شرح كتاب التوحيد 52

شرح كتاب التوحيد 52

الدرس في شرح كتاب التوحيد 52، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التعليق على القرآن والرقى والتمائم

درس يتناول حكم تعليق القرآن والتمائم والرقى، ويبين أن تعليق القرآن لا يجوز، وأن الرقى تجوز إذا كانت خالية من الشرك.

رخصة الرقية الشرعية وتفسيرها

المقطع يشرح رخصة الرقية الشرعية في الإسلام كما وردت في أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتناول العلماء معنى هذا الترخيص وتفسيره.

شروط نجاح الرقية وفاعليتها

الرقية الشرعية نافعة من كل داء ومرض، وقد استخدمها النبي لعلاج الصرع والمس، وشروط نجاحها صدق قصد المريض وتوكل المداوي على الله.

ختام الدرس والتأكيد على الصلاة

المقطع يشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى وأهمية الصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا حول ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى عن التمائم إن كانت من القرآن. وكان الصواب في هذا الباب ما ذهب إليه جماعة من السلف ومن المتأخرين من أئمة السنة والدين على أنها لا تجوز. وقد أشرنا إلى المعطيات التي ذكرت في هذا المقام، والتي تدل على أن التميمة إن كانت من القرآن فهي ما ينبغي، وأن الإنسان يجتنبها. ومن ثم، إخواني في الله، بعد هذا الترجيح والبيان، ننبه على بعض المسائل التي مما تدخل في حكم الباب. فمن هذه المسائل، إخواني في الله، مثلاً ما يفعله بعض الناس من جعل القرآن تحت الوسادة. بعض الناس كعقيدة، إذا أراد أن يحفظ نفسه أو أراد أن يحفظ أحد أولاده، يجعل المصحف تحت وسادته، هذا لا يجوز. ومثل ذلك أيضًا من يعلق شيئًا من القرآن في بيته. تجد أحيانًا الكثير من الناس من يجعل في صالته، أي في غرفة الاستقبال، يجعل آية الكرسي أو يجعل المعوذات أو سورة الإخلاص، ماذا يريد؟ يقول: يا أخي، أحفظ البيت، هذا لا يجوز. ومثله أيضًا من يأتي إلى مصحف ثم يغطيه تغطية تامة، ثم يجعله في رف ويتركه على مضي الأيام والليالي وعلى مضي الأزمان. لماذا فعلت ذلك؟ يقول: أحفظ البيت، لا يقرأه، بل هو قد غلفه وأطبق عليه بالغلاف، إنما همه وقصده أن يجعل هذا القرآن موجودًا في البيت، لا يخرج عنه، ولا بالمقابل يقرأ منه، هذا كذلك مما لا يجوز. ومثله من يتعمد إلى شراء بعض المصاحف الصغيرة جدًا، مصاحف صغيرة جدًا، فيجعلها في شيء يعلق به، ثم يجعله مثلاً على سيارته. تجده مدلدل أمامك، أيها الراكب، تجد قرآن صغير. ومنهم من لم يضفر بهذا، يأتي بقرآن كبير، يجعله في المقدمة. لماذا تفعل ذلك؟ لماذا تعلق هذا؟ قال: أحفظ البيت، أحفظ السيارة، كل هذا لا يجوز. فالقرآن، إخواني في الله، حقه أن يقرأ، حقه أن يعمل به. هكذا يكون حفظك بالقرآن، يحفظك الله بالقرآن، بأن تعمل به، بأن تقرأ منه. أما أنك تعلقه فقط هنا وهنا وهنا، تجعله تحت رأسك، تحت وسادتك، لهذا يا عبد الله، مما لا ينبغي، ولا تفعل ذلك. فإذا كان كذلك، إخواني في الله، إذا كان هذا الحكم الآن يدور على هذه التعلقات التي هي من كلام الله، ومع ذلك لا تجوز، فما ظنك بما سوى ذلك؟ ما ظنك يا عبد الله بالذي يعلق الطلاسم، بالذي يعلق الحروز؟ ماذا نقول في حقه؟ أو من ربما يأتي بحب السوداء كما يفعله بعض العامة، فيجعلها ثم يعلقها، ماذا نقول في أمره؟ إذا نحن نقول: ها نحن نقول بأن التعليق بالقرآن ما يجوز، فما ظنك بما دونه؟ فهذه التعلقات، يا عبد الله، لا ينبغي لأي مسلم أن يتعلق بها. وهذا وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الرقى والتمائم والتيولة شرك»، فلا تفعل شيئًا مما يعلق على الصدور أو يعلق على الأبدان أو يعلق على الكائنات والجمادات، هذا مما ينبغي أن يكون بعين الاعتبار. ثم قال المؤلف رحمه الله: «والرقى هي التي تسمى العزائم». لما انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر ما معنى التمائم، وأشرنا إليها، والخلاف الحاصل إذا كانت تميمة من القرآن، انتقل الآن إلى بيان مسألة: ما هي الرقية؟ فقال الإمام المجدد رحمه الله: «والرقى هي التي تسمى العزائم»، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك. ومر معنى أن الرقية عبارة عن أذكار وأوراد، تلاوة تكون مصحوبة بالنفس، ومعها أحيانًا المسح. الرقية أجازها الشرع بشرط أن تكون خالية من الشرك. فالرقية تكون بأسماء الله وآياته وصفاته، وبما فيه التوسل بآلاء الله جل وعلا. أما إن كانت الرقية مبنية على الشرك، كان فيها الاستغاثة بالجان أو الاستغاثة بالعفاريت أو طلب المدد من أحد من خلق الله، فهذه رقية شركية لا تجوز. والدليل على ذلك ما جاء في حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كُنا نَرقِي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا». طلب نبينا أن الرقى تعرض عليه، فينظر فيها ويستمع لما تقوم عليه، ثم أتى بالقاعدة: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا»، فلهذا من شرط الرقية، يا عبد الله، ألا تكون شركية. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: «فقد رخص فيه رسول الله من العين والحمة». رخص أي أن النبي رخص في الرقية ما كانت من العين والحمة. وهذا الدليل دليلهما جاء موقوفًا من حديث حذيفة في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا رقية إلا من عين أو حمى». وجاء ذلك كذلك مرفوعًا، أي من قول رسول الله، عند ابن ماجة، إلا أنه من طريق أبي جعفر الرازي، وفيه ضعف. وجاء كذلك بإسناد صحيح، رواه مسلم، من حديث أنس، قال: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والحمى والنملة». والنملة هي قروح تظهر في الجنب. هنا الرقية نافعة لها. فشاهد أن هذا الحديث مما دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من العين والحمى. ما هي العين؟ العين هو المريض الذي يصاب بمرض أو تغير في نفسه بسبب نظرة العائن. والعين حق كما قال عليه الصلاة والسلام. فهذا معيون، ضرب بعين صاحبه، صاحب عين. والثاني الحمى، والحمى المقصود بها من لدغ بذوات السموم، من لدغ بذوات السموم. هناك من الهوام ومن الحشرات ما تحمل سمًا كالعقرب، فإذا قرصت فإن قرصتها مؤذية، مؤلمة جدًا، لماذا؟ لسمها. هذه تسمى حمى. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام ورخص نبينا أن الرقية تكون لأجل العين وتكون لأجل ذوات السموم. هنا السؤال: هل معنى هذا أن الرقية ما تنفع إلا في هذين البابين؟ الجواب: لا. كما سيأتي معنا، الجواب: لا. إذا ما قصده عليه الصلاة والسلام حين قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة»، حمل العلماء هذا الحديث على عدة محامل. المحمل الأول قال العلماء: أي أنه ما هناك علاج نافع وناجح في إزالة أثر العين وفي إذهاب أثر السم بمثل الرقية الشرعية. فالرقية نافعة، إلا أنها في هذين البابين أشد نفعًا. هذا المحمل الأول، فتحمل الحديث على الأفضلية. الفائدة الثانية قال العلماء: أن هذا عند الطلب. مرة معنى تذكرون في باب الرقية أن الإنسان الأصل أنه لا يطلب الرقية، لا يسترقي، وإنما يرقي نفسه بنفسه. قال العلماء: إلا إذا أصبت بعين أو بلدغة، لك أن تطلب، لك أن تطلب. قال: وهذا هو معنى الحديث أن النبي رخص في رقية العين والحمى، أي في حين الطلب، لك أن تطلب الرقية لهذين البابين. هذا الوجه الثاني. الوجه الثالث من قال: بأن الحديث إنما كان في أول التشريع، أول ما جاءت الرخصة بالرقية، جاءت في هذين الأمرين، ثم بعد ذلك فتح المجال لغيرها من الأمراض. ولهذا، إخواني في الله، الرقية هي نافعة لكل مرض ولكل علة ولكل داء. والأحاديث الكثيرة تدل على ذلك. منها ما جاء في البخاري من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لأهل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة ومن الأذن. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: «أي من وجع الأذن». وجع الأذن ما من أحد إلا وقد يبتلى بهذا المرض، وخاصة في الظلام، يشتكي من أذنه. تريد العلاج يا عبد الله؟ الرقية ثبت هذا في البخاري، أذن نبينا بالرقية في وجع الأذن. ضع يدك يا عبد الله على الأذن المصابة، واقرأ عليها، واقرأ عليها، واقرأ عليها. فدل ذلك على أن الرقية تنفع في هذا الباب، في باب الأوجاع، ويدخل في ذلك وجع الأذن، يدخل في ذلك وجع الضرس، يدخل في ذلك وجع العين، يدخل في ذلك الصداع، وما يصاب به الرأس من دوران، ينفع في أي مرض. وكذلك مما يدل على العموم ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد، اشتكيت؟» اشتكيت، أي أصيبك ما يكون منه الشكوى، أي من وجع وألم. قال: «نعم». فقال جبريل عليه السلام: «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك». هذه رقية جبريل عليه السلام لرسول الله. الشاهد منها في قول جبريل: «من كل شيء يؤذيك، بسم الله أرقيك»، فذكر أن الرقية تنفع من كل داء ومن كل مرض. فهي ليست خاصة في العين أو الحمى، بل في العين والحمى، وفي كل وجع، وفي كل إصابة أصبت بها يا عبد الله، فإن الرقية نافعة. وكذلك مما يؤيد العموم ما جاء في قراءة النبي أو في قصة المرأة التي أتت بصبي لها، وكان به لمم، أي به صرع. فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام عندما أرادت المرأة من نبينا أن يقرأ على ابنها المصروع: «أخرج عدو الله»، يخاطب ماذا؟ يخاطب هذا الجن الذي سكن في جسد الصبي. «أخرج عدو الله»، قالت المرأة: «فبرئ الصبي». والحديث رواه الحاكم وأحمد في مسنده. فهذا الحديث كذلك بالقراءة، النبي صلى الله عليه وسلم كان علاج الصبي. وتأمل يا عبد الله في حوار النبي مع الممسوس، مع المصروع، ما أجرى معه حوارًا، أخذ وعطاء، كما بلغنا عن بعض الناس، للأسف، لربما إذا قرأ على بعض المصروعين وعلى بعض الممسوسين، فإذا تكلم المصروع، قام وأجرى معه حوارًا: «أنت كيف دخلت؟ ومن الذي أرسلك؟ ومن معك؟» ويأتي هذا الشيطان اللعين، وهذا العفريت البغيض، ويتكلم بماذا؟ هل يتكلم بالحقائق؟ لا، يتكلم بالترهات، يتكلم بالأراجيف، يتكلم بالأكاذيب، حتى وقعت من المشاكل ما الله به عليم. أن يأتي هذا الجان فيعترف أن الذي أرسل فلان، وهو من أخيرة خلق الله، ومن أصلح عباد الله، لكن لكي يوقع العداوة بين أهل المريض، مع ذلكم الأسرة، من أسرة الرجل الصالح، وكم دب الخلاف، كل ذلك يا عبد الله خروج عن المنهاج النبوي. نبينا ما كان يجري حوارًا مع الجان: «من أنت؟ من الذي أرسلك؟» كلمة واحدة لقنها نبينا لهم: «أخرج عدو الله»، «أخرج»، «أخرج»، ما لك بقاء في هذا الجسد. حوار بعد ذلك تريد أن تناجر؟ «أخرج» أولاً، ثم حاضر في مكان آخر. فالشاهد، إخواني في الله، في هذا الحديث كذلك أن النبي استخدم الرقية في باب إزالة الصرع، وهكذا إزالة المس. فالشاهد، إخواني في الله، فالأدلة كثيرة تدل على أن مجال الرقية مجال واسع، فهو علاج، يا عبد الله، جعله الله بين أيدينا، جعله الله بين أيدينا. إن استطعت يا عبد الله أن ترقي نفسك بنفسك، أو أن تجعل أحدًا يرقيك، أو يرقي من ابتلي من أهلك بإصابات عين، حسد، مرض، علة. قد يقول قائل: لكن يا أخي، كم وكم جربنا الرقى، لكنها ما نفعت. نقول: صدق الله، وكذب بطن أخيه، كما جاء في مسلم. وفاء إذا ذكرها الحافظ ابن حجر، أختم بها المقام، عندما تكلم الحافظ رحمه الله تعالى عن أثر الرقية في علاج الأبدان والأجساد والأرواح والنفوس، وأن أعظم تأثيرًا من الأدوية والعقاقير، قال: «فإنها ناجحة بأمرين»، وانتبه لهذه الشروط التي افتقدناها، فبفقدانها افتقدنا الأثر للرقى الشرعية. قال رحمه الله تعالى: «فإنها تنجح بأمرين، أحدهما من جهة العليل، من جهة المريض، وهو صدق القصد»، صدق القصد. «والآخر من جهة المداوي، وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل». إذا وجد هذا، وجد هذا، بين الطرفين، بين المريض وبين المداوي الراقي. إذا كان المريض يأتي ويطرق باب الرقية، وهو قاصد هذا الباب، يعلم أن شفاءه بيد الله، لأنه يأتي إلى باب الرقية، ويجعلها تجربة، إن نفعت نفعت، ما نفعت، ليس بضارة، يجعلها تجربة على المحك، لا، إنما تأتي وأنت موقن بأن الله جل وعلا قد جعل الشفاء في كلامه، وآياته، وقرآنه، وفي الرقية الشرعية، تأتي بهذه النية. فعلى جهة قصدك، زد على ذلك ما يكون من المداوي، أنه يأتي مع قوة يقينه وتوكله على ربه، لأنه يقرأ وهو ينظر إلى الريالات، وما الذي عسى أن تدفعه، أو يقرأ وهو مشغول، مشغول باله بمشوار، أو ذهاب يمين ويسار، متشتت في القراءة، لا، المداوي يحتاج إلى أن يصف النية، ويصف الذهن، فيجعل هذا العلاج ينزل على المرض. فبيتوكله، وقوة يقينه بربه، مع وجود الطرف عند المريض، وهو الصدق القصد مع الله، إذا اجتمع هذا واجتمع ذاك، يأتي النجاح، ويأتي العلاج. فالله سبحانه وتعالى قد جعل القرآن شفاء، «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ»، ولا ريب في هذا، ولا إشكال، لكن كما سمعنا، إخواني في الله، بالشروط الآن. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.