرحم فلانًا، أو لا يغفر لفلان، أو لا يقبل من فلان، هذا تألي على الله سبحانه وتعالى. وهذا ما فعله قوم نوح المعارضون له، المعارضون له. فهذه يعني هذا أمر عليه أعداء الرسل وأتباع الرسل. نعم، فتجدهم يلمزون ويستهزئون ويزدرون بأتباع الرسل، ربما يقولون: هؤلاء كذابون، هؤلاء لا... يعني يقبل الله منهم، أو هؤلاء لا يثيبهم، لا يثيبهم ولا كذا وكذا، تألي على الله سبحانه وتعالى. وإنما أخذوا ذلك من ماذا؟ ممن هم على شاكلتهم ممن قبلهم. قال: وقال نوح لقومه حين تألوا على الله وتوسلوا في ذم المؤمنين به بذلك، فقال: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾، الله أعلم بما في أنفسهم، أمر الإثابة والقبول ونحو ذلك، هذا مرده إلى الله، لا يستطيع أحد أن يحجر رحمة الله، وأن يحجر مغفرة الله سبحانه وتعالى. قال: ومنها -أي من هذه الفوائد-: أنه ينبغي الاستعانة بالله، وأن يذكر اسمه عند الركوب والنزول، وفي جميع التقلبات والحركات، وحمد الله والإكثار من ذكره عند النعم، لا سيما النجاح من الكربات والمشقات، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فالداعي إلى الله عز وجل يكون دائمًا متعلقًا بالله، مستعينًا به، ليعلم أنه لا ينجح في دعوته إلا بتوفيق من الله وإعانة منه سبحانه وتعالى، فيذكر الله عز وجل بلسانه وقلبه. فهذا نبي الله نوح عليه السلام لما ركب في السفينة ذكر اسم الله، فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، أي: في وقت جريها، وفي وقت إرسائها ووقوفها، ففي كل هذه الأحيان يسمي الله. فالتسمية تكون في ابتداء كل الأعمال، ولذلك جاء في السنة أن المسلم يسمي الله عز وجل عند أكله، وعند شربه، وعند دخوله، وعند خروجه، وعند جماعه، وعند كذلك نزوله وركوبه ونحو ذلك. فينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يعلق قلبه بالله عز وجل، وأن يستعين به، وأن يحمد الله عز وجل على نعمه الكثيرة العظيمة، ومن ذلك فتح قلوب الناس له، ومن ذلك أيضًا النصر من الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك أيضًا تيسير أموره وفك كرباته ونحو ذلك من الأمور التي بها يسعد الإنسان في دينه ودنياه. قال: وأنه ينبغي أيضًا الدعاء بالبركة في نزول المنازل العارضة كالمحلات في إقامات السفر وغيره، والمنزل المستقر كالمساكن والدور، لقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. وقد جاء من الأذكار النبوية ما فيه هذا المعنى، فعند السفر جاءت الأحاديث الكثيرة في دعاء الركوب، وفي دعاء كذلك النزول، وفي دعاء الله عز وجل في جميع الأحيان والأحوال. فهذا من البركة التي يعطاها العبد عند دعائه في سفر. بل إن من مواطن استجابة الدعاء عندما يكون الداعي مسافرًا، عندما يكون الداعي مسافرًا، فإن السفر من أسباب... أو من مواضع ومواطن استجابة الدعاء. فيكثر المسافر أو النازل أو كذلك في المساكن المستقرة، يريد: المساكن في مكان الإقامة، في مكان الإقامة، وكذلك الدور، أي: في البيوت ونحو ذلك. قال: وفي ذلك كله من استصحاب ذكر الله، ومن القوة على الحركات والسكنات، لأن الذكر من أعظم أسباب النشاط والقوة. ذكر الله عز وجل من أعظم أسباب النشاط والقوة، كما جاء في حديث فاطمة رضي الله تعالى عنها، لما طلبت خادمًا من النبي صلى الله عليه وسلم عندما شكت له كثرة عمل البيت، فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هو أفضل وأعظم من خادم، فعلمها ذكرًا عظيمًا تقوله قبل النوم، وهو: أن تسبح ثلاثًا وثلاثين، وأن تحمد ثلاثًا وثلاثين، وأن تكبر أربعًا وثلاثين. فاستدل العلماء بهذا الحديث أن هذا الذكر من أسباب القوة والنشاط، من أسباب القوة والنشاط، لأن فاطمة رضي الله تعالى عنها طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم خادمًا يعينها على مشقة العمل، فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الذكر. وهكذا مما يدل على هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يعقد على قافية أحدكم إذا نام ثلاث عقد، فيضرب عليها ويقول: نم، فإن عليك ليلًا طويلًا. فإذا قام فذكر الله انحلت عقدة، ثم إذا توضأ انحلت العقدة الثانية، ثم إذا صلى انحلت العقد الثلاث، فأصبح نشيطًا طيب النفس». انظر: أصبح نشيطًا طيب النفس. وإلا إذا لم يذكر الله، إذا لم يذكر الله ولم يتوضأ ولم يصل، فإنه يصبح كسلان خبيث النفس، كسلان. يصبح كسلان خبيث النفس. فانظروا إلى أثر الذكر والدعاء في النشاط وذهاب الكسل. فاستعن أخي المسلم على قضاء حوائجك الدينية والدنيوية بذكر الله سبحانه وتعالى وبالدعاء. قال: ومن قوة الثقة بالله، ومن نزول بركة الله التي خير ما صحبة العبد في أحواله كلها، ما يغني للعبد عنه طرفة عين: التوفيق من الله، وكذلك الإعانة من الله، فاطلبها منه سبحانه وتعالى، وعلق قلبك به عز وجل. قال: ومنها: أن تقوى الله والقيام بواجبات الإيمان من جملة الأسباب التي تنال بها الدنيا، وكثرة الأولاد والرزق، وقوة الأبدان، وإن كان لذلك أيضًا أسباب أخر، وهي السبب الوحيد الذي ليس هناك سبب سواه في نيل خير الآخرة والسلام من عقابها. هذا أخذه المؤلف من قول نوح عليه السلام لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. وأيضًا من قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فمن اتقى الله عز وجل، وتقوى الله هي العمل بالمأمور وترك المحظور، فمن كان من أهل التقوى، وفقه الله عز وجل، فنال بهذه التقوى خيري الدنيا والآخرة. فعليك بتقوى الله أخي المسلم، ثم انظر إلى البركات التي تصلك من رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: ومنها: أن النجاة من العقوبات العامة الدنيوية هي للمؤمنين، وهم الرسل وأتباعهم، وأما العقوبات الدنيوية العامة فإنها تختص بالمجرمين، لأن الله عز وجل نجَّى أهل الإيمان، نجَّى نوحًا ومن آمن معه، وأما عقوبته سبحانه وتعالى فأنزلها على الكافرين. فلذلك قال: وأما العقوبات الدنيوية العامة فإنها تختص بالمجرمين، ويتبعهم توابعهم من ذرية وحيوان، يعني: من الأطفال، ومن كذلك الحيوان ونحو ذلك، وإن لم يكن لها ذنوب، لأن الوقائع التي أوقع الله بأصناف المكذبين شملت الأطفال والبهائم. لأن نوحًا أمره الله عز وجل أن يركب معه من الحيوان في السفينة، من كل زوج اثنين فقط، من كل زوج اثنين، فما مصير بقية الحيوانات؟ هلكت مع من هلك من المكذبين، من المكذبين، وكذلك الأطفال الذين معهم، فكذلك هلكوا معهم. أما مصيرهم فهذا أمره إلى الله يوم القيامة، أي: الأطفال، الأطفال مصيرهم إلى الله عز وجل. قال: وأما ما يذكر في بعض الإسرائيليات أن قوم نوح أو غيرهم لما أراد الله إهلاكهم أعقم الأرحام، يعني: جعل النساء لا تلد، جعل النساء لا تلد، فما نزلت العقوبة إلا على البالغين، على الكبار البالغين، ولا يوجد أطفال، لأن الله عز وجل أوقف النسل. هذا يذكره بعض المفسرين، وهو من الإسرائيليات، فهذا لا مستند له، كما ذكر المؤلف. قال: وأما ما يذكر في بعض الإسرائيليات أن قوم نوح أو غيرهم لما أراد الله إهلاكهم أعقم الأرحام، حتى لا يتبعهم في العقوبة أطفالهم، حتى لا يتبعهم في العقوبة أطفالهم، فهذا ليس له أصل، وهو مخالف للأمر المعلوم، وذلك مصداق لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. بل العقوبة ربما تعم الصالح وغيره، تعم الطالح الفاسد وغيره، تعم الصالح وكذلك الطالح، إذا كثر الخبث، ثم يبعثون على نياتهم، كما جاء في حديث عائشة: يغزو جيش الكعبة فيخسف بأولهم وآخرهم، فقالت عائشة: يا رسول الله، فيهم من ليس منهم، فيهم من ليس منهم، وفيهم أسواقهم، كيف كلهم يهلكون؟ فقال: «يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم». فالعمومة... فالعقوبة عمت، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، وكما جاء في حديث زينب بنت جحش، لما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وهو فزع، وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب». قالت زينب رضي الله عنها: يا رسول الله، نهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث». إذا كثر الخبث، فالعقوبة تعم، العقوبة تعم. فالصحيح أن قوم نوح هلكوا هم وحيواناتهم، وكذلك أطفالهم، وأطفالهم. وما يذكره بعض المفسرين من هذه الإسرائيليات، فلا أساس لها من الصحة، وليس عليها دليل، لا من القرآن ولا من السنة. وبهذا نكون قد انتهينا من قصة نبي الله نوح، وما ذكره المؤلف من الفوائد المستنبطة من هذه القصة. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.