الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 57، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة اليهود والنصارى في صيام عاشوراء، واستحب العلماء صيام التاسع والعاشر. تحدد مواقيت الصوم والفطر بالرؤية لا بالحساب.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مشابهة اليهود والنصارى في أعيادهم وأزيائهم، ووردت أحاديث تحرم بعض الممارسات. ترك هذه الممارسات طاعة لله ورسوله ويحول دون الوقوع في المحظورات.
حذّر السلف من مشابهة اليهود في قسوة القلوب، وأشاروا إلى أن طول الأمد وترك العمل بما في القرآن يؤدي إلى قسوة القلب. كما روى عن قصة ذي القرنين وعلاقتها باختلاف بني إسرائيل.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، ففي سياق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في سياق العدالة التي تدل على تحريم التشبه بالكفار، خاصة أهل الكتاب، قال: وأيضًا عن أبي غطفان المري، وأبو غطفان المري ثقة من رجال مسلم، وهو أبو غطفان بن طريف، قال: عن ابن عباس قال: سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: حين صام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع». قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رواه مسلم في صحيحه. قال: وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا». ورواه سعيد بالإسناد، ولفظ: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده». قالوا: الحديث رواه ابن أبي ليلى، أي هذا الحديث الأخير. أما الحديث الأول فهو في صحيح مسلم، أما هذا فهو عند أحمد. قال رحمه الله: والحديث رواه ابن أبي ليلى، أي محمد بن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي ليلى وهو ضعيف. قال: عن داود بن علي عن أبيه عن جده بن عباس -داود بن علي بن هاشم بن عباس أو داود بن علي بن عبد الله بن عباس الحاشمي العباس- قال: عن داود بن علي عن أبيه عن جده بن عباس. وداود بن علي وإن كان هو ثقة، أو أنا أثني علي بعضها العلم، لكن في حفظه شيء، وقيل: أن هذه روايته عن أبيه عن جده هذه الرواية فيها أخطاء. قال: فالتدبر. قال: عن جده بن عباس، والحديث لا يصح. حديث صومه يومًا قبله ويومًا بعده لا يصح، لكن صح عن ابن عباس موقوفًا كما سيأتي. قال: ولهذا استحب العلماء، منهم الإمام أحمد، أن يصوم تأسوعًا وعاشورًا، وبذلك عللت الصحابة رضي الله عنهم. قال: سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمر بن دينار أنه سمع عطاء، وأنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما. وسفيان عن عمر بن دينار سمع عطاء غالبًا هذا التدليس، لكن إذا قال: أنه أو يقول سمعت عطاء، لكن صح هذا الحديث عن عطاء ابن عباس أو من كلام ابن عباس رضي الله عنه، أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: صوم التاسع والعاشر خالف اليهود. وأيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نقرأ ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا»، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين، رواه البخاري ومسلم. فوصف هذه الأمة -معنى الآن قبل هذا من المخالفات لأهل الكتاب- أن يصام التاسع مع العاشر، لكنه ليس من باب اللزوم، وإلا فمن أفرد عاشوراء يصح صومه. قال: ثم ذكر أيضًا قول النبي عليه الصلاة: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا»، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين، رواه البخاري ومسلم. فوصف هذه الأمة بترك الكتاب والحساب، أو الكتاب والحساب، ما هنا الكتاب أو الكتاب الذي يفعله غيرها من الأمة في أوقات عباداتهم وعيادهم، وحالها على الرؤية، حيث قال في غير حديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وهذا يدل على أن الحساب لا عبرة به. وفي رواية: «صوموا من الوضح إلى الوضح»، أي من الهلال إلى الهلال، وهذه رواية الطبراني، والظاهر أنها ليست في المطبوع، إنما أشار إليها السيوطي والله أعلم بإسنادها، أنا ليست موجودة في الطبراني المطبوع، وإنما ذكرها السيوطي في الجامع الصغير. قالوا: هذا دليل على ما أجمع عليه المسلمون إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين المسبوقين بالإجماع، من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما تقام بالرؤية عند إمكانها لا بالحساب. قالوا: إن هذا إجماع المسلمين، لكن هناك من خالف هذا الإجماع، خاصة بعض المتأخرين، وممن ذكره شيخ الإسلام وغيره ممن خالف في هذه المسألة ابن سريج الشافعي. وذكر شيخ الإسلام أن هناك من بعض السلف خالف، لكنه كلام ليس صريحًا، وهو كلام مطرف بن عبد الله. فالعبرة هو بالرؤية لا بالحساب. قالوا: إنما تقام بالرؤية عند إمكانها لا بالكتاب والحساب الذي تسلكه عجم من الروم والفرس والقبط والهند وأهل الكتاب اليهود والنصارى. وقد روي عن غير واحد من أهل العلم أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية أيضًا في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك قوله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ولكن أهل الكتابين بدلوا. قال الشيخ: أن بعض العلم ذكر أن أهل الكتابين اليهود والنصارى أيضًا أمروا بالرؤية، لكن بدلوا الحكم. قالوا: لهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تقدم رمضان باليوم واليومين، وعلى الفقهاء أن يفقهوا ذلك بما يخاف من أن يزاد في الصوم المفروض ما ليس منه، كما زاده أهل الكتاب من النصارى، فإنهم زادوا في صومهم وجعلوه بين الشتاء والصيف، وجعلوا له طريقة من الحساب يتعرفون بها. وهذا كله من تبديل شرع الله عز وجل. قالوا: قد يستدلون بهذا الحديث على خصوص النهي عن عيدهم، فإن عيدهم معلوم بالكتاب والحساب. والحديث فيه عموم في النهي عن عيادهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نسب هذه الأمة إلى عدم الكتاب والحساب، فلهذا فهي لا تعتد بالحساب. قالوا: نهينا عن ذلك في وعيد الله ورسوله، ففي غيرها من الأعياد والمواسم أولى وأحرى، ولما في ذلك من مضارعة الأمة الأمية سائر الأمم. وبالجملة، فالحديث يقتضي اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها، وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم أقرب إلى حصول الوفاء بالاختصاص، أن يحاول المسلم أنه لا يقلد أحدًا من اليهود والنصارى، فكلما ابتعد الناس عن هذا كلما قربوا من الله جل وعلا. قالوا: أيضًا، ففي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية عام حج على المنبر، العام الذي حج فيه، سمعه يقول على المنبر: «وتناول قصة من شعر»، والقصة معنى القطعة من الشعر. وكان في يد حرس -معنى الحرس الذي يتولى الحراسة- فقال: «يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أو ينهى عن مثل هذا»، ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم». والمراد به الوصل، المراد به وصل الشعر. فمعاوية روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن وصل الشعر، وأنه أهلك بني إسرائيل هذا. وفي رواية سعيد بن المسيب الصحيح: أن معاوية قال ذات يوم: «إنكم أحدثتم زورًا سوء، وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور». قال: وجاء رجل بعصة على رأسها خلقة، قال معاوية: ألا وهذا الزور؟ قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء شعورهن من الخرق. والصحيح كما ذكر قتادة: أن كلما كثرت المرأة رأسها به اعتبر من الوصل، ولو لم يكن شعرًا. وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الوصال، أو قال: نهى أن يوصل الشعر بشيء، أو نهى عن الوصال، وهو أن يوصل الشعر بشيء، ولم يذكر شعرًا، إنما ذكر أو يوصل بشيء حتى يكبر. فكل ما عمل بذلك، أي وضع في الرأس لأجل أن يكبر الشعر ويظهر أمام الناس أنه كبير، فهو من الزور، وهو أيضًا من الكذب الذي لا يجوز أن يفعله مثله. قال: وإن الله النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور. قال: وجاء رجل بعص على رأس خرقة، قال: ألا وهذا الزور؟ قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء شعورهن من الخرق. قال: في رواية عن ابن المسيب الصحيح: قال: قدم معاوية المدينة، فقمنا وأخرج كبة من شعر -الكبة معنى الشيء المجتمع كبة من شعر- فقال: «ما كنت أرى أن أحدًا يفعله إلا اليهود». إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه، فسماه الزور، أي هذا الوصل. قال: فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن وصل الشعر أن بني إسرائيل هلكوا حين أحدثه نساؤهم، يحذر أمته من ذلك. ولهذا قال معاوية: «ما كنت أرى أن أحدًا يفعله إلا اليهود». فعلى الآن انتشر هذا الوصال وانتشر في الناس الشر والعياذ بالله. قال: فما كان من زي اليهود الذي لم يكن عليه المسلمون، إما أن يكون مما يعذبون عليه أو مضنة لذلك، أو يكون تركه حسما لمادة ما عذبوا عليه، لا سيما إذا لم يتميز ما هو الذي عذبوا عليه من غيره، فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره فيترك الجميع. كما أن ما يخبرون به لما اشتبه صدقه بكذبه ترك الجميع. ما نترك الجميع، كل ما اختص به اليهود أو النصارى، فإنه يترك، ولو كان شيء من اللباس وغيره. قال: وأيضًا ما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو قال عمر: إذا كان لحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر به، ولا يجتمل اجتمال اليهود». رواه أبو داود وغيره بسناد صحيح. وهذا كما قال المؤلف رحمه الله: سناده صحيح، إلا أنه اختلف فيه على نافع، حيانًا يقول: عن عبد الله بن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحيانًا يقول: عن ابن عمر عن النبي، وحيانًا يقول: عن ابن عمر عن عمر. أن يقف على عمر. وقال نافع في بعض رواياته -أي هذا الحديث- ولو شئت لقلت أن عبد الله بن عمر كان يرفعه عن نبيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أن هذا الاختلاف من نافع، لكنه رأى أن هذا رفع، فالحديث صحيح ومرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا المعنى صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جابر وغيره، أنه أمر في الثوب الضيق بالاتزار دون الاجتمال، وهذا في الصحيحين، لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الثوب واسعًا قال: «إن كان واسعًا فليلتحف به، وإن كان ضيقًا فليشتمل به»، أو قال: «إن كان واسعًا فليشتمل به، وإن كان ضيقًا فليتزر به». إذا كان ضيقًا فليتزر به حتى لا ينكشف عورته. قال: وقال جمهور العلم في مذهب أحمد قولان. وإنما الغرض فقه المسأ، أنه أن اجتمال الصماء أو اجتمال اليهود لا يجوز فعله في الصلاة، وهو أن التف بثوب واحد لا يخرج منه يدا ولا شيء، فهذا فسره العلماء بهذا، كما ذكر أبو عبيد وغيره. قال: وإنما الغرض أنه قال: «لا يجتمل اجتمال اليهود». فإن إضافة المنهي عنه إلى اليهود دليل على أن لهذه الإضافة تأثيرًا في النهي، كما تقدم التنبيه عليه. وأيضًا مما نهى الله سبحانه فيه عن مشابهة أهل الكتاب، وكان حقه أن يقدم في دلائل الكتاب قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. فقوله: «ولا يكون مثلهم» نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضًا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم. وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي، فهذا يكون أيضًا مما اختص به. قال: وقد وصف الله سبحانه بها اليهود في غير موضع، أي قسوة القلوب، مثل قوله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا قَسَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ الآيات إلى قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. قال: فلهذا ذكر الله عز وجل أن هذه صفة لازمة في اليهود، قلوبهم قاسية، حتى وصفها أشد بالحجارة. قال: وأن قومًا من هذه الأمة -من ينسى بلا علم أو دين- قد أخذوا من هذه الصفات بنصيب، يرى ذلك من له بصيرة. فنعود بالله من كل ما يكرهه الله ورسوله. ولهذا كان السلف يحذرون من هذا، لأنه قسوة للقلوب. قال: فروى البخاري في صحيح النبي صلى الله عليه وسلم: أن أبا موسى كتب إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليهم ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: «أنتم خيار أهل البصرة وقراءهم، فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم». وإنا كنا نقرأ سورة سورة، كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: ﴿لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ﴾. قال: لو كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بأحدى المسبحات -يريد هذه السورة تشبه بالتوبة- وذكر بعضهم أنها قوله جل وعلا في الآيات في بعض الآيات أنها كانت تقرأ في سورة الأحزاب، من قال: في سورة التوبة، وهو قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَمُغِىَ إِلَيْهِمَا ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ﴾. قال: غير أني حفظت منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كُبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: «فكتب شهادة في أعناقهم، فتسألون عنها يوم القيامة». فحذر أبو موسى القراء عن أن يطول عليهم الأمد فتقسوا قلوبهم، أنا نصحهم لأنهم يلازمون القراءة حتى لا تقسوا قلوبهم. قال: ثم لما كان نقض الميثاق يدخل فيه نقض ما عهد إليهم من الأمر والنهي، وتحريف الكلم عن مواضعه بتبديل وتأويل كتاب الله، أخبر ابن مسعود بما يشبه ذلك. لما كان نقض الميثاق يدخل فيه نقض ما عهد إليهم من الأمر والنهي وتحريف الكلم عن مواضعه -أي عن اليهود- فروى لعمش عن عمارة بن عمير، وتميمي كوفي من أصحاب عبد الله بن مسعود، عن الربيع بن عميلة الفزاري قال: حدثنا عبد الله -وهو ابن مسعود- حديثًا ما سمعت حديثًا هو أحسن منه إلا كتاب الله أو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابًا من عند أنفسهم، اشتهته قلوبهم واستحلته أنفسهم. وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. فقالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فاقتلوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم. ثم قالوا: لا بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم -والظاهر أنه عبد الله بن صور- فأعرضوا عليه هذا الكتاب. فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم بعده أحد. فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم جعلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم، فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومأ إلى صدره، فقال: آمنت بهذا -أنا هذه تدليس، أنا يريد أن يدلس- فآمن بهذه الورقة الذي كتبها. قال: أتؤمن بهذا؟ قال: فأومأ إلى صدره، فقال: آمنت بهذا، وما لي لا أؤمن بهذا؟ يعني الكتاب الذي في القرن. فخلوا سبيله. وكان له أصحاب يغشونه أو يغشونه. فلما مات نبشوه، فوجدوا القرن، فوجدوا فيه الكتاب، فقالوا: ألا ترون قوله: «آمنت بهذا، وما لي لا أؤمن بهذا؟» إنما يعني هذا الكتاب. فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم أصحاب دي القرنين أو دي القرن. قال عبد الله: وإن من بقي منكم سيرى منكرًا، وبحسب مرء ما يرى منكرًا لا يستطيع أن يغيره، أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وهذا سياق لهذا الحديث الذي ذكره الطبري وغيره في تفسير قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. وإسناده لابن مسعود موقوفًا. قال: وقد صرح طبري -إن شاء الله- نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.