شرح العقيدة الواسطية 40

شرح العقيدة الواسطية 40

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 40، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في مصادر التشريع الإسلامي

ينتقل المؤلف إلى الحديث عن السنة النبوية كأحد مصادر التشريع الإسلامي، ويؤكد على أهميتها وضرورة الاعتداد بها كتفسير للقرآن ومصدر مستقل.

تعريف السنة لغة واصطلاحا وتوضيح مدلولاتها

يتناول تعريف السنة في اللغة والاصطلاح، حيث تأتي في اللغة بمعنى الطريق المسلوك، وفي الاصطلاح لها تعاريف متعددة تتعلق بما تقابله مثل القرآن أو الواجب أو البدعة.

شروط وضوابط الاعتماد على السنة النبوية

يشرح أهمية التحقق من صحة الأحاديث قبل الأخذ بها، ويوضح الفرق بين الاعتماد على القرآن والسنة، حيث يتطلب الأخذ بالسنة التحقق من صحة الدليل والدلالة.

ختام بالصلاة على النبي وتوقيره

يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه والتسليم، تعبيرا عن التوقير والاحترام للنبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. مر معنا في قول مؤلفنا، شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: قال: "وهذا الباب في كتاب الله كثير، من تدبر القرآن طالبا للهدى منه تبين له طريق الحق". وأشرنا إلى المسائل والفوائد المتعلقة بهذا الباب. ثم قال رحمه الله تعالى: "ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم". فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه. لنتوقف مع هذه الكلمات في قول مؤلفنا رحمه الله تعالى: "ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم". انتقل المؤلف رحمه الله تعالى في باب الاستدلال، بعدما انتهى من ذكر بعض النماذج من آيات القرآن، إلى أحاديث السنة. قال: "ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم". والسنة تعتبر هي المصدر الثاني من مصادر التشريع. يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "والسنة هي المصدر الثاني في التشريع، يعني في العدد، وليس في الترتيب". فإن منزلتها إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم كمنزلة القرآن. فالسنة هي بمنزلة القرآن، وقد صح ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام حين قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه". ومثله مثلية، فالسنة مثل القرآن. ولهذا دائما تأتي طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول﴾، وقال سبحانه: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾. هي طاعة الرسول من طاعة الله. ولهذا قال ابن عثيمين: "والسنة هي المصدر الثاني في التشريع، يعني في العدد، وليس في الترتيب". وفي قول مؤلفنا رحمه الله تعالى: "ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" إشارة إلى حجية السنة. قال إمام الشوكاني رحمه الله: "اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، كالقرآن في تحليل الحرام وتحريم الحلال". وقال أيضا: "ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام". فالشوكاني رحمه الله يذكر إجماع الأمة، وخاصة من أهل العلم ممن يعتد به، إشارة إلى إخراج المبتدع والضلال. فالسنة مصدر من مصادر التشريع، تنفرد بأحكام جديدة. وقد ألف الإمام السيوطي رحمه الله تعالى رسالة سماها "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة"، في الرد على الزنادقة وعلى الرافضة ممن رد السنة في زمنه. والإمام الشاطبي رحمه الله تعالى تكلم عن جماعة من الضلال يقبلون من السنة ما وافق القرآن. ووصفهم بقوله: "إنهم قوم لا خلاق لهم". ولا زالت هذه النبتة موجودة، وهم كثر الذين يعترضون على السنة. منهم من يرد السنة مطلقا، ومنهم من يرد السنة إذا خالفت الواقع والعقل. وهم يتفاوتون في الضلال. من المسائل المهمة في هذا الباب، إخواني في الله، التعرف على السنة، ما هي السنة؟ السنة لها معاني، إن جئنا في باب اللغة، وإن جئنا في باب الاصطلاح. أما السنة في باب اللغة العربية، فهي بمعنى الطريق المسلوك، سواء كان هذا الطريق حسياً أو معنوياً. وكلمة "سن" في اللغة العربية تعود على عدة معاني، تأتي بمعنى الخط، ومنه الخطوط الموجودة في الحمار الوحشي. وتطلق السنة في اللغة العربية على معنى المسن، وهو السكين إذا سنة، يقال: "سنة السكين"، أي مررها. وفيه معنى الطريق، لكن يجعلونه بمعنى مستقل. وهذا من معاني السنة، بمعنى المسن. والمعنى الثالث الذي نريده، بمعنى الطريق، وخاص إذا كان مسلوكا، يقال عنه: "سنة". كما قال ربنا: ﴿فهل ينظرون سنة الأولين﴾، أي طريقة الأولين. وفي قوله تعالى: ﴿سنة الله في الذين خلوا﴾، أي طريقة الله في من مضى من الأمم السابقة. فالسنة في اللغة تأتي بمعنى الطريقة. لكن اختلف العلماء من أهل اللغة، هل الطريق يقال عنه "سنة" أي طريق، أم أنه يختص بالطريق المحمود؟ على أقوال من أهل العلم، من يرى أن السنة تطلق على الطريق، أو الطريق المحمود. لكن الصحيح الذي عليه جمهور العلماء، أن السنة تطلق على الطريق الحميدة والذميمة على حد السواء. كل ذلك يسمى "سنة"، بغض النظر عن حد الطريق، إلى أين يقود، إلى أمر حميد أو إلى أمر مذموم، لا فرق. والدليل على ذلك ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها". فهذا حديث نبوي يدل على أن السنة تطلق على الطريقة المسلوكة، سواء كانت حميدة أو ذميمة. لكن إذا جئنا إلى اصطلاح العلماء في الشرع، ما معنى السنة؟ هنا، إخواني، نجد تعاريف متعددة للسنة، لأن السنة لها عدة إطلاقات. فتعريف السنة في الاصطلاح يتعلق بما يقابلها. فالسنة تارة تقابل القرآن، وتارة تقابل الواجب، وتارة تقابل البدعة. فإذا قلت: "ديني ومصدر الشريعة الكتاب والسنة"، هنا السنة لها اعتبار تقابل القرآن. وتقول أحيانا: "أنا والحمد لله أقوم أدي الواجبات وأدي السنة"، فالسنة لها معنى باعتبار ما قُبلت به، وهو الفرض والواجب. وتقول: "ونحن بالحمد أهل السنة، ما نحب أهل البدعة"، فالسنة لها اعتبار بمقابل ما قابلته من البدعة. ولهذا فالسنة، إخواني في الله، لها تعريفات متعددة، على حسب ما تقابل. فإذا قلت: "أنا أتعبد الله بمصدر التشريع بالكتاب والسنة"، هنا السنة هي كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، يسمى "سنة". وهذا الذي نريده في هذا المقام الآن. والاعتضاد والاعتصام بالسنة مشروط بشرط، بخلاف الناظر في كتاب الله. الناظر في القرآن يحتاج إلى أمر واحد، وهو صحة الدلالة على الحكم. أما الناظر إلى السنة، فيحتاج إلى أمرين: صحة الدليل، وصحة الدلالة. فلا تأتي إلى أي حديث يا عبد الله وتأخذه وتلقي به على عواهنه، ما يجوز. لابد من التحري، ولهذا نرى ونأمر الناس بالأخذ بالسنة، بل بوجوب الأخذ من السنة، ولكن بشروط. فإن كان الحديث لا يصح، يرم به، أو ترددت فيه، لا يجوز أن ينسب لرسول الله. إلا إذا عندك من يرى من أهل العلم من يقوم بتحسينه. ولهذا، إخواني في الله، الذي يستدل بالسنة يتعب، بخلاف الذي يأخذ من القرآن. والذي يستدل بالقرآن، ما يحتاج إلى تنقيح، هل يحتاج إلى ينظر إلى الآية القرآنية وينظر إلى الروايات والقراءات السبع؟ ما يحتاج. آية من كتاب الله، امشي استدل بها، صحة الدليل مع المدلول، امشي، ما انتهى الأمر. لكن في السنة، لا بد من النظر إلى الرواة، إلى الأسانيد، إلى غير ذلك. ولهذا، من فوائد بعض العلماء، أن النبي عندما ذكر حال من يحتاج بالقرآن في آخر الزمان: "يأتي على ألا أحد منكم متكئ على أريكته، يأتيه الحديث عني، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله". فمن الإعجاز العلمي، أو قل: من دلائل النبوة، أن النبي تنبأ بمن سيأتي في آخر الزمان من يرد السنة ويأخذ بالقرآن فقط. وتأمل إلى وصف رسول الله كيف وصف هؤلاء: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته"، هذا يدل على البذخ وعلى الترف. فالسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أن تكون موافقة له من كل وجه، وأن تكون بيانا لما أريد بالقرآن، وتفسيرا له، وأن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو تحريم ما سكت القرآن عن تحريمه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه". فالتفسير والبيان تجعلان في مقام واحد. وتدل عليه بمعنى التأكيد، وتعبر عنه بمعنى التجديد. فالسنة إما مؤكدة، أو مبينة، أو مؤصلة. وهذا، إخواني في الله، ما يذكره شيخ الإسلام. وإن شاء الله، في درسنا غد، يكون الكلام على باب الأسماء والصفات في الواسطية، من خلال النظر في أحاديث السنة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.