الدرس في كتاب الإيمان 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الحديث النبوي أهمية حب الخير للآخرين كشرط لكمال الإيمان، ويشمل هذا الحب جميع المسلمين ويعم مختلف جوانب الحياة. هذا الحب يدل على سلامة القلب من الحسد والبغضاء.
يؤكد الحديث على أهمية محبة المسلم الخير لأخيه كما يحبه لنفسه، ويعتبر ذلك من كمال الإيمان. كما يشدد على ضرورة تأمين الجار من الأذى.
الحديث النبوي يحذر من عواقب عدم إبعاد الأذى عن الجار، ويبين أن من يأكل لحم الإبل عالما بتحريمه يعتبر عاصيا مذنبا تحت مشيئة الله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، هذا هؤلاء الرواة، ونفس السند هو نفسه الذي قبله، محمد بن المثنى، أبو موسى العنسي، وابن بشار اسمه محمد، لقبه مندار. قال حدثنا محمد بن جعفر، هذا مرة معنا كثير تكراره، محمد بن جعفر لقبه غندر. قال حدثنا شعبة، وابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، قال سمعت قتادة، وابن دعامة، أبو الخطاب السدوسي، يحدث عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، أو قال لجاره، ما يحب لنفسه». قال: وحدثني زهير بن حرب، أبو خيثمة، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن حسين المعلم، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره، أو قال لأخيه، ما يحب لنفسه». عندنا في هذه الرواية: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، أو قال لجاره»، أشار الإمام النووي رحمه الله إلى أن الرواية هنا بالشك «لأخيه أو لجاره»، وفي صحيح البخاري وغيره «لأخيه» من غير شك، يعني لم يذكر الجار: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». هذا الحديث ينفي فيه النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان، النفي هنا نفي لكمال الإيمان، نفي لكمال الإيمان. لا يؤمن أحدكم يعني الإيمان التام والكامل، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أو قال لجاره، الجار يدخل في عموم الأخ الإخوة، حتى يحب لأخيه يدخل فيه الجار، ويدخل فيه الصديق، ويدخل فيه كذلك الأخ من النسب، ويدخل فيه القريب إلى آخره من عموم المسلمين. ما يحب لنفسه، أي أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهذا عام، لفظ عام يشمل كل شيء تحبه لنفسك. فمن كمال الإيمان أن تحبه لغيرك، أن تحبه لغيرك، أنت تحب لنفسك الإيمان والهداية والاستقامة، فمن كمال الإيمان أن تحبها لغيرك، تحب لنفسك أن تكون ذا علم ومتطلع بالعلم، كذلك تحب هذا الأمر لغيرك، تحب لنفسك مثلا الصحة والعافية، وكذلك أيضا أن تكون مستور الحال، أو أن تكون غنيا مثلا، أو أن تكون على أي حال من الأحوال الطيبة، سواء كانت دينية أو دنيوية، فمن كمال الإيمان أنك تحبها لغيرك. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهذا يدل على سلامة القلب من الحسد والبغضاء والحقد. فإذا سلم القلب من ذلك، ما ضره أن ينال أخوه ما ناله، وأن يصيب أخاه ما أصابه، ما يضره ذلك إذا كان القلب سليما. وأما إذا كان القلب مريضا، إذا كان القلب مريضا فإنه يكره أن يكون لأخيه مثل ما يكون له، بسبب الحسد والبغضاء والغل الذي في قلبه، عافانا الله سبحانه وتعالى وإياكم من ذلك. فمن كمال الإيمان أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، أو قال لجاره، ما يحب لنفسه. فإذا لم يكن ذلك، يعني كرهت أن يصيب أخاك شيء مما تحبه نفسك، ما تحب أن يكون له، فاعلم أن في قلبك دغلا، وأن في قلبك مرضا، هذا دليل على ضعف إيمانك وعدم كماله وعدم تمامه. أما إذا كان قلبك سليما من هذه الأمور وهذه الأمراض، ولم تبالي بما يناله أخوك مما ينال مما تحبه نفسك، فاعلم أن هذا من كمال الإيمان، أن هذا من كمال الإيمان. وفي الرواية الأخرى: «والذي نفسي بيده»، وهذا قسم بالله سبحانه وتعالى، لأن الذي بيده أنفسنا هو الله، الذي بيده أنفسنا هو الله، فهذا حلف يصف من صفات الله سبحانه وتعالى، وفيه جواز الاستحلاف أو الحلف بالله من غير استحلاف، يعني من غير أن يستحلف، كأحد أن تحلف، يجوز أن تحلف ابتداء إذا كان في ذلك حاجة من تأكيد الأمر، وكذلك أيضا تبين لأهميته، فهذا جائز. قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره، أو قال لأخيه، ما يحب لنفسه». لا يؤمن عبد، يعني الإيمان الكامل والإيمان التام، وإلا لو كره شيء من ذلك، يعني أن ينال أخوه شيء مما يحبه لنفسه، ليس معنى هذا أنه كافر، لا، لكن هو ناقص الإيمان، وغير كامل الإيمان. قال: حدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، جميعا عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب حدثنا إسماعيل، قال أخبرني العلاء، ومن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه». هذا الحديث النبي عليه الصلاة والسلام ينفي دخول الجنة على من لا يأمن جاره بوائقه، البوائق يعني الشرور، الأمور التي يتأذى منها الجار. فإذا كان الجار لا يبعد أذيته وشره عن جاره، فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر أنه لا يدخل الجنة، والمراد بنفي الدخول أي لا يدخل ابتداء مع من يدخل الجنة، بل يؤخر، ويبقى يحاسبه الله ويعاقبه الله إذا شاء جل وعلا على هذا الذنب وهذه المعصية في أذية جاره. فالنبي عليه الصلاة والسلام نفى عنه دخول الجنة، أي ابتداء، وصاحب الكبيرة وصاحب الذنب، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، أنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. وهذا الحديث فيه وعيد، فيه وعيد لمن كان على هذا الحال، لا يبعد بوائقه عن جاره، فهو لا يدخل الجنة ابتداء، كما أخبر عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه». وهذه البوائق والشرور التي يجب على الجار إبعادها عن جاره، سواء كان أمرا قوليا أو كان فعليا، أمرا قوليا أو كان فعليا، القول باللسان من سب والشتم ولعن وطعن، هذه من الأذية التي يجب أن يبعدها الجار عن جاره. والأمور الفعلية من أذيته، سواء كان بيده يؤذي جاره مثلا باعتداء، أو كذلك يلقي بعض الأشياء مثلا عند جاره أو عند باب جاره من قمامة أو مخلفات أو شيء من ذلك، أو مثلا يرسل أولاده من أجل أن يؤذي الجار، أن يصيح وكذا من أجل أن يؤذي هذا الجار، أو كذلك أيضا أن يتطلع على عورات الجار، هذه من الأذية، هذه من الأذية التي ينبغي أن يبعدها الجار عن جاره. وغير ذلك من أنواع الأذية. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أوصى بالإحسان إلى الجار. قال جبريل: أوصاني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. من كثرة الوصية ظن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيجعل نصيبا للجار من الإرث إذا مات فيرثه جاره. لأن إذا كثرت أذية الجار لجاره لم تطب الحياة للجار، يبقى الجار في نكد في تنغص في حياته بسبب أذية جاره، ورما بعد ذلك اضطر أن يبيع بيته بأرخص الأثمان، بأرخص الأثمان وأزهدها بسبب هذا الجار. كما قال القائل: يلومونني أن بعته بالرخص منزلي ... وما علموا جارا هناك ينغصه فقلت دعوا الملامة فإنها بجيرانها ... تغلو الديار وترخص باع بيته بثمن رخيص، فلامه الناس لماذا بعت بيتك رخيص، وما علموا أن هناك جار ينغص أذية وبلاء ومصيبة ومصائب. وما علموا جارا هناك ينغصه، فقلت دعوا الملامة لا تلوموني على ذلك، فبجيرانها تغلو الديار وترخص. نعم، وهذا كما قيل: الجار قبل الدار، الجار قبل الدار. وما يتعلق بالكلام على الجار كلام كثير، وكذلك أحاديث كثيرة، وأمور كثيرة. المقصود في هذا الحديث بيان لهذا الوعيد الذي يتعلق بمن لم يبعد شره من جاره، أنه لا يدخل الجنة، والمعنى كما ذكرنا لا يدخلها ابتداء، لأنه يؤخر ويكون تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. وأما إن استحل إن استحل أذية الجار، فإنه يكفر بذلك، يكفر بذلك، ويكون قوله: «لا يدخل الجنة» على ظاهره، أنه محروم من دخول الجنة، إذا اعتقد حل أذية الجار، وأن هذا أمر حلال ليس بحرام، هذا كفر، هذا كفر، ويكون الحديث على ظاهره: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جار بوائقه» على ظاهره، لا يدخل حقيقة. لكن إن فعل ذلك من غير استحلال، من باب يعني فعل الذنب والمعصية والفسق، مع علمه بالتحريم، فهذا عاصي مذنب، وهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.