كتاب الطهارة 12

كتاب الطهارة 12

الدرس في كتاب الطهارة 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل وتلاوته للقرآن

يروي عبد الله بن عباس قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل وتلاوته للقرآن، ويدل على جواز مبيت الرجل عند قريباته ومحارمه وأهمية قيام الليل. كان قيام الليل واجبا ثم نسخ الوجوب على غير النبي صلى الله عليه وسلم.

أحكام قيام الليل وخصال الفطرة

كان قيام الليل واجبا على المؤمنين ثم نسخ، وبقي مستحبا لغير النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خمس خصال من الفطرة وهي الختان والاستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب.

تفاصيل خصال الفطرة وحدود إزالتها

خصال الفطرة تشمل الختان والاستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب، ويوصى بإزالة الشعر الزائد والأظفار الطويلة بانتظام، مع تحديد أربعين ليلة كحد أقصى لتركها دون إزالة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبد بن حميد، وهو صاحب المنتخب، قال: حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين، قال: حدثنا إسماعيل بن مسلم، قال: حدثنا أبو المتوكل، وهو الناجي علي بن داود، مشهور بكنيته، قال: أن ابن عباس حدثه أنه بات عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم من آخر الليل، فخرج، فنظر في السماء، ثم تلا هذه الآية في آل عمران: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ حتى بلغ ﴿فقنا عذاب النار﴾، ثم رجع إلى البيت، فتسوك، وتوضأ، ثم قام فصلى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج، فنظر إلى السماء، فتلا هذه الآية، ثم رجع، فتسوك، فتوضأ، ثم قام فصلى. هذا الحديث يخبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه بات عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ولعله في اليوم الذي كانت ليلته ليلة ميمونة، فهي خالة عبد الله بن عباس. قال: فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم من آخر الليل، فخرج، فنظر في السماء، يعني نظر التفكر واعتبار، ثم تلا هذه الآية في آل عمران: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ حتى بلغ ﴿فقنا عذاب النار﴾، يعني قول جل وعلا: ﴿واختلاف الليل والنهار آيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾. ثم رجع إلى البيت، فتسوك، بدأ بالسواك، وتوضأ، ثم قام فصلى، يعني ما تيسر من الصلاة، ثم اضطجع، يعني في فراشه، ثم قام فخرج، فنظر إلى السماء، فتلا هذه الآية، أي نفسها. قال: ثم رجع، فتسوك، فتوضأ، ثم قام فصلى. فهذا الحديث فيه جواز أن يبيت الرجل أو الغلام عند إحدى أقاربه أو محارمه، ولو كان عندها زوجها. فعبد الله بن عباس بات عند النبي عليه الصلاة والسلام ذات ليلة، والظاهر أنه كان في ليلة ميمونة، وميمونة خالته، فيدل هذا على جواز مثل ذلك. وفيه أيضا ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من مواظبته على قيام الليل، وصلاته في الليل ما يتيسر من الصلاة. ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن قيام الليل كان بحق النبي عليه الصلاة والسلام واجبا، لقول الله جل وعلا: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾، وقول الله جل وعلا: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾. وأما غيره من الأمة، فقد كان قيام الليل في أول الأمر واجبا على جميع المؤمنين، كما في قوله جل وعلا: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾. كان واجبا على جميع المؤمنين، ثم نسخ الوجوب على أهل الإيمان، وبقي في حق النبي عليه الصلاة والسلام، فصار مستحبا لغيره من الأمة ومن أهل الإيمان أن يقوم الليل. وقيام الليل من أفضل العبادات، وأفضل الصلوات بعد المكتوبة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فأفضل الصلاة بعد المكتوبة هي صلاة الليل. فكان النبي عليه الصلاة والسلام مواظبا على صلاة الليل في حضره وفي سفره، حتى في أثناء مرضه عليه الصلاة والسلام، كان إذا تعب صلى جالسا. وفي هذا الحديث أيضا استحباب التفكر في آيات الله جل وعلا الكونية، فيما خلقه الله سبحانه وتعالى في هذا الكون من السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار وغيرها. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، وزهير بن حرب، جميعا عن سفيان، قال أبو بكر: حدثنا ابن عيينة، وسفيان هو ابن عيينة أبو محمد الهلالي، قال عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وابن حزن المخزومي، من سادات التابعين، وهو ختن أبي هريرة، أي زوج ابنته، قال عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب». قال: حدثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط». هذا الحديث نبينا عليه الصلاة والسلام قال: خمس من الفطرة، أو الفطرة خمس. المراد بالفطرة قال أكثر أهل العلم: المراد بها في هذا الموضع أي من السنة، أي من الدين. خمس من الفطرة أي من الدين. وبعض هذه المذكورات منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، وبعضها مختلف في وجوبها. قال: «الفطرة خمس». هل معنى هذا أن غيرها ليس من الفطرة، أو لا يوجد غير هذه الخمس؟ الجواب: لا، قد يوجد غيرها، لكن هذه منها، وهذه من أهمها. ومفهوم العدد عند المحققين من أهل الأصول وغيرهم لا يفيد الحصر. فكون النبي صلى الله عليه وسلم يقول هنا: «الفطرة خمس»، لا يفيد هذا عدم وجود غيرها من أمور الفطرة، لكن هذه منها، أو من أهمها. قال: «الختان من الفطرة». الختان هو بالنسبة للذكر إزالة اللحمة التي تكون أعلى الذكر، وبالنسبة للمرأة أخذ قطعة من اللحم تكون في أعلى الفرج. اختلف العلماء في حكم الختان، منهم من قال: واجب على الذكر والأنثى، ومنهم من قال: مستحب على الذكر والأنثى، ومنهم من قال: واجب على الذكر، مستحب على الأنثى. ولعل هذا أقرب الأقوال: أن الختان واجب في حق الذكر، ومستحب في حق الأنثى. قال: «والاستحداد». الاستحداد هو استعمال الحديدة، وهي الموس الحادة لإزالة الشعر الذي يكون في العانة. هذا من الفطرة. إزالته بالحديدة، أو الموس، أو ما يقوم مقامها كالنورة أو نحو ذلك، يجوز استعمال مثل هذه المزيلات. لأن إبقاء هذا الشعر سبب في حمل الإنسان للأوساخ، لو طال هذا الشعر لتعلقت به شيء من الأوساخ، فيكون فيه منظر سيئ، وفي نفس الوقت يكون كذلك حاملا للقذر. قال: «وتقليم الأظفار». أي أظفار الأصابع لليدين والقدمين، تقليمها أي قصها. قص الأظفار هذا أيضا من الفطرة. فتقص وتزال إذا طالت. ولا يبقيها. وهذا الحكم عام للرجال والنساء. قال: «ونتف الإبط». نتف الإبط يعني الشعر الذي يكون في الإبط. فإن نتفه من الفطرة، يعني ينتف باليد، هذا لمن قوي على ذلك. فإن لم يقو عليه فلا بأس أن يزيله بالموس أو بالنورة أو بنحو ذلك. وإن كان السنة والأفضل أن ينتف إذا استطاع. قال: «وقص الشارب». قص الشارب يعني الشعر الذي ينبت فوق الشفة العليا. هذا قصه من الفطرة. لأن إبقاؤه سبب إلى أن يصل إلى الفم، فإذا جاء يشرب سيدخل هذا الشعر معه في الماء، أو يصيب الماء، وقد يستقذره من يريد أن يشرب بعده. وهذا ربما يعلق به شيء من الأوساخ. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن جعفر، قال يحيى: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، قال: قال أنس: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ألا نترك أكثر من أربعين ليلة». يقول أنس رضي الله تعالى عنه: وقت لنا، يعني في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. فقول الصحابي: وقت لنا، أو كنا نفعل، أو أمرنا، أو نهينا، كل هذا له حكم الرفع. فالآمر والناهي والموقت هو النبي عليه الصلاة والسلام. فقوله: «وقت لنا»، أي وقت لنا النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الخصال من خصال الفطرة: قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة. هل معنى هذا أن الإنسان يتركها حتى تبلغ أربعين ليلة ثم يزيلها؟ لا، ليس هذا المراد. المراد أنه إن تركها فلم يزيلها، فلا يتركها أكثر من أربعين ليلة. لا يتركها أكثر من أربعين ليلة. والمعنى أنه يزيلها قبل ذلك. يعني الضابط في إزالتها: متى ما طالت، متى ما طالت أزالها، لو طالت في عشرة أيام أو خمسة عشر يوما أزالها. لكن لو أهملها وغفل عنها مثلا، فلا يتركها أكثر من أربعين يوما. إذا بلغ أربعين هذا أقصى حد تترك فيه. إذا أهمل أو نسي أو غفل، فيزيلها. لأن إن طالت أكثر من ذلك، كان أولا تاركا لهذه الخصال من خصال الفطرة، وأيضا حصل في تركها شيء من تشويه المنظر، وربما حصل شيء من الضرر في إبقائها، كما سمعنا من حمل الأوساخ ونحو ذلك. إذا تزال إذا طالت، فإن ترك أو غفل أو نسي، فإلى الأربعين، ولا يترك أكثر من أربعين ليلة.