الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 36، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ تحذير العلماء من التودد للملوك والسلاطين طلبًا للمنزلة والمال، ويبين أن هذا التودد يؤدي إلى ضياع الدين والدنيا. يُظهر أن التقرب للظالمين لا ينال المرء منهم شيئًا إلا بثمن وهو دينه.
يتناول المقطع تحذير العلماء من تولي القضاء في ظل الظلم، حيث يصبح القاضي أداة في يد الظالمين. يشرح أن العلم يجب أن يكون وسيلة للعمل الصالح وليس للتقرب من السلطة أو كسب المال الحرام.
يتناول المقطع أهمية الدعاء بالعلم النافع والتعوذ من العلم غير النافع كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. يشدد على ضرورة تطبيق هذا الدعاء في الحياة اليومية لتحقيق الخشوع وصفاء القلب.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس والثلاثين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتابه أخلاق العلماء: قال محمد بن الحسين - وهو الأجري نفسه - رحمه الله: «قال: هذه الأخلاق وما يشبهها تغلب على قلبي من لم ينتفع بالعلم، فبينا هو مقارن لهذه الأخلاق، إذا رغبت نفسه بحب الشرف والمنزلة، وأحب مجالسة الملوك وأبناء الدنيا، وأحب أن يشاركهم فيما هم فيه من رخاء عيشهم. قال في نسخة: "راخي" يعني رخي رخاء من رخاء عيشهم، من منزل بهي ومركب هني وخادم سري ولباس لين وفراش ناعم وطعام شهي. وأحب أن يغشى بابه، ويسمع قوله، ويطاع أمره، فلم يقدر عليه إلا من جهة القضاء، فطلبه، ولم يمكنه إلا ببذل دينه، فتذلل للملوك ولأتباعهم، وخدمهم بنفسه، وأكرمهم بماله، وسكت عن قبيح ما ظهر من مناكيرهم على بوابهم وفي منازلهم، وقولهم وفعلهم، ثم زين لهم كثيرًا من قبيح فعالهم بتأويله الخطأ ليحسن موقعه عندهم. وهذه الأخلاق كلها ظاهرة بأنها لا تليق بمسلم، فضلًا عمن أعطي شيئًا من العلم، فهي من الأخلاق الدنيئة أن يبيع الإنسان دينه لأجل عرض من الدنيا قليل، بل ربما يكون الثمن وهذا هو الغالب أن يبيع دينه لدنيا غيره، لأنه لا يزال يتودد ويتقرب، فلا يعطى شيئًا، فيأخذون من أكثر مما يعطوه، يأخذون من دينه ولا يعطونه ما يريد من الدنيا، وإذا أعطوه شيئًا أخذوا منه أكثر مما أعطوه، وهذا هو الواقع. فمن تقرب لأهل الرخاء والملك، ومن كان ظالمًا منهم، فإنه لن ينال منهم شيئًا إلا بثمن، والثمن أن يبيع دينه بدنيا غيره، هذا هو الثمن. وإن أعطي شيئًا من الدنيا فهو قليل مع أكثر ما يأخذ منه، ويتوصلوا به إليه، فيجعلونه نعلًا - أكرمكم الله - ينتعل لأجل أن يصلوا به إلى المكان الذي يريدون بإسم الدين. قال: فلما فعل هذا مدة طويلة، واستحكم فيه الفساد، ولوه القضاء، فذبحوه بغير سكين - يعني كما جاءت بذلك الآثار -: "فمن ولي القضاء ذبح بغير سكين"، والمعنى قتل نفسه بأشد أنواع القتل، لأن قتل الدين أعظم القتل. وفصل العلماء في القضاء: إن كان لا يوجد أحد يقضي بين الناس بالحق، فتولي القضاء في مثل هذه الحال قربة وحسنة. وأما إذا كان تولي القضاء سببًا في الفتنة والتنازل عن الدين، فلا خير في هذا. فإذا غلب على من يتولى عنده القضاء الباطل، فمعناه أنه سيعينهم بإسم القضاء على الباطل الذي هم فيه، الأصل أن القضاء جهة مستقلة في الإسلام تحكم بين الراعي والرعية، ولكن إذا وجد الظلم ولم يوجد العدل، فإن القضاء يكون أداة في يد الظالم على المظلوم. فمن تولى القضاء والحال هذا يكون في منقصة، إذ يبيع دينه بدنيا غيره. قال رحمه الله تعالى: «فصارت لهم عليه منة عظيمة، ووجب عليه شكرهم، فألزم نفسه ذلك لألا يغضبوه عليه فيعزلوه عن القضاء، ولم يلتفت إلى غضب مولاه الكريم، فاقتطع أموال اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين، وأموال الوقوف على المجاهدين وأهل الشرف وبالحرمين، وأموالًا يعود نفعها على جميع المسلمين، فأرضى بها الكاتب والحاجب والخادم. وهذا هو الغالب - إلا ما رحم الله - أن من يتولى القضاء فإنه يتسلط على الضعفاء، ويعين الأغنياء، فيكون مع الظالمين ضد المظلومين، مع الأقوياء ضد الضعفاء، فيصلت هذه المهنة في إعانة الظالم والقوي على المظلوم الضعيف. قال رحمه الله: «فأكل الحرام، وأطعم الحرام، وكثر الداعي عليه، فالويل لمن أورثه علمه هذه الأخلاق». وصدق رحمه الله، فإنه رمى نفسه في الويل، أي خسارة الدنيا والآخرة. قال: «هذا العالم الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أن يستعاذ منه، هذا العالم الذي قال النبي فيه: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفع علمه"». وتقدم معنا أنه لم يصح بهذا اللفظ، كما أشار في تعليق في الصفحة التي مر معنا فيها الحديث. قال: «أخبرنا أبو بكر قال: أنبأنا الفريابي قال: أنبأنا قتيبة قال: أنبأنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أخيه عباد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الأربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع"». وهو حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والشاهد أن هذه الصفات إذا وجدت كانت علامة القسوة والقذلان، ولا يليق ذلك بمسلم، فضلًا عن من يحمل العلم. فالعلم إنما هو وسيلة، والغاية هو العمل، فإذا لم ينفع العلم صاحبه فيعمل به، فلا خير بالعلم، لأنه يكون حجة على صاحبه لا له. وهكذا القلب الذي لا يخشع، قلب طغى عليه الران، وأثرت عليه الذنوب، فالخشوع لا يأتي إلا بصفاء، والصفاء لا يأتي إلا بطاعة، فالطاعة تأتي بالصفاء، والصفاء يأتي بسلامة القلب، والخشوع فيه. وهكذا كذلك عدم الشبع، يعني بمعنى لا يقنع، لا يزال يطلب من الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن لابن آدم وادٍ من ذهب لأحب أن يكون له واديان»، إلى أن قال: «ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». وهكذا كذلك من دعاء لا يسمع، لأن له أسبابًا، فمن أسبابه الظلم، من أسبابه أكل الحرام، من أسبابه أكل أموال اليتامى ونحو ذلك. «رب أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟» كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «أخبرنا أبو بكر - هو الأجري نفسه - رحمه الله، قال: أنبأنا أبو بكر بن أبي داود - تقدم معنا وكل ما فيه بغير حق - قال: أنبأنا أحمد بن صالح المصري قال: أنبأنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني أسامة بن زيد أن محمد بن المنكدر حدثه أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عن الأنصاري - ورضي الله عنه - يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وأعوذ بك من علم لا ينفع". قال جابر: فأسرعت إلى أهلي فقلت لهم: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهؤلاء الكلمات، فادعوا بهن. والمعنى أنه فيه ما ينبغي أن يكون عليه المسلم - فضلًا عمن يحمل العلم - من الحرص على الدعاء بلسان الحال وبلسان المقال، فبلسان المقال إذا كررت: "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وأعوذ بك من علم لا ينفع"، فأنت تعان على ذلك من الله سبحانه وتعالى، ويلزمه أن تدعو بهذا الدعاء بلسان الحال، فبحالك لا تفعل ما ينافي العلم النافع، وهو أنك تعمل به وتحرص على الخير فيه. والعلم الذي لا ينفع الذي لا يعمل به ولا يحرص على الخير فيه، فإذا استحضر الإنسان هذا الدعاء وطبقه في حياته، وعينه العلم على العمل، وهذا هو المقصود. والحديث كما أشار بالتعليق أصله بصحيح مسلم، وبهذا اللفظ هو في مسند الإمام أحمد. قال رحمه الله: «آخر كتاب أخلاق العلماء، والحمد لله وحده، صلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه أجمعين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم ومن السامعين، وأن يجعل ما قرأنا حجة لنا لا علينا، وما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم».