الدرس في شرح كتاب التوحيد 45، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع ببيان إنكار حذيفة رضي الله عنه لفعل رجل يلبس خيطا لدفع الحمى، ويشرح أن هذا الفعل يعتبر من الشرك واستدل بقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. يُبين أن تعليق الخيوط والحبال ليس سببا شرعيا أو كونيا مقبولا.
يناقش المقطع مفهوم إنكار المنكر وتغييره على قدر الاستطاعة، ويشرح دلالة فعل حذيفة في قطع الخيط، ويبين أن هذا الفعل يعد من إنكار المنكر.
يشرح المقطع كيف يمكن استخدام الآيات القرآنية التي نزلت في الكفار للاستدلال على أفعال المسلمين إذا وجدت صفة مشتركة، مستشهدا بفعل حذيفة واستخدام آية في حق علي بن أبي طالب.
يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولابن أبي حاتم عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى، فقطعه وتلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. هذا الحديث أورده المؤلف رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن هذا الباب في باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء أو رفعه، وختم رحمه الله تعالى هذا الباب بهذا الأثر، وهو أثر الموقوف من قول حذيفة رضي الله تعالى عنه. هذا الأثر، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، رواه ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى في تفسيره، إلا أن جماعة من أهل العلم أعل هذا الحديث، فالحديث وإن كان رجاله ثقات، إلا أن الراوي عن حذيفة لم يسمع منه، وهو عروة بن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعي، لم يدرك حذيفة، فأعل الحديث بالانقطاع. إلا أن جماعة من أهل العلم وجدوا لهذا الحديث شواهد، فهو عندهم ينتهض للحجية، والحديث بمعناه صحيح. وفي قول هذا الأثر المروي عن حذيفة: أنه رأى رجلاً، جاء في بعض الروايات أن حذيفة دخل على مريض يزوره، فإذا بحذيفة يلتمس أثر المريض لكي يطمئن على صحته، فوقعت يده على شيء من جسد المريض، فكشفه، فإذا به يرى الخيط، يرى هذا الخيط قد عقد في جسد هذا المريض. قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: رأى رجلاً في يده خيط من الحمى، فقطعه، وتلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. وهذا إقرار من حذيفة أن هذا الفعل من الشرك، أن هذا الفعل من الشرك. وقد ذكرنا أن الشرك قد يكون من الأكبر، وقد يكون من الأصغر، وإن كان أكثر من يصنع الخيوط يدخل في الشرك الأصغر، لكن لعموم الشرك استدل حذيفة رضي الله تعالى عنه بهذه الآية. ومعنى هذه الآية: وما يؤمن أكثرهم بالله، هذا في حال بيان الخلق، أكثر الخلق، أكثر الأمم يؤمنون ويقرون بأن الله جل وعلا هو الخالق، بأن الله هو الرازق، هذا الإقرار منهم إيمان بالله، لكن ما الذي فعلوا بعد ذلك؟ هذا الإيمان لطخوه، تلطيخهم أنهم صرفوا الطاعات والعبادات ليس له، وإنما لغيره. يقرون بأن الله الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، بيده ملكوت السماوات والأرض، هذا إيمان وإقرار بالله، لكنهم في باب التعبد صرفوه للآلهة والعزة والأصنام والأوثان والأنداد، وكان هذا هو الشرك. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، هذا إخواني في الله معنى هذا الحديث الذي استدل به المؤلف رحمه الله تعالى. ومن هذا الحديث إخواني في الله فيه من الفوائد بيان ما كان من فعل السلف من شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا رأوا مخالفة. وأن إنكار المنكر، يا عبد الله، لا تظن أنها وظيفة وظف لها أناس أو ينتظر الإذن من جهات معنية، المنكر إذا رؤي وظهر ينكر من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، بلسانه، بقلبه، ينكر، فليست وظيفة الإنكار، عبد الله، مقيدة بشخص بعينه، وإنما هي على القدرة والاستطاعة. وهذا الذي فعل حذيفة رضي الله تعالى عنه، وكذلك في هذا الأثر فيه بيان على أن النهي عن لبس الخيوط كما فعل حذيفة رضي الله تعالى نهى عن ذلك، بل واستدل على أن هذا من الشرك. وقد مر معنا معنى القاعدة كرارا وتكرارا في هذا الباب: أنك يا عبد الله إذا أردت أن تتخذ سببا للوصول لأمر ما، للوصول إلى الشفاء، للوصول إلى العافية، للوصول إلى الصحة، فلابد أنك تنظر في هذا السبب، فإن كان سببا شرعيا فذاك، وإن كان سببا كونيا علم بالطب والتجربة فذاك. أما أنك تأتي إلى سبب لما دل عليه الشرع، ولا دل عليه العقل، كتعليق الخيوط والحبال والصدف والودع والمعادن والصفر إلى غير ذلك، هذا ليس ما دل عليه العقل، وما أذن به الشرع، فهذا يعد من الشرك. ولهذا استدل حذيفة رضي الله تعالى عنه بهذه الآية فيها لفظ الشرك: وهم مشركون، إذ أن هذا من الشرك إذا اتخذ ذلك سببا. وكذلك فيه بيان مدى تعلق الناس بهذه الخصلة. مر معنا في قول نبينا في حديث عقب بن عامر: لما أراد أن يبايع، فوجد رجلا علق تميمة، وفي حديث عمران بن حسين أن النبي وجد رجلا قد علق خيطا، وهذا حذيفة رأى رجلا علق خيطا، فكانت هذه المسألة هي الخيوط موجودة في تلك الأزمان، ولا زالت موجودة في هذه الأزمان. فتتابع الناس على هذه المسألة وعلى هذه الخصلة بالذات يدلك على مدى تعلق القلوب بغير الله، يدلك على مدى تعلق القلوب بغير الله عز وجل. وأن الإنسان ولو وجد أن هذا الأمر له انتشار لا يسكت، وإنما ينكر، ينكر المنكر. وكذلك في هذا الأثر أن حذيفة رضي الله تعالى عنه هو الذي قطع هذا الخيط، فهذا يحمل على من كانت عنده قدرة، من كانت عنده سلطة أو قوة على أن ينكر بيده، يفعل بحيث ما هناك فتنة من بعد فعله. مثل أن تدخل على قريبك وأنت مستولي عليه، على رحم من أرحامك، على أحد من أهلك، ورأيته قد علق هذا، وهو يهيبك، تقول: إيش هذا؟ تنزعه، تقل له: الله في نفسك، وتعلم أنه سيسكت، ولا تفعل هذا مرة أخرى، هذا تؤجر عليه. وسأت معنى ما يتعلم بفضيلة هذا الفعل بالذات: أنك تغير من عقائد المسلمين الفاسدة، فإذا استطعت أن تستولي على هذا بيدك فافعل، إذا خشيت من فتنة فلا، فلا تبادر إلى قطع الحبال من الناس، لربما هذا أودى إلى فتنة أعظم. الأصل بالقول، لكن اليد تفعلها فيما أنت مستولي عليه، عندك قدرة، ولا تخشى من ورائها فتنة. كذلك في هذا الحال أثر كذلك ما يدل على أن العبرة بعموم لفظ لا بخصوص السبب. فحذيفة رضي الله تعالى عنه استدل بهذه الآية، وهي وإن كانت نزلت في الكفار، نزلت في حق هذا الرجل المسلم، لماذا؟ لأن القاعدة في هذا الباب: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وليس هناك بأس يا عبد الله أن تستدل بالآيات، وإن كانت نازلة في غير أهل الإسلام، ثم تنزلها في المسلمين، لماذا؟ لوجود الصفة المشتركة، ليس الحكم، ليس الحكم، وإنما الصفة المشتركة، الصفة موجودة هنا وموجودة هنا، تستدل. هذا قد ورد عن نبينا، هذا قد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عندما دخل رسول الله على علي وعلى فاطمة، فقال: «ألا تصلون؟» وأراد بذلك قيام الليل، قال: «ألا تصلون؟» قال علي: وفي راوية قالت فاطمة: يا رسول الله، إن نفوسنا بيد الله، إن شاء بعثها، أي ما نقوم، لكن إذا الله عز وجل أيقظنا قمنا وصلينا. فلما رأى نبينا ذلك منهم خرج، وهو يضرب بيده على فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، هذا ثابت عن رسول الله، هذه الآية من المفسرين من يرى أنها نزلت في الكفار، كثرة الجدل، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا، ومع ذلك استخدمها نبينا في حق علي رضي الله تعالى عنه. لكن لماذا؟ لوجود الصفة، ليس الأمر بالحكم أن هذا كافر فذاك كافر، لا، هذا فعل الخوارج، انطلقوا إلى الآيات التي نزلت في الكفار، ورموها بأهل الإسلام، هذا في الحكم، ما تكلم في الحكم، نتكلم عن الوصف والصفة. فكان هذا من فعل الصحابة، وفعل السلف، أنهم يأتون إلى الآيات، وإن نزلت في الكفار، يطلقونها على أهل الإسلام، لوجود الصفة المشتركة، كما فعل حذيفة رضي الله تعالى عنه، قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، أي أنكم فعلتم كفعل الكفار. الكافر يقر بأن الله الخالق والرازق، لكن صرف العبادة لغير الله، واعتقد في غير الله، وأنت كذلك، ما الذي فعلت؟ تؤمن بالله جل وعلا نعم، مؤمن بالله، طب لماذا تعتقد الضر والنفع بغير الله؟ تعتقد بالحبال، تعتقد بالخيوط؟ فدل ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فهذا وقد دلت الأدلة الكثيرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم على هذا النوع من أنواع الاستدلال من عموم الآيات في الأشياء الخاصة. فهذا إخواني في الله ما يذكر من الفوائد المتعلقة بهذا الأثر، وذلك على فرض صحته، إذ أن جماعة من العلماء من قد أعلهم، ومنهم من يحسن لكثرة شواهد. وبهذا الأثر، ومنهم من يحسن لكثرة شواهد، الله تعالى هذا الباب، والذي ذكر فيه من الآيات والأحاديث الدالة على تحريم لبس الخيوط والحبال والأوتار والمعادن وغيرها، بقصد جلب النفع ودفع الضر، كما نرى في مثل هذه الأزمان. فصاحبها واقع لا محال بين أمرين: إما واقع في الشرك الأكبر إن ظن أن هذا المعقود ينفع ويضر من دون الله، أو يكون من الشرك الأصغر إن اتخذها سببا. وعلى كل حال يا عبد الله، وجب عليك أن تمتنع امتناعا باتا من الاعتقاد في هذه الأمور. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.