الدرس في شرح كتاب التوحيد مختصر 2، الدرس الثاني:من ( باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرح حديث يبين فضل التوحيد وتحريم النار على الموحدين، ويشرح أنواع هذا التحريم. يشدد على أهمية الإخلاص في نطق كلمة التوحيد.
يؤكد على أن نطق كلمة التوحيد يحتاج إلى شروط مثل الإخلاص والصدق والعلم لدخول الجنة. يبين فضل التوحيد ومكانته عند الله في غفران الذنوب.
يتناول مفهوم تحقيق التوحيد وتصفيته من الشرك والمعاصي، ويستشهد بصفات إبراهيم عليه السلام من القرآن، مثل كونه أمة قانتا حنيفا.
جَاءَتْ أَعْمَالُنَا مِنْ يَهْدِهِ اللهُ وَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، كَانَ الْكَلَامُ فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي، إِخْوَانِي فِي اللهِ، عَنْ مُقَدِّمَةٍ أَوْ تَوْطِئَةٍ بِغَيْرِ عُنْوَانٍ، مَهَّدَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بِذِكْرِ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ التَّوْحِيدِ، وَعَلَى أَمْرِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا بِهِ، وَكَيْفَ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا أَرْسَلَ الرُّسُلَ لِذَلِكَ. ثُمَّ كَانَ الْوُقُوفُ عَلَى الْبَابِ الثَّانِي، وَالَّذِي بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: بَابُهُ فَضْلُ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفِّرُ مِنْ الذُّنُوبِ. وَكَانَ الْوُقُوفُ عَلَى الْآيَةِ، وَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، وَأَيْضًا كَانَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ أَتَى بِالتَّوْحِيدِ فَإِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يُعْطِيهِ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ وَالْهُدَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثِ فِيهِ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يُجَازِي مَنْ أَتَى بِالتَّوْحِيدِ بِالْجِنَانِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَلَهُمَا، أَيْ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ». هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْبَابِ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ. وَالْفَضِيلَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاضِحَةٌ، فَإِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا حَرَّمَ عَلَيْهِ النَّارَ، فَقَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». وَرَبُّنَا حَرَّمَ النَّارَ عَلَى كُلِّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَتَحْرِيمُ النَّارِ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ عَلَى قِسْمَيْنِ: إِمَّا تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، أَوْ تَحْرِيمٌ بَعْدَ أَمَدٍ. هَذِهِ مِنْ أَوْجُهِ تَحْرِيمِ النَّارِ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ، عَلَى الْمُوَحِّدِينَ. التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ: أَيْ أَنَّ الْمُوَحِّدَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ الْبَتَّةَ، لَا يَدْخُلُ النَّارَ الْبَتَّةَ. هَذَا التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ: أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا لَا يُدْخِلُ النَّارَ الْمُوَحِّدَ الْبَتَّةَ. يَأْتِي الْمُوَحِّدُ بَعْدَمَا يُنْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ، يُدْخِلُهُ اللهُ الْجَنَّةَ مُبَاشَرَةً، لَا يَدْخُلُ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، حَرَّمَهَا رَبُّنَا عَلَيْهِ، وَهَذَا بِفَضْلِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا. وَمِنْ النَّاسِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ مَنْ يَكُونُ تَحْرِيمُهُ لِلنَّارِ بَعْدَ أَمَدٍ، أَيْ أَنَّهُ يَدْخُلُ النَّارَ، لَكِنْ لِفَتْرَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْهَا. فَتَحْرِيمُ النَّارِ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ عَلَى قِسْمَيْنِ: إِمَّا تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، أَوْ تَحْرِيمٌ بَعْدَ أَمَدٍ. إِمَّا أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمُوَحِّدُ النَّارَ الْبَتَّةَ، وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَهَا، ثُمَّ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ، فَلَا يُمْكِثُ فِيهَا. فَهَذَا وَذَاكَ كُلُّهُ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَهَذَا مِنْ لُطْفِ اللهِ، وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ. وَإِنْ دَخَلَهَا وَخَرَجَ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَنْ يَعُودَ، فَقَدْ تُحُرِّمَ عَلَيْهِ، خَلَاصٌ. قَالَ: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ». وَهَاهُنَا تَنْبِيهٌ، وَهُوَ أَنَّ نَبِيَّنَا قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ»، أَيْ يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ، وَيَأْتِي بِالتَّوْحِيدِ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ رِيَاءً أَوْ سُمْعَةً، أَوْ أَرَادَ بِهَا حَظًّا مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا أَرَادَهَا، وَأَتَى بِهَا مُخْلِصًا لِلَّهِ، أَتَى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مُخْلِصًا لِلَّهِ. قَدْ يَأْتِي بَعْضُ النَّاسِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ لَيْسَ مُبْتَغِيًا لَهَا، لَا يُرِيدُهَا، إِنَّمَا قَالَهَا تَزَلُّفًا لِدُنْيَا النَّاسِ. رَجُلٌ أَرَادَ وَظِيفَةً، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَأَنَّهُ بِكُفْرِهِ لَنْ يَكُونَ لَهُ الْقَبُولُ عِنْدَ النَّاسِ، فَمَاذَا فَعَلَ؟ زَوَّرَ فِي الْأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ، وَسَجَّلَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْبَحَ يُصِيحُ بِهَا: أَنَا مُسْلِمٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَنَا مُسْلِمٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. يَقُولُهَا وَيُرَدِّدُهَا، لَكِنْ هَلْ قَالَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ؟ قَالَهَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ النَّاسِ، حَتَّى يَرْضَوْا عَنْهُ، فَيُوَظِّفُونَهُ فِي الْمُؤَسَّسَاتِ أَوِ الشَّرِكَاتِ، وَيُعْطُونَهُ الْأَعْمَالَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا. فَهَذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبْتَغِيًا بِهَا وَجْهَ اللهِ. وَهَذَا يُجَرِّئُنِي إِلَى أَمْرٍ، وَهُوَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وَكَلِمَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تَحْتَاجُ إِلَى شُرُوطٍ، تَحْتَاجُ إِلَى شُرُوطٍ. لَا يَظُنُّ الْعَبْدُ أَنَّهُ يَتَحَصَّلُ عَلَى الْأَجْرِ وَالْفَضَائِلِ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ خِلَالِ التَّلَفُّظِ بِهَا فَقَطْ، لَا، إِنَّمَا يَحْتَاجُ التَّلَفُظُ إِلَى أَعْمَالٍ، إِلَى شُرُوطٍ. وَلِهَذَا يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي عِبَارَةٍ نَفِيسَةٍ لِهَذَا الْبَابِ: قَالَ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَلَفُّظِهِ بِالشَّهَادَةِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ، فَهُوَ ضَالٌّ، مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. فَهُوَ ضَالٌّ، مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. مِنْ هَذَا الضَّالِّ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْكَلِمَةِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، هَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْغَفْلَةِ، يَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِنْ أَتَى بِهَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُبَاشَرَةً. لَا، يَا عَبْدَ اللهِ، بَلْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ لَهَا شُرُوطٌ، مِنْهَا الْإِخْلَاصُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ». شَرْطُ الْإِخْلَاصِ، وَأَيْضًا يَأْتِي بِهَا بِصِدْقٍ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، صَادِقًا بِهَا». وَهَكَذَا تَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ، فَيَعْلَمُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ. قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قَالَ: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. هَذَا الْحَدِيثُ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِطُولِهِ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلِهَذَا مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَضْعِيفِهِ. فَإِنَّ فِي سَنَدِهِ دِرَاجًا أَبَا السَّمْحِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ذُو مَنَاكِيرَ. وَهَذَا الرَّجُلُ ضَعِيفٌ ذُو مَنَاكِيرَ، يَعْنِي لَهُ أَحَادِيثُ مُنْكَرَةٌ، خَالَفَ فِيهَا الثِّقَاتَ. فَضَعُفَ هَذَا الْحَدِيثُ. فَالْحَدِيثُ بِهَذَا السِّيَاقِ ضَعِيفٌ، أَنْ مُوسَى خَاطَبَ الرَّبَّ، وَأَنَّ اللهَ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ، هَذَا مَا يَصِحُّ. لَكِنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَدِيثٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا جَاءَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنْ اثْنَتَيْنِ». وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «آمرك بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مَا يُغْنِي عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حَيْثُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَضْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَعَلَى عَظَمَتِهَا. وَأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يَجْعَلُ لَهَا وَزْنًا. قَالَ: وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». هَذَا الْحَدِيثُ، إِخْوَانِي، مِنْ أَعْظَمِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَةِ عَلَى فَضْلِ التَّوْحِيدِ عَلَى أَهْلِهِ. يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». تَأْتِي بِمَلْءِ الْأَرْضِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْأَوْزَارِ، لَكِنْ يَا عَبْدَ اللهِ، تَأْتِي وَأَنْتَ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَبِفَضْلِ التَّوْحِيدِ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِكَ. كَمَا قَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. لَوْ جِئْتَ بِمَلْءِ الْأَرْضِ ذُنُوبًا وَمَعَاصِيَ، فَإِنَّ اللهَ بِرَحْمَتِهِ، وَبِفَضْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يَتَجَاوَزُ عَنْكَ. لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُوَحِّدًا، أَنْ تَكُونَ مُوَحِّدًا. «لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا». شَيْئًا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ صُوَرِ الشِّرْكِ، الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَالشِّرْكِ الْأَصْغَرِ، كُلُّ الشِّرْكِ. إِلَّا مَنْ لَمْ يَقَعْ فِي الشِّرْكِ، فَلْيَبْشِرْ بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ. وَأَمَّا مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ صُوَرِ الشِّرْكِ، فَقَدْ حَرَمَ نَفْسَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَمِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ذَكَرَ هَذَا الْفَصْلَ لِبَيَانِ أَنَّ مِنْ فَضْلِ التَّوْحِيدِ عَلَى النَّاسِ، أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يُدْخِلُ الْخَلْقَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. الْأَصْلُ أَنَّ عِبَادَ اللهِ يُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، يُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، إِنْ خَيْرٌ فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرٌّ فَشَرٌّ. لَكِنِ اسْتَثْنَى رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ، فَإِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يُعْفِيهِ عَنِ الْحِسَابِ، فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً. وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ: كَيْفَ يَكُونُ تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ؟ أَوْ مَا مَعْنَى تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ: هُوَ تَصْفِيَتُهُ مِمَّا يُبْطِلُهُ، أَوْ يُنْقِصُهُ، أَوْ يُقَدِّحُ فِيهِ. هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الثَّلَاثَةُ لَابُدَّ أَنْ تَفْعَلَهَا يَا عَبْدَ اللهِ حَتَّى تَكُونَ مِمَّنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ. أَوَّلًا: أَنْ تُصَفِّيَ التَّوْحِيدَ مِمَّا يُبْطِلُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الشِّرْكُ، لَا يَسْتَقِيمُ تَوْحِيدٌ مَعَ شِرْكٍ. كَحَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، مَنْ يَأْتِي بِالتَّوْحِيدِ، وَيَأْتِي بِنَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ التَّوْحِيدِ، هَذَا مَا حَقَّقَ التَّوْحِيدَ. وَإِنَّمَا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ بِأَنْ تُصَفِّيَ التَّوْحِيدَ مِمَّا يُبْطِلُهُ. وَالثَّانِي: مِمَّا يُنْقِصُهُ، مِثَالُ ذَلِكَ: الْبِدَعُ، الْبِدَعُ تُنْقِصُ مِنْ قَدْرِ التَّوْحِيدِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، فَمَنْ أَتَى بِالْبِدَعِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، هَذَا مَا حَقَّقَ التَّوْحِيدَ. وَالثَّالِثُ: قَالَ: وَمِمَّا يُقَدِّحُ فِيهِ. وَمِنْ أَشْيَاءِ الَّتِي تُقَدِّحُ فِي التَّوْحِيدِ: الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبُ، الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبُ تُقَدِّحُ فِي التَّوْحِيدِ. فَعِنْدَنَا أَشْيَاءُ تُبْطِلُ التَّوْحِيدَ، وَأَشْيَاءُ تُنْقِصُ التَّوْحِيدَ، وَأَشْيَاءُ تُقَدِّحُ فِي التَّوْحِيدِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحَقِّقًا لِلتَّوْحِيدِ، فَعَلَيْهِ بِالْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ: فَلَا يُخْلِطْ بِتَوْحِيدِهِ شِرْكًا، وَلَا يُخْلِطْ بِتَوْحِيدِهِ بِدْعَةً، وَلَا يُخْلِطْ بِتَوْحِيدِهِ مَعَاصِيَ وَذُنُوبًا. فَالْأَوَّلُ يُبْطِلُ التَّوْحِيدَ، وَالثَّانِي يُنْقِصُ التَّوْحِيدَ، وَالثَّالِثُ يُقَدِّحُ فِي التَّوْحِيدِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. هَذِهِ الْآيَةُ يُذْكَرُ فِيهَا رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا صِفَاتِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. مِنْ صِفَاتِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْآيَةِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾. مَا مَعْنَى أُمَّةٍ هَاهُنَا؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْأُمَّةُ: كُلُّ مَنْ جَمَعَ صِفَاتِ الْخَيْرِ، فَهُوَ أُمَّةٌ. هُوَ كُلُّ مَنْ جَمَعَ صِفَاتِ الْخَيْرِ، وَأَصْبَحَ يُقْتَدَى بِهِ، فَهُوَ أُمَّةٌ. كُلُّ مَنْ جَمَعَ صِفَاتِ الْخَيْرِ، وَأَصْبَحَ يُقْتَدَى بِهِ فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ أُمَّةً. كَانَ رَجُلًا أَتَى بِصِفَاتِ الْخَيْرِ، مَا مِنْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ إِلَّا وَأَتَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَمِنْ تَأَمَّلَ إِلَى قَصَصِ الْقُرْآنِ، وَمَا ذَكَرَ رَبُّنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، تَعْرِفُ الْمَزَايَا الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ، وَأَصْبَحَ يُقْتَدَى بِهِ. وَلِهَذَا عَابَ رَبُّنَا عَلَى الْخَلْقِ إِذَا رَغِبُوا عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ جَلَّ فَعَلَ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. فَإِبْرَاهِيمُ يُقْتَدَى بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ. قَالَ: ﴿قَانِتًا﴾، هَذِهِ الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ صِفَاتِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبِهَا يُمْدَحُ بِهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ، أَنَّهُ كَانَ قَانِتًا. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الْقُنُوتُ هُوَ مُلَازَمَةُ الطَّاعَةِ. فَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ كَانَ قَانِتًا. مَعْنَى قَانِتٍ: مُلَازِمًا لِطَاعَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، فِي سِرِّهِ وَنَجْوَاهُ، فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ، كُلُّ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى طَاعَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا. قَالَ: ﴿حَنِيفًا﴾، هَذِهِ أَيْضًا صِفَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْ صِفَاتِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ حَنِيفٌ. وَالْحَنِيفُ قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَنْفِ، وَالْحَنْفُ هُوَ الْمَيْلُ، فَالْحَنِيفُ هُوَ الْمَائِلُ عَنْ مِلَّةِ الشِّرْكِ، قَصْدًا إِلَى التَّوْحِيدِ. يَتْرُكُ الشِّرْكَ، وَيَتْرُكُ أَهْلَهُ، وَيَتْرُكُ جَمِيعَ صُوَرِهِ، ثُمَّ يَقْصِدُ التَّوْحِيدَ، يَتَوَجَّهُ قَلْبًا وَقَالِبًا إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا. فَهَذَا هُوَ الْحَنِيفُ، وَهَذِهِ الْمِلَّةُ الْحَنِيفِيَّةُ. قَالَ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، أَيْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَمْ يَعْمَلْ أَعْمَالَ أَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُوَحِّدًا لِلَّهِ فِي كُلِّ أَقْوَالِهِ، وَفِي كُلِّ أَفْعَالِهِ، وَفِي كُلِّ أَعْمَالِهِ. فَهَذَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَبِهَذَا تَحْصُلُ عَلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ الْعَالِيَةِ، مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَ: وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾، أَيْضًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُذْكَرُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا صِفَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللهِ. أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللهِ. وَمَعْنَى الشِّرْكِ لُغَةً: اتِّخَاذُ شَرِيكٍ. وَأَصْلَحًا: كَمَا يُعَرِّفُهُ الْعُلَمَاءُ، الشِّرْكُ هُوَ جَعْلُ شَرِيكٍ لِلَّهِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ، وَيَخْتَصُّ بِهِ. فَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللهِ شَرِيكًا فِي خَصَائِصِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، سَوَاءٌ كَانَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، أَوْ فِي الْأُلُوهِيَّةِ، أَوْ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَقَدْ أَصْبَحَ مُشْرِكًا. مَنْ نَازَعَ اللهَ، وَاتَّخَذَ مَعَ اللهِ شَرِيكًا، كَيْفَمَا كَانَ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ قَدْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ. وَلِهَذَا مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَمُلَ إِيمَانُهُمْ: أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ ج