الدرس في التعليق على صفة صلاة النبي للألباني 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
القيام ركن في الفريضة ومستحب في النافلة، ويجوز الصلاة جالسا أو على الراحلة عند العذر. إذا صلى الإمام جالسا لعذر، يصلي المأمومون خلفه جلوسا.
اختلف أهل العلم في حكم متابعة المأمومين للإمام إذا صلى جالسا، بين القول بالنسخ والتفصيل بين ابتداء الصلاة جالسا أو الجلوس بسبب عارض.
ذهب الإمام أحمد وأبو حنيفة إلى جواز صلاة الإمام جالسا، بينما ذهب مالك والشافعي إلى المنع. يختتم الدرس بالإشارة إلى تفصيل صلاة الليل في الدرس القادم.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال العلامة الألباني رحمه الله في كتابه "صحيح الصلاة النبي صلى الله عليه وسلم" قال: القيام. قال: وكان صلى الله عليه وسلم يقف فيها قائما في الفرض والنفل. قال: والتطوع اعتمارا بقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾. سل بهذه الآية على وجوب القيام في الصلاة. والقنوت يأتي على معان، يأتي على معان منها دوام الطاعة، ﴿وكانت من القانتين﴾ أي من الطائعين. ويأتي كذلك بمعنى السكوت عن الكلام، في حديث زيد: "كنا نتكلم في الصلاة، يحدث الرجل منا صاحبه حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ قال: فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام". ويأتي أيضا بمعنى طول القيام، بمعنى طول القيام. سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما هو أفضل الصلاة؟ قال: "طول القنوت" يعني طول القيام. فقول: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ فيه معنى الأمر بالقيام، وكذلك الأمر بالسكوت عن الكلام. والقيام في الصلاة يعتبر ركنا من أركان الصلاة بالنسبة للفريضة، القيام في صلاة الفريضة ركن من أركانها، لا تصح الصلاة إلا بها إلا لمن كان له عذر من مرض أو خوف أو نحو ذلك، فله رخصة في ترك القيام. وأما بالنسبة للنافلة، فالقيام في النافلة مستحب وليس بواجب، القيام في النافلة مستحب وليس بواجب. فللإنسان أن يصلي النافلة ابتداء جالسا، ولو كان يستطيع القيام، ليس عليه إثم في ذلك، لكن يكون له نصف الأجر، يكون له نصف أجر القائم إذا كان غير عذر. وأما إذا كان لعذر من مرض أو نحو ذلك، فيكون له الأجر كاملا. قال: وأما في السفر، فكان يصلي على راحلته النافلة، ويعني هو جالس. قال: وسن لأمته أن يصلوا في الخوف الشديد على أقدامهم أو ركبانا كما تقدم، وذلك قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، فإن خفتم فرجالا أو ركبانا، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾. فالله عز وجل أمر بالمحافظة على الصلوات أي كلها، والصلاة الوسطى أي صلاة العصر في قول جمهور أهل العلم، لحديث عليه رضي الله عنه في الصحيحين في يوم الخندق، لما شغل النبي عليه الصلاة والسلام عن صلاة العصر، قال: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر. فعطف الوسطى على الصلوات من عطفه الخاص على العام. وقوموا لله قانتين يعني ذليلين خاشعين، ومن لزوم ذلك القيام بين يدي الله سبحانه وتعالى، وترك الكلام والسكوت وعدم الانشغال بشيء يشغل عن الصلاة والقيام بين يدي الله سبحانه وتعالى. قال: فإن خفتم أي إذا أصابكم خوف من عدو أو السبع أو نحو ذلك، فرجالا يعني صلوا على أرجلكم، أو ركبانا أي على الرواحل والمركوبات. فإذا أمنتم أي ذهب الخوف، فاذكروا الله كما علمكم، كما لم تكونوا تعلمون، يعني صلوا كما أمرتم بالصلاة في حال الأمن. إذن في حال الخوف، للإنسان أن يصلي جالسا، أن يصلي جالسا إذا خاف من عدو مثلا أن يصيبه بسوء أو يقتله أو يتربص به إذا قام قد يراه، وجاء وقت الصلاة يجلس ويصلي جالسا. قال: وصلى النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته جالسا. حيث عند الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها، قال: وصلىها كذلك مرة أخرى قبل هذه حين اشتكى، وصلى الناس وراءه قياما، فأشار إليهم أن يجلسوا، قال: فجلسوا، فلما انصرف، قال: "إن كنتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون". والحديث فيه مسلم، ففي هذا الحديث صلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو جالس بسبب المرض، فدل هذا على أنه لا بأس للمريض إذا ما استطاع القيام أن يصلي جالسا. فالنبي صلى جالسا، فصل الصحابة خلفه قياما لأنهم يعني قادرين على القيام، فأشار لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلسوا. فلما فرغ من الصلاة، قال: "يكادتم لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود" يعني تعظيما لهم، تعظيما لهم. فقال: لا تفعلوا حتى لا تتشبهوا بهم، وإنما جعل الإمام ليتم به أي ليغتدى به في أفعال الصلاة، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون. إذا صلى الإمام جالسا لعذر، فالمأمومون خلفه يصلون جلوسا متابعة له. اختلف العلماء في هذه المسألة، ما إذا صلى الإمام جالسا هل يصلي المأمومون خلفه جلوسا مثله أم يصلون قياما؟ وذلك أن هذا الحديث قد عرضه حديث جابر رضي الله عنه، لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، فصلى أبو بكر بالناس، ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام وهم في الصلاة، فتقدم حتى جلس بجانب أبي بكر، وصلى بالناس أي النبي صلى الله عليه وسلم جالسا، وصلى أبو بكر قائما والناس خلفه قياما، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر. قالوا: هنا لم يأمرهم مثلا بالجلوس، بل أبقاهم قياما، وصلى هو جالسا. فهنا حصل الخلاف بين أهل العلم، هل هذا الحكم قد نسخ؟ ومتابعة المأمومين للإمام إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا معه؟ أم أن يعني الأمر في ذلك في شيء آخر؟ فكان الخلاف بسبب ذلك. فذهب جماعة من أهل العلم، بل أكثر العلماء أظنوا قول الجمهور إلى النسخ، إلى أن الأمر بمتابعة الإمام في الجلوس في الصلاة إذا صلى جالسا أنه منسوخ بماذا؟ بحديث جابر في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بهم قائما في آخر حياته. قالوا: فهذا ناسخ لما تقدم من أمري عليه الصلاة والسلام بمتابعة الإمام. وقال بهذا جماعة من أهل العلم، كما سمعتم، بل هو قول كثير منهم. وبعض ذهب بعض أهل العلم إلى التفصيل، وهو قول إمام أحمد رحمه الله. الإمام أحمد ذهب إلى التفصيل، وهو أنه إذا ابتدأ الإمام بالصلاة جالسا من أول الصلاة، فيصلي المأموم خلفه جلوسا، فيصلي المأمومون خلفه جلوسا لهذا الحديث: "فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون". وأما إذا صلى قائما ابتداءا، ثم عرض له عارض فجلس، وهنا يستمر المأمومون في القيام لحديث جابر في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس هو جالس، وبقي المأمومون قياما. وهذا جمع بين الأدلة، وهذا القول هو الأظهر والله أعلم، لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، والجمع هنا ممكن أن يجمع بهذا الجمع. فإذا صلى الإمام ابتداء جالسا، فيصلي المأمومون خلفه جلوسا. وإذا صلى ابتداء قائما ثم عرض له عارض فجلس، فيستمر المأمومون قياما. هذا قول الإمام أحمد رحمه الله، وقال بهذا إذن جماعة من أهل العلم من الصحابة، وقال به إسحاق بن راهويه وكذا الإمام المنذر. قال: صلاة المريض جالسا. قال عمران بن حسين رضي الله عنه: قال: "كانت بي بواسير، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب". والحديث في البخاري. قال: "صل قائما" أمر رسول الله أولا أن يصلي قائما، إذا كان يستطيع المريض أن يصلي قائما فيلزمه أن يصلي قائما، لأن هذا هو الواجب إذا كان يستطيع أن يتحامل فيقوم ويقف، فهذا الواجب. قال: "فإن لم تستطع فقاعدا" يعني إذا ما استطاع أن يصلي قائما فيصلي جالسا. وقوله: "فقاعدا" أي على أي هيئة على أي هيئة تتيسر له، سواء كان متربعا كهذه الجلسة، أو كان مفترشا كهذه الجلسة، أو كان مادا رجليه أمامه، لا بأس. الجلسة التي تتيسر له يفعلها، لكن المستحب التربع كما سيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها. قال: "فإن لم تستطع فعلى جنب". ما استطاع أن يصلي جالسا يصلي على جنب، ويكون وجهه جهة القبلة، فإنه لما يسجد ويركع يكون سجوده وركوعه إلى جهة القبلة. قال: وقال أيضا: "سألته صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل وهو قاعد". قال: "وهو قاعد". فقال: "من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما أو في رواية متجعا فله نصف أجر القاعد". والمراد به المريض يعني المخاطب بهذا من كان مريضا. قال: فقد قال أنس رضي الله عنه: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أناس وهم يصلون قعودا من مرض، فقال: إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم". والحديث رواه أحمد من حديث أنس. "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" هذا إذا كان يستطيع القيام في حق من كان يستطيع القيام، لكن بمشقة يستطيع القيام بمشقة، يعني ممكن يتحامل ويشق على نفسه ويقوم، فإذا صلى في هذه الحال جالسا فله نصف أجر القائم. وإذا كان يستطيع الجلوس وصلى متجعا يعني بمشقة يستطيع الجلوس وصلى متجعا، فله نصف أجر القاعد. أما إذا كان لا يستطيع ما يستطيع إلا أن يصلي جالسا أو يصلي متجعا، ما يستطيع الجلوس ولا القيام، هذا يكتب له الأجر كاملا، يكتب له الأجر كاملا لحديث بموسى في البخاري: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما". قال: هنا مسألة تتعلق بصلاة الإمام جالسا، يحسن ذكرها، وهي ما حكم صلاة الإمام جالسا؟ ما حكم صلاة الإمام بالناس جالسا؟ فأجمع أهل العلم إذا كان الإمام عاجزا عن القيام، فإنه لا تصح صلاته بالقادر على القيام إذا كان هذا الإمام ليس إماما راتبا، ليس الإمام الراتب إمام المسجد. أجمعوا على أن إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليها لا تصح إذا كان الإمام ليس إماما راتبا. واختلفوا في الإمام الراتب الإمام الرسمي كما نقول للمسجد، هل يصح أن يصلي بالناس جلوسا؟ فهذا وقع فيه الخلاف. فذهب إلى الجواز الإمام أحمد رحمه الله وأبو حنيفة، الإمام أحمد أبو حنيفة إلى جواز إمامة الإمام الراتب أن يصلي جالسا والناس قياما. وذهب إلى المنع مالك والشافعي، أما أحمد وأبو حنيفة على الجواز، ومالك والشافعي ذهب إلى المنع. وأستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليتم به، فلا تختلفوا عليه". فلا تختلفوا عليه. هنا سيكون الخلاف يعني هل قيام المأمومين خلف الإمام نسخ أو لم ينسخ؟ فمن قال بالنسخ سيقول لا يجوز كمالك والشافعي، ومن قال بعدم النسخ فيقول بالجواز كالإمام أحمد رحمه الله وأبي حنيفة. فالأظهر هو الجواز والله أعلم، وإن كان أولى لا شك أولى أنه إذا كان مريضا يجعل غيره يصلي بالناس ممن هو قادر على القيام. لكن لو أراد أن يصلي هو، قال: أنا الإمام. قال: وعاد النبي صلى الله عليه وسلم مريضا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمى بها. فأخذ عودا ليصلي عليه، قال: فأخذه فرمى به. وقال: "صلي على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ برأسك، واجعل سجودك أخفض من ركوعك". والحديث رواه الطبراني والبزار، وسنده صحيح كما قال العلامة الألباني رحمه الله. هذا الحديث فيه أن من صلى جالسا ولا يستطيع أن يسجد على الأرض، فإنه لا يلزمه أن يضع شيئا يسجد عليه. فهذا الرجل أخذ وسادة تعلموا وسادة المخدة، جعلها تحته حتى يسجد عليها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ورمى بها. فأخذ عودا حتى يسجد عليه، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ورمى به. وقال: "صلي على الأرض إن استطعت، استطعت أن تسجد على الأرض فعلت، وإلا فأومئ إيماء يعني أشر برأسك". قال: "واجعل سجودك أخفض من ركوعك". فدل هذا على أن العاجز عن الصلاة والسجود على الأرض، فإنه يومئ برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يلزمه أن يأتي بشيء ليسجد عليه. لا يلزمه أن يأتي بشيء ليسجد عليه، وأن هذا خلاف السنة، بل يعتبر من التنطع، يعتبر من التنطع. قد نهينا عن ذلك: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون". قال: الصلاة في السفينة. قال: وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في السفينة، قال: "صلي فيها قائما إلا أن تخاف الغرق". الحديث رواه الطبراني والبزار، أو رواه البزار والدار قطني من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس. هذا الحديث فيه جواز الصلاة الصلاة في السفينة، جواز الصلاة في السفينة. وأن الواجب على من صلى في السفينة أن يصلي قائما، الواجب أن يصلي قائما إلا إذا خاف على نفسه إذا خاف على نفسه السقوط ونحو ذلك، فلا بأس أن يصلي جالسا لقوله: "صلي فيها قائما إلا أن تخاف الغرق" يعني تخاف أن تسقط في أثناء القيام فتغرق، فلا بأس أن يصلي جالسا. فيسقط حينئذ وجوب القيام، فمن استطاع صلى قائما، ومن لم يصلي صلى جالسا. وقال جابر وأبو سعيد رضي الله عنهما: صليا في السفينة قياما. وقال الحسن أي البصري: قال: "يصلي قائما ما لم تشق على أصحابك، تدور معها وإلا فقاعد" يعني إذا كان عليك مشقة فصلي جالسا. فإذا ما استطاع أن يقوم بلا بأس أن يجلس، وهو معذور في هذا. ومن جرب ذلك علم صعوبة هذا الأمر، صعوبة الصلاة قائما في السفينة. وفي ذلك مشقة عظيمة، فلهذا كان هذا من التيسير والتخفيف على المسلم، أنه إذا ما استطاع أن يصلي قائما أن يصلي جالسا. قال: ولما أسن النبي صلى الله عليه وسلم وكبر، اتخذ عمودا في مصلاه يعتمد عليه. هذا الحديث رواه أبو داود والحاكم. فهذا الحديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسن أي كبر في السن، واتخذ عمودا في مصلاه يعتمد عليه، يعني عند القيام جعل له شيء يعتمد عليه. وهذا فيه لأن الإنسان إذا ما استطاع أن يقوم، لكن إذا كان معه شيء يستطيع أن يعتمد عليه ويقوم، فلا بأس أن يعتمد على العصا أو نحو ذلك ويصلي قائما. لكن إذا كان هذا يشق عليه أن يعتمد على شيء كعصا مثلا ويقوم عليها، ورجلاه لا تحمله، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فيصلي جالسا، يصلي جالسا وليس عليه شيء. طيب ثم القيام ونقعد في صلاة الليل، هذا نجعله إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.