الدرس في كتاب الإيمان 78، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تناول المقطع نزاعًا على أرض بين رجلين أمام النبي، حيث طلب من المدعي البينة ولم تكن موجودة، فأمر المدعى عليه باليمين. النبي حذر من عواقب الحلف ظلمًا.
المقطع يشرح كيفية التعامل مع الخصومات، حيث يُطلب من المدعي البينة ومن المدعى عليه اليمين، مع قبول اليمين حتى لو كان غير صادق، والعفو عن بعض الألفاظ أثناء الخصومة.
قصة رجل غريب وضع أمانة عند صاحب محل، الذي أنكرها لاحقًا. استخدم الأمير حيلة لاستعادتها وكشف الخيانة، ثم أمر بقتل الخائن لخيانته الأمانة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا قتيبة، وأبو بكر، قالا: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي، أزرعها، ليس له فيها حق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: أما إن حلف على ماله ليأكله ظلمًا، ليلقين الله وهو عنه معرض. هذا الحديث حديث وائل بن حجر، رضي الله عنه، يذكر هذه القصة التي حصلت، والخصومة التي وقعت بين رجل من حضرموت، وآخر من كندة، وأنهما أتيا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فقال الحضرمي، وادعى أنه له أرض، وأن هذا الكندي أخذها منه، هذه الأرض كانت لأبيه، وأن هذا الكندي أخذها منه، وانتزعها منه. فقال الكندي: هي أرضي في يدي، أزرعها، ليس له فيها حق. فالنبي صلى الله عليه وسلم سأل الحضرمي: ألك بيّنة؟ يعني تبيّن ما تدّعي من كون الأرض لك، فقال: لا، أي ما عندي بيّنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلك يمينه، أي يمين الكندي المدعى عليه. قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، يعني يحلف ولا يبالي، وما يتورع من شيء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لك منه إلا ذلك. هذا الحديث فيه بيان أن ما يقع بين الناس من خصومات ونزاعات في بعض الحقوق، قد كان ذلك مثله يقع في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ويُهْتَصَم الإثنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مال أو أرض أو حق من الحقوق. وفيه أيضًا أن القضاء بين الاثنين، وفيهما اختصام ما فيه من مال أو حق، بأن يطالب المدعي بالبينة، والمنكر باليمين. فالبينة قد تختلف باختلاف القضايا، قد تكون هناك قرائن تبين أن هذا الحق للمدعي، وتكون بيّنة على أنه له هذا الأمر. فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن على المدعي البينة، فقال: لا، ما عنده بينة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لك يمينه، أي يمين المدعى عليه. وفيه أيضًا أن المدعي عليه إذا حلف وهو غير صادق، وكان مثلا من أهل الفسق أو نحو ذلك، فإنه يحلف وتقبل يمينه. وفيه أيضًا أنه يحتمل ما يقع من كلام من المدعي أو المدعى عليه عند الخصومة، قد يقول: يا فاجر، يا ظالم، يا كذا، فيغتفر في مثل هذا عند الخصومات. قال رحمه الله: وحدثني زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، جميعًا عن أبي الوليد، قال زهير: حدثنا هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر، عن أبيه. وبعض القضاة عندهم ذكاء، يعني ربما يستطيع أن يعرف الحق بإغفال لأحد المتخاصمين، ربما المدعى عليه، حتى يخرج الحق منه بذكائه. وممن اشتهر بذلك بعض القضاة، ومنهم إياس، كان يضرب به المثل في الذكاء. قال رحمه الله: عن أبيه، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقصة أخرى أيضًا تدل على ذكاء بعض الأمراء والقضاة. والشيء بالشيء يذكر، أن رجلًا غريبًا جاء إلى قرية، وأتى إلى صاحب محل، وكان صاحب المحل يذكر بالأمانة، فأعطى، وضع عنده صندوقًا فيه ذهب أو مال، وقال لصاحب المحل: هذا الذي وضع الصندوق، أنا سأذهب إلى الحج، وسأرجع، فوضعه عنده، ثم ذهب، قضى حاجته، ثم رجع، فوجد المحل مغلقًا، جلس حتى فتح، دخل عنده، قال: أنا فلان، أما تعرفني؟ قال: لا، ما أعرفك، قال: وضعت عندك صندوقًا قبل فترة من أمانة، قال: لا، ما عندي شيء، ما أعرفك. فخرج مهمومًا، فرأى بعض الناس، قال: ما شأنه؟ قال: الأمر كذا وكذا، قال: اذهب إلى أمير القرية، فإنه رجل عادل. فذهب إليه، واشتكى إليه بما فعل صاحب المحل من إنكار الأمانة التي له. فقال له: اذهب إليه في الغد، وسله الأمانة، فإن أنكر، فاخرج واجلس تحت المحل، وأنا سأمر بموكبي، فإذا رأيتني، فقم، فسلم علي، وأكلمك، وتخاطبني على أني أعرفك. قال: نعم، جلس في اليوم الغد، ذهب إلى صاحب المحل، وسأله الأمانة، قال: ما فيه، ما لك شيء، ما أعرف أنك وضعت شيء عندي. خرج، جلس تحت المحل، مر الأمير بموكبه، فلما قال: مرحبا يا أبا فلان، جاء يكلمه، وكذا، وكيف حالك، وكذا، فقط، وذهب. فدخل مرة أخرى، قال: أنت وضعت عندي أمانة، هذه الأمانة، هذه الأمانة التي وضعتها، كنت نسيتها. ثم ذهب إلى الأمير، وأخبره بما حصل، فأمر الأمير بأن يقتل صاحب المحل، ويصلب على باب المحل. قال رحمه الله: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجلان، يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا انتزع على أرضي، يعني أخذها، إن هذا انتزع على أرضي، يا رسول الله، في الجاهلية. والجاهلية ما قبل الإسلام، سميت بذلك لكثرة الجهل، وقد انتهت الجاهلية المطلقة بمجيء الإسلام، وتبقى الجاهلية المقيدة، يعني ببعض الأعمال، وبعض الأفعال. فقال: بينتك، قال: ليس لي بينة، قال: يمينه، قال: إذن يذهب بها، قال: ليس لك إلا ذاك، يعني ما لك إلا اليمين. قال: فلما قام ليحلف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من انتزع أرضًا ظالمًا، لقي الله وهو عليه غضبان. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه، أجمعين.