الدرس في كتاب الإيمان 80، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيره من الغش لرعية المسلمين، حيث حرم الله الجنة على من يموت وهو غاش لرعيته. وقد روى هذا الحديث معقل بن يسار المزني لعبيد الله بن زياد أثناء مرضه.
يتناول المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول مسؤولية الراعي تجاه رعيته، ويشرح معنى الحديث وشموليته لجميع أنواع المسؤوليات، ويُبيّن جواز كتم بعض الأحاديث إذا كان في الإفصاح عنها فتنة.
النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الغش في الرعية وعدم القيام بالمسؤولية، ويبين أن طلب الولاية أمانة يجب القيام بها، وأن من لم يقم بها يكون مؤاخذا يوم القيامة، كما يشير إلى أن قبول المسؤولية بدون طلب أفضل من طلبها.
صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، بكتاب الإيمان: حدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا أبو الأشهب عن الحسن -وهم أبو الحسن البصري- قال: عاد عبيد الله بن زياد معقل بن يسار المزني، وهو صحابي، في مرضه الذي مات فيه. قال معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو علمت أن لي حياة ما حدثتك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة». قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا يزيد بن زريع عن يونس عن الحسن، قال: دخل عبيد الله بن زياد على معقل بن يسار وهو وجع، فسأله، فقال: إني محدثك حديثا لما كنت حدثتك به، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسترعي الله عبدا رعية يموت حين يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة». قال: ألا كنت حدثتني هذا قبل اليوم؟ قال: ما حدثتك، أو لم أكن لأحدثك. قال: وحدثني القاسم بن زكريا، قال: حدثنا حسين عن الجعفي عن زائدة عن هشام، قال: قال الحسن: كنا عند معقل بن يسار نعوده، فجاء عبيد الله بن زياد، فقال له معقل: إني سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر بمعنى حديثهما. قال: وحدثنا أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي عن قتادة عن أبي المليح، أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه، فقال له معقل: إني محدثك بحديث، لولا أني في الموت لم أحدثك به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة». هذا الحديث، بواب عليه الإمام النووي رحمه الله، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار. ذكر في حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أن عبيد الله بن زياد عاده في مرضه الذي مات فيه، أي مرض الموت، فذكر له هذا الحديث. قالوا: علمت أن لي حياة ما حدثتك، وفي لفظ: أنه قال: «لولا أني في الموت لم أحدثك». والسبب في ذلك كما ذكر النووي رحمه الله: أنه خاف أن يحدثه قبل ذلك فيكون هذا الحديث فتنة عليه، فيزيد شره، فلذلك كتم هذا الحديث حتى ألم به مرض الموت فحدث به. وهذا من باب كتم شيء من العلم إذا كان في الإخبار به فتنة لبعض الناس. وفي أثر عمر: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة». إذا كانت عقولهم لا تدرك -يعني- معنى هذا الحديث، أو ربما يفهمونه الفهم الخاطئ فيكون فتنة عليهم، فلا بأس بكتم هذا الحديث عنهم، والتحديث به في الوقت المناسب. وأبو هريرة رضي الله عنه أمسك عن التحديث بكثير من الأحاديث في زمن بني أمية، وقال: «لو حدثت بها لقطعت عنقي»، أو معنى كلامه رضي الله عنه. فذكر هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة». ما من عبد يسترعيه الله رعية -يعني- يجعله راعيا على الناس، ووالي عليهم، ومسؤول عنهم، سواء كان رئيسا أو حاكما أو وزيرا أو ما هو دون ذلك من المسؤوليات التي يكون الإنسان فيها -يعني- راعيا على من تحته. قال: يوم يموت وهو غاش لرعيته -يعني- لم ينصحهم ولم يأمرهم ولم ينههم ولم يوجههم إلى طريق الصواب، ويحذرهم من طريق الغواية والخطأ. وفي اللفظ الآخر: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح» -يعني- يبذل جهده في إيصال الخير لهم ودفع الشر عنهم، ويكون ناصحا لهم. وهذا يشمل أيضا الإدارات الحكومية التي يكون فيها المسؤول الرئيس والمدير، فهو مسؤول على من تحته. المدرسة مثلا، مدير المدرسة يعتبر راعيا على من في المدرسة. الوالد راع على أهل بيته ومسؤول عنهم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد» -وعبد نكرة في سياق النفي تفيد العموم- فيشمل كل من استرعاه الله عز وجل رعية. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والأمير راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». قال: يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، غاش لهم بمعنى لم ينصح، لم يكن أمينا عليهم بإيصال الخير لهم ونفعهم وإزالة الضرر عنهم، بل غشهم وخادعهم ولبس عليهم وكذب. فهذا قال نبي عليه الصلاة والسلام: «إلا حرم الله عليه الجنة». إلا حرم الله عليه الجنة -يعني- إما تحريما أبديا، وذلك إذا وقع منه شيء من الاستحلال الذي يوجب الكفر، أو يكون المراد حرم الله عليه الجنة أن يدخلها دخولا أوليا مع أهل الإيمان، بل يحرم ويمنع من ذلك، ويحبس عن دخولها إلا بعد أن يكون تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وعاقبه، وإن شاء غفر له. لكنه لا يدخل الجنة مع السابقين والفائزين. وهذا وعيد في حق من ولاه الله عز وجل ولاية ثم لم يقم بما يجب عليه فيها. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يحذر من طلب المسؤوليات والولاية، قال: «يا بذر، يا بذر، إني أراك ضعيفا، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة» -يعني- طلب الولاية والمسؤولية أمانة، أمانة إن لم تقم بها كنت مؤاخذا ومحاسبا. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن عوف: «لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» -يعني- إذا جاءت إليك من غير سؤال فلا بأس أن تقبلها، ويعينك الله سبحانه وتعالى. أما أن تبحث أنت عنها وتحرص على الوصول إليها فهنا فإنك توكل إلى نفسك، وفي الغالب ما توفق، ما توفق بالقيام بما يجب أن تقوم به. وهذا في كل المسؤوليات، سواء كان في الإمارة الكبرى والرئاسة والحكم، أو ما كان دون ذلك من المسؤوليات، أو كذلك في الإمامة أو نحو ذلك. فأنت تحرص على أنك لا تسأل شيئا من المسؤوليات، وإذا جاءت إليك ووكلت بها أعانك الله سبحانه وتعالى على القيام بها. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد آله وصحبه أجمعين.