الدرس في شرح كتاب التوحيد 46، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول الفروق بين لبس الحلقة والخيط والرقى والتمائم، بينما يشرح المقطع الثاني باب الرقى والتمائم في كتاب التوحيد وعلاقته بالتوحيد. يُظهر أن هناك أحكامًا مختلفة لهذه الممارسات.
يشرح المقطع الثالث الرقى بأنواعها المشروعة والمحرمة، ويبين خطورتها في نشر الشرك وتأثيرها السلبي على التوحيد. يُوضح أن الرقى المشروعة ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
يُنهي المتحدث الدرس بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام، ويتمنى أن ينفع الله بما قيل في الدروس السابقة، ويشير إلى أن الدرس القادم سيتناول المعايير والضوابط المتعلقة بالرقية الشرعية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الرقى والتمائم. هذا تبويب جديد من المؤلف رحمه الله تعالى في تفصيله في مسائل التوحيد، وخاصة ما يضاده. وقد أشرنا إلى هذا الأسلوب من الأساليب العلمية في معرفة حقيقة الشيء، وذلك بمعرفة ضده. فقال: باب ما جاء في الرقى والتمائم. لكن يبقى سؤال، ومن كان متتبعًا لهذه السلسلة من الدروس قد يقول: أليس هناك تشابه بين هذا الباب وبين الذي قبله؟ الباب الذي مضى في قول المؤلف رحمه الله: باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما، وهنا قال: باب ما جاء في الرقى والتمائم، فهل هذا الباب هو نفسه؟ الجواب: لا، هنا يختلف الباب، بل هناك فوارق ذكرها العلماء بين هذا الباب: باب ما جاء في الرقى والتمائم، وبين ما مضى من باب لبس الحلقة والخيط. ومن الفروق بينهما من حيث الحكم، فإن أحكام لبس الحلقة والخيط لا يختلف فيه أحد من أهل العلم بتحريمه والنهي عنه، بخلاف ما سيأتي معنا في باب الرقى والتمائم، فإن له أحكامًا وله تفاصيل، له أحكام وله تفاصيل. فالأمر يختلف بين الخيط والحلق والحبال وبين الرقى والتمائم من هذا القصد. كذلك من الفوارق، قال علماء: أن الخيط ونحوه والحلق إنما هذا يلبسها الإنسان في نفسه، وأما ما يتعلق بالتمائم ونحوها، فهذه قد توضع في الإنسان، قد توضع في الحيوان، قد توضع في الديار، قد توضع في المركوبات والسيارات إلى غير ذلك، فهي تتعلق في أي شيء، بخلاف الحلق والخيط كما مرت معنا الآثار، فإن صاحبها يعلقها في نفسه. كذلك من الفوارق، كما يقول علماء: أن الحلق والخيط التي تلبس كما مضى، هذه لا تفتقر إلى قراءة، لا تفتقر إلى نفث، بخلاف التمائم والرقى، فإنها تفتقر إلى القراءة وإلى أدعية وإلى نفث وإلى قدر زائد، فحكمها أشد وأعظم من حكم الحلق ونحوها؛ لأن فيها تفاصيل. كذلك مما يذكره العلماء أن التعلق بالرقى والتمائم فيه نوع تعبد، فيه نوع تعبد، بخلاف الحلق والخيط ونحوها، ليس فيها تعبد، وإنما يأتي الإنسان بأي شيء، يأتي إلى قطعة نحاس، يأتي إلى خيط بالي، يأتي إلى وتر قديم، فيربطه في عضده، فليس هناك شبهة تعبد، بخلاف الرقى والتمائم، فإنها فيها شبهة التعبد والتدي. فهذه إخواني في الله من الفوارق بين هذا الباب: باب الرقى والتمائم، وما مضى من باب لبس الخيط والحلق ونحوها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الرقى والتمائم. تأمل يا عبد الله في التبويب هنا، قال: باب ما جاء. في الباب السابق قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من الشرك. هناك ذكر الشرك، وهنا ما ذكر شيئًا، لماذا فعل المؤلف ذلك؟ لأن الباب السابق صاحبه واقع في الشرك لا محالة، من لبس خيطًا أو حلقًا أو معدنًا، هذا واقع في الشرك إما الأكبر وإما الأصغر. لكن في هذا الباب في باب الرقى والتمائم ما حكم المؤلف عليه بالشرك، وإنما قال: باب ما جاء؛ لأن هنا المسائل تختلف، فإنك إذا جئت إلى باب الرقى تجد أن من الرقى ما هو ممنوع وما هو مشروع، وإذا جئت إلى باب التمائم فتجد أن من التمائم ما هو متفق على تحريمه، ومنه ما هو مختلف فيه، وقع الخلاف فيه بين أهل العلم، أيعد تميمة محرمة أم لا؟ ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى ما أطلق هنا الشرك؛ لأن أحيانًا التميمة لا تكون شركًا، وأحيانًا الرقى لا تعد شركًا، ولهذا كان من فقه المؤلف رحمه الله تعالى أنه ما صدر هذا الكتاب أو هذا الباب بحكم كما فعل في الباب السابق. في الباب السابق قال: من الشرك؛ لأن لبس الخيوط والحبال وهذه المعادن صاحبها واقع في الشرك، لكن في هذه المسألة بين أيدينا كما سيأتي معنا أحيانًا يكون صاحبها قد خرج من الشرك، وليس لهذا الباب علاقة بالشرك، وأحيانًا له تعلق بالشرك. فقال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الرقى والتمائم. نبدأ في قول المؤلف رحمه الله تعالى: الرقى. الرقى مأخوذ من القراءة، ومنهم من يقول: إن الرقى هو كل ما جمع قراءةً ونفثًا ومسحًا، جمع قراءة مع النفث مع مسح، هذه هي ضوابط الرقى. في قراءة مع إضافة إضافة نفث ومسح، ولهذا بعضهم يعبر يقول: حقيقة الرقية هي عبارة عن أدعية وألفاظ تتلى ثم ينفث منها، أدعية وأذكار تتلى ثم ينفث، يكون منك النفس هوى أو قليل من الريق يخرج معها، هذه حقيقة الرقى، وهذه تفعل لطلب العلاج والعافية، إما ما يعود نفعه على الأعضاء، وإما ما يعود أثره على الأرواح. إما أن يعود نفع الرقية على الأعضاء، كان يكون هناك عضو أصيب بآفة بمرض بعلة، فاحتاج صاحبه أن يداويه يداويه بالرقية، أو تكون الإصابة ليست في عضو وإنما في روحه، في شيء نفسي، هم وغم وضيق وحزن، فهنا يأتي بالرقية حتى يرفع عن نفسه هذا الذي أصابه والذي ابتلي به. وكانت العرب قديمًا تستخدم الرقية، بل تستخدمها كثيرًا، بل جاء في القرآن الإشارة إلى ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾، أي: هل من راق؟ هل من راق؟ لأن الرقية قد اشتهرت عندهم كثيرًا عند العرب. بقي مسألة، وهي قوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الرقى، ما علاقة الرقية إخواني في الله في باب التوحيد؟ المؤلف الآن سيتكلم عن قضايا التوحيد، بل بالتفصيل، ما علاقة الرقية وهي قراءة وأذكار ينفث يعالج بها؟ ما علاقتها بكتاب التوحيد؟ العلاقة إخواني في الله وطيدة؛ إذ أن الرقى الغير شرعية، الرقى الغير شرعية، فإنها تؤثر في مقام التوحيد بصده أو بتضعيفه وإضعافه، هذا من آثار الرقية الغير مشروعة. وقد ذكر ابن بشر رحمه الله تعالى في كتابه، وقد ألف كتابًا في أحوال نجد، في أحوال أهل نجد، فذكر في بداية كتابه رحمه الله، وهو يعدد أسباب أسباب ظهور الشرك في بلاد نجد، ذكر من ذلكم نزول المتطببة، نزول المداوين، أن كان هذا النزول منهم كان سببًا في ظهور الشرك. قد يقول: قال: وكيف؟ نعم، عن طريق الرقى والتمائم وما يأتنا به، يبثون الشرك من خلال الرقى، وهذا حقيقي إخواني في الله، ولازلنا في مثل هذه الأزمان، تجد أن أثر هؤلاء الذي يتداوى بغير الطريق الشرعية، بالرقى الشركية ونحوها، كان من أعظم أسباب استفحال الشرك وظهوره في بعض المناطق، منطقة أو قرية، الناس فيها على السليقة على الطبيعة على الفطرة، فإذا أصيبوا بمرض ذهبوا إلى هذا الراقي الذي يرقي بغير الرقى الشرعية. فإذا به ماذا؟ لربما تمتم إليهم بكلمات فيها استغاثة بغير الله، استنجاد بالجان والعفاريت، بل منهم من لربما وصل به الحال: أنك يا عبد الله، يا أيها المريض، طريض العافية، لك أو لابنك أو لأهلك، اذبح، اذبح ديكًا أسود أو كبشًا أسود، قد وقع هذا. بل منهم من يذهب إلى من أمثال هؤلاء الرقى، ثم يأمره أن يأخذ بلقمة رز أو بطعام، ثم يرميه في الصحراء، أو يرميه عند القبة الفلانية، أو يتركه، أو يرميه، يرمي بالبيض، ويرمي بالرز، ويرمي بالطعام، هذا من أين جاء؟ هذا جاء من هؤلاء المداوين، مثل أمثال هؤلاء الذي الناس يتأثرون بهم. ما الذي يولد عندهم؟ يولد عندهم عقيدة ما كانت مغروزة، فكانت ظهور هؤلاء المداوين في تلكم الأنحاء من بلاد نجد، كما قال ابن بشر رحمه الله، كانت سببًا عظيمًا في انتشار الشرك، ولا زال، ولا زال؛ إذ أن المريض يرى أنه في المنزل الدون الذي يستمع للراقي ويستجيب له طلبًا للعافية. فإذا لقنه الرقى الغير شرعية، وقع في براثن الشرك، فبهذا تعلم يا عبد الله علاقة الرقى في كتاب التوحيد. من مسائل الرقى إخواني في الله أن نتعرف على أنواع الرقى، على أنواعها. الرقى تنقسم إلى قسمين: إلى رقى شرعية مشروعة، وإلى رقى محرمة ممنوعة. ولهذا التفصيل المؤلف رحمه الله تعالى ما حكم هنا، قال: باب ما جاء في الرقى، أي: اسمع الذي يذكر في هذا الباب، ثم اعلم التفاصيل. فالتفاصيل إخواني في الله أن الرقى أحيانًا تكون مشروعة، وقد أثرت هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال إمام الخطاب رحمه الله تعالى: وكان عليه السلام قد رقى، ورقي، وأمر بها، وأجازها. قال الخطاب رحمه الله: وكان عليه السلام قد رقى، الأول، ورقي، الأمر الثاني، وأمر بها، الثالث، وأجازها، الرابع، وكل عبارة من عبارات الخطاب تحتها مسائل، ولست بأن بصدد ذكر التفاصيل. لكن أراد إمام الخطاب رحمه الله تعالى أن من سنته أنه عليه الصلاة والسلام رقى، أي: رقى غيره، ورقي، أن غيره قد رقى نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن هذا الذي رقى نبينا؟ جبريل، جبريل عليه السلام قد رقى نبينا عليه الصلاة والسلام، كما صح ذلك من حديث عائشة في صحيح مسلم. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى، أي: أصيب بوجع وألم، قالت: فرقاه جبريل عليه السلام، رقاه جبريل عليه السلام، قال: «بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين»، هذه رقية جبريل، رقى بها نبينا عليه الصلاة والسلام. إذا نبينا رقى غيره، وكذلك رقي، وأيضًا ممن ثبت أنه رقى نبينا عائشة رضي الله تعالى عنها، كما في الصحيحين. وهذا الحديث إخواني في الله، وهذا الموضع يجرنا إلى معرفة ضوابط الرقية الشرعية، متى تكون الرقية شرعية؟ إذ أن الناس لربما مهتموا بهذه المعايير. وإن شاء الله ذكر هذه المعايير والضوابط يترك لدرس غد بإذن الله، في بيان ما يتعلق بالرقية الشرعية بضوابطها، وما يقابلها من الرقية الشركية، ثم معرفة ما يتعلق بالتمائم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.