الدرس في كتاب الطهارة 32، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل عذاب القبر ونعيمه وفقًا لعقيدة أهل السنة والجماعة، ويبين أسباب العذاب مثل النميمة وعدم الاستنزاه من البول. كما يبين أهمية اجتناب المعاصي لتحصيل العلم والتقوى.
يتناول هذا الفصل تفاصيل عذاب القبر ونعيمه، ويشرح أن العذاب والنعيم يكونان بالروح أكثر من الجسد في الحياة البرزخية. كما يفسر ضمة القبر بأنها رحمة للمؤمن وعذاب للكافر والعاصي.
يناقش هذا الفصل حكم قراءة القرآن عند القبر، ويستدل على عدم مشروعية هذا الفعل. كما يتناول معاملة الشهداء والأنبياء في قبورهم وموقف أهل السنة والجماعة من صاحب المعصية.
يشرح هذا الفصل موقف أهل السنة والجماعة من صاحب المعصية، حيث يرون أنه تحت مشيئة الله، إما يعذب وإما يغفر له. يتسم هذا الموقف بالتوازن بين الخوف من العذاب والأمل في المغفرة.
الصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو الحسين عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمه الله: حدثنا أبو سعيد الأشج، وهو عبد الله بن سعيد، قال: وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: وإسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي، إسحاق بن إبراهيم من راهويه، وهو إمام من أئمة أهل الحديث، ومن أئمة أهل خراسان، حتى قال أبو عيد محمد بن يزيد: إذا رأيت الخرساني يتكلم في إسحاق فاتهمه على الإسلام، أو تهمه في دينه، إذا رأيت الخرساني يتكلم في إسحاق فاتهمه على دينه. قال: قال الإمام أحمد رحمه الله: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وكان حافظا، كان إسحاق من أولياء الله من الكفار. قال أبو حاتم: والعجب من سلامته من الغرض، وإتقانه مع المحدثين والحرب، وكان يقول: أي إسحاق من راهويه، لكأني أنظر إلى مئة ألف حديث -يعني يتذكرها في ذاكرته- كأنها أمامه، لكأني أنظر إلى مئة ألف حديث في كتب، وثلاثين ألف أسردها، كان إمام الحفاظ، وإمام السنة. قال الإسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا، رضوان بن عبد الله، عن الأعمش، في ألفاظ التحديث، يذكر شيخه، واللفظ الذي حدث به، وهو يروي هذا الحديث عن ثلاثة مشايخ، عن أبي سعيد الأشج، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، فلما اختلفت عباراتهم بالتحديث ميزها. قال: إسحاق أخبرنا، وقال الآخران -يعني أبا سعيد الأشج، وأبا كريب- حدثنا. وهذا مما تفرد به صحيح الإمام مسلم على صحيح البخاري، وهو ما في صحيح الإمام مسلم من حسن الترتيب، وكذلك أيضا من الكناية بألفاظ المحدثين في الرواية. قال: حدثنا وكيل بن الجراح، وكيل بن الجراح بن مليح الرؤاسي، قال: سمعت وكيعا -رحمه الله- يقول: ما رأيت أحدا أوسع علما من وكيع، ولا أحفظ منه، وكان يقول: كان مطبوع العلم، وكان حافظا، وعزو الله -رحمه الله- عما يقويه الحرور، فقال: ترك المعاصي من أعظم الأسباب التي يتقوى بها. وفي تلك الأبيات المشهورة التي تنسب إلى الشافعي -رحمه الله- أنه سأل وكيعا في قولهم: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاص. فهذه الأبيات صحيحة، وعن الشافعي أو لم تنسب إليه، ومعناها صحيح، أن المعاصي من الأسباب العظيمة التي يحرم بها الإنسان العلم، والحذر؛ لأن العلم نور، وهذا النور لا يعطى لمن كان عنده معاص، إلا إذا تاب ورجع إلى الله جل وعلا. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا...»، فهذا العلم هدى ونور، يوفق إليه من شاء ربنا جل وعلا، والذنوب سبب لحرمان العلم، وتقوى الله جل وعلا سبب لتحصيل العلم، ونوفق الله جل وعلا للعمل، والازدياد منه. ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، وتقوى الله جل وعلا سبب عظيم للاستفادة من العلم، وتحصيل العلم، والمعاصي سبب لحرمانها. قال -رحمه الله-: حدثنا الأعمش، عن سليمان، عن المهران، أبو محمد الكوفي، قال: سمعت مجاهدا، وهم جالسون عند ابن عباس، إمام بالحرم في التفسير، ما الذي قال: إذا جاءك التفسير من مجاهد فحسبك كبير، الشافعي -الإمام الشافعي- إذا جاءك التفسير من مجاهد فحسبك كبير. لماذا؟ سمعتم مجاهدا، وهم جلوس عند ابن عباس، يحدث عن طاوس، وعن ابن عباس، وعن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قبرين، فقال: «أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان من كبير»، قال: فدعا بعسيب رطب، فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا، ثم قال: «لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا». قال: حدثني أحمد بن يوسف الأزدي، قال: حدثنا معلاء بن أسد، قال: حدثنا عبد الواحد، عن سليمان الأعمش، بهذا الإسناد، غير أنه قال: «وكان الآخر لا يستنزه من البول»، أو «من بوله». هذا حديث ابن عباس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر على قبرين، يعني من قبور المسلمين، فقال: «أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير». وقوله: «وما يعذبان في كبير»، قيل: ما يعذبان في كبير في سعتهما، وقيل: وما يعذبان في كبير، يعني في شيء كبير تركه والامتثال عنه. ثم ذكر أن أحدهما كان يمشي بالنميمة، ومعنى يمشي بالنميمة، أي: أنه كان كثير النميمة، ينقل الكلام من شخص إلى آخر، والنميمة هي نقل الكلام من الشخص إلى آخر، لقصد الإفساد، يقول: فلان من الناس يتكلم على آخر، يذيع الآذان المتكلم فيه، ويقول: إن فلانا يقول فيه كذا وكذا، فتشتعل العداوة والمرضاة بينهما، والنميمة كبيرة من كبار الذنوب. قال أبو صالح: «لا يدخل الجنة نمام». والله جل وعلا حذر من ممارسة من كان على هذا الخلق، فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، فالنميمة من الذنوب العظيمة، وهي تفسد وتفرق بين الأحبة، أشد لربما من تفريق السحر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقطع النميمة بين الناس». وأما الآخر، فكان لا يستنزه من بوله، لا يستنزه يعني: لا يبتعد، أو لا يتجنب صابة البول لبدنه وثوبه، كما في الرواية الأخرى: «لا يستبرئ من بوله»، جاء في الحديث بهذه الألفاظ الثلاثة: «لا يستتر من بوله»، «ولا يستنزه من بوله»، «ولا يستبرئ من بوله»، وكلها معنى واحد، المعنى: أنه لا يتجنب صابة البول لبدنه وثوبه، فإذا أصابه لا يبالي، ولا يغسله، ولا يزيله، فعذب بسبب ذلك. ثم دعا بعسيب رطب، والعسيب جريد النخل، فشقه وغرز على كل قبر واحدا، ثم قال -يعني في ذكر السبب والحكمة لهذا الفعل-: «لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا»، يعني: ما دام العسيبان رطبين. قال: عنه أن يخفف عنهما ما لم ييبسا، يعني: أنه بالتسبيح له؛ لأنه ما من شيء لا يسبح الله تعالى، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحه. فكأن هذا التسبيح إذا كان حيا، أما إذا كان ميتا فالظاهر أنه انقطع عن الاستمرار إلى هذا. قال بعض العلماء: في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، يعني: وإن من شيء حي، وإن من شيء حي. ثم قالوا: حياة كل شيء بحسبه، فالخشب ما لم ييبس، والحصى ما لم يبس، ويبطئ. وقال بعضهم: بل الآية على عمومها، الآية على عمومها، وأن ما من شيء سواء كان حيا أو ميتا يسبح لعموم الآية: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، وشيء نكرة في سياق الإثبات، وتفيد الإطلاق. هذا قول المحققين من أهل التفسير. فهذا الحديث فيه إثبات عذاب القبر، وأن الإنسان يعذب وينعم في قبره، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، أن العبد يعذب وينعم في قبره. ومن أدلة ذلك من القرآن الكريم قول الله جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، ويوم تقوم الساعة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فقوم فرعون على النار يعرضون عليها غدوة وعشية في البرزخ، في عذاب القبر، ويوم تقوم الساعة، أي: يوم القيامة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فدلت الآية على إثبات عذاب القبر أيضا. ونظائر هذه الآيات في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَنِذِقُهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، والعذاب الأدنى بعذاب القبر، والعذاب الأكبر يوم القيامة. ونظائر ذلك أيضا قول الله جل وعلا: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، يعني: من الموت في البرزخ، ومن السنة أحاديث كثيرة. ومن هذا الحديث: «أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير». هذا قول أهل السنة والجماعة، لا يلين من أنكر ذلك من الفلاسفة أو المعتزلة، ومن شاء الله، وقبل كل إنسان بحسبه، إذا دفن بالعرصة فهذا قبره هو الأصل، وإذا أكلته السباع فهذا قبره، أو غرق في البحر، أكلته الحيتان، هذا قبره، فعلى الحالة التي يموت فيها، فإنه يأتيه من العذاب والنعيم ما كتب الله عليه. وأمر عذاب القبر ونعيمه أمر غيب، أمر غيب لا يدرك بالحس، ولهذا بعض الفلاسفة والغلاة يقولون: نحن جئنا إلى القبور، وحفرنا، ما رأينا شيئا، ما سمعنا أحدا يعذب، ولا أحدا ينعم، يقال لهم: هذا أمر غيب، لا يدركه الإنسان، لا يدركه من كان حيا، هذه حياة برزخية تختلف عن حياة الدنيا، لكنها نوم. ونؤمن بذلك، بأكبر الله جل وعلا، وأكبر رسوله -عليه الصلاة والسلام-. ثم تعلم أن العذاب والنعيم في القبر بالروح أكثر من الجسد، تعلم أن وضع العذاب والنعيم في الحياة البرزخية بالروح أكثر من الجسد، الجسد نعم يصيبه شيء من النعيم والعذاب، لكن أكثر بالروح، كما أن الإنسان في حياة الدنيا يعذب وينعم ببدنه أكثر من روحه، يعني: يشعر بالعذاب والنعيم بالبدن، ببدنه أكثر من روحه. ويوم القيامة يكون العذاب والنعيم بالروح والبدن، يشعر بهما معا، لكن في الحياة البرزخية يكون العذاب والنعيم بالروح أكثر من البدن. وفيه كذلك أيضا خطر هذين الذنبين: النميمة، وعدم الاستنزاه من البول، وأنهما سبب من أسباب عذاب القبر، إذا تساهل فيهما الإنسان، أو عمل بهما، فإننا نخوف له العذاب بالقبر، فالنميمة كبيرة من كبار الذنوب، وأن الإنسان قد يعذب في قبره، ولو كانت المعصية دون الكبائر والفواحش العظيمة، كالزنا والسرقة واللواط، ونحوها من الفواحش، ولو كان دونها في المنزلة من التحريم، لكن مع ذلك قد يعذب، ويصيبه من العذاب ما يعذب به بسبب معصيته. وهذا التساهل في الاستنزاه من البول، وترك البول يصيب البدن أو الثوب، والتفاني بذلك، هذا أيضا موجب للعذاب، للعقوبة. وفيه أيضا الدليل على نجاسة بول الآدمي، نجاسة بول الآدمي، قال: «لا يستتر من بوله»، يعني: من بوله نفسه، إذا دلت الرواية بأن بول الآدمي نجس، وهذا متفق عليه، وإذا كان نجسا وجب التحرز عنه، أن يصيب بدن الإنسان أو ثوبه، ولأنه قد يؤثر في صلاته، قد يدخل في الصلاة، وفيه نجاسة في بدنه، وفي ثوب بسر هذا القول، فيصلي حينئذ وهو على نجاسة، ويؤدي هذا إلى بطلان صلاته. فالأمر خطير، ثم فعل النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه أخذ هذا العسيب من جريد النخل، وشقه وغرزه على هذين القبرين، هل يدل هذا على جواز مثل هذا الفعل، أن يوضع على قبر الإنسان من جريد النخل الرطب؟ قال: لهذا بعض أهل العلم أنه يستحب ذلك، أن يغرز على قبر الميت شيئا من جريد النخل، وهذا خلاف الصواب، هذا خلاف الصواب لأمور، منها: أولا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك لكون هذين الرجلين معذبين، وهذا أمر غيبي لا يستطيع الإنسان أن يعرف ويطلع عليه، فما أدراه أن صاحب هذا القبر يعذب حتى يضع عليه جريد النخل؟ هذا شيء لا يعلمه أحد إلا بوحي من الله، إلا بوحي من الله. وفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعل هذا الفعل لكونه يوحى إليه -عليه الصلاة والسلام-، وأوحى الله إليه بعذابهما، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يخفف عنهما. والأمر الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما فعل ذلك بغيرهما، كم مات من الصحابة كثر، وما جاء عنه أنه غرز عليهما شيئا من جريد النخل غير هذين الرجلين، إذن هذه أدلة على أن هذا الفعل كان خاصا بهما، كان خاصا بهما. وكذلك أيضا دل على ذلك أنه لم يعلم هذا الفعل عن أحد من الصحابة، أو كبار الصحابة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وغيرهم من الصحابة، إلا ما روي أو ذكر عن مالك بن دينار، رحمه الله، أنه أوصى أن يجعل بقبره جريدتان من جريد النخل، فهذا شهادة منه -رضي الله عنه-، وخلاف الصواب، وخالف الصحابة -الطيبون- الصحابة -رضي الله عنهم-، فما فعل منهم الواحد منهم ذلك، ومعهم من الصحابة كأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، ما حدث، ما قال بذلك، إلى آخره. قال بعض العلماء: كما نتج من الله -رحمه الله-: استحب قراءة القرآن عند القبر، قال: إذا كان جريد النخل يخفف عن الميت، فقراءة القرآن من باب أولى، وهذا أيضا خلاف الصواب؛ لأن هذا الأمر تعبدي، والعبادات لا تثبت إلا بالدليل، بالكتاب والسنة، ولم يشرع النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولم يرغب في علم بذلك، أن يقرأ القرآن عند قبر الميت، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بقراءة القرآن في البيوت، وأن لا ينجر فيها الصلاة، وكرر حتى تكون مثل المقابر، قال -عليه الصلاة والسلام-: «اقرءوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة»، وقال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا»؛ لأن تجعل البيوت كالقبور، لا يصلى فيها، ولا يقرأ فيها القرآن، فالمقابل: تتخذ لقراءة القرآن، أو لفعل العبادة، والصلاة، ونحوها، فكيف يستحب قراءة القرآن عند الميت، أو عند قبر الميت؟ وهذه مسألة خلافية بين العلماء، إذا خير جراء للميت، فيها خلاف، فبعض العلماء يرى أن ذلك ما ينفع به الميت، وبعض الإمام الشافعي -رحمه الله- يرى أنه لا ينفع، أنه لا ينفع به الميت؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿أَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، وهذا ليس للإنسان. ويقال: إن هذا الفعل ما فعله الصحابة، ولنبي -عليه الصلاة والسلام- أنه كانوا يقرأون، ويهدون ثواب ذلك للميت، ما فعلوا ذلك. وخير الهدي هدي النبي -عليه الصلاة والسلام-. وإذا غادر أن ينفع الميت بشيء، بالدعاء، والدعاء والصدقة عنه، هذا أفضل ما ينفع به الميت، أو كذلك إذا أراد أن يحج عنه، أو يعتمر عنه، هذا أيضا مشروع، فيكون إهداء ثواب الأعمال بما دل عليه الدليل، بما دل عليه الدليل، كالدعاء، والصدقة، والحج والعمرة. علموا هذا، بما ينفع به الميت. قال: ومن قال: بجواز ذلك، إذا فعل هذا -يعني أقضى بقوة من أجاز من أهل العلم- ما يكون مبتدعا، لإخلافه من الصور، لكن ليس على الطريقة التي يفعلها التصوف -يعني إقراء الفاتحة إلى روح الميت-، خلان من خلان هذا من البدع بلا شك، هذا من البدع، لكن المقصود: إذا كان يقرأ مثلا نصف المصحف، أو ربع المصحف، أو ثلث المصحف، ثم يهدي هذا إلى روح الميت، أو إلى بعض إخوانه، هل إذا فعله تقليدا من أجاز من أهل العلم، فقد يعذر؟ إن كان هذا الفعل كما سمعنا، خلال الصوفية، فالله أعلم بالميت، زينتك بذلك الله وتعالى -أعلم-. ثم سئل -رحمه الله- عن الضمة، ضمة القبر، قال: أهل العلم: هذه الضمة ضمة رحمة في حق المؤمن، كما تضم الأم ولدها، في حق المؤمن ضمة رحمة، وأما في حق العاصي والكافر، ضمة عذاب، كما جاء في حديث البراء: «حتى تختلف أضلاعه»، أما في حق المؤمن فهي ضمة رحمة. هذا يجمع بين هذا الحديث، وغيره مما ورد في نعيم المؤمن في قبره، وأنه يوسع له في قبره، وهو إلى آخره، فجمع بينها بأن هذه الضمة ضمة رحمة، يعني: يكره منها، بخاف منها الإنسان، لكن بحق المؤمن رحمة، وبحق الكافر والعاصي عذاب. ونظائر هذا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما من أحد يموت إلا تلا من أسعد المعاد»، قال: نفسه أنه لجأ من أحد، لجأ من أسعد المعاد. قال أهل العلم: هذه الضمة ضمة رحمة في حق المؤمن، كما تضم الأم ولدها، في حق المؤمن ضمة رحمة. وأما في حق العاصي والكافر، ضمة عذاب، كما جاء في حديث البراء: «حتى تختلف أضلاعه»، أما في حق المؤمن فهي ضمة رحمة. قال: وسئل أيضا عن الشهداء، هل يكرهون بقبرهم؟ قال: نعم، أن الشهداء يكرهون بقبرهم، وكذلك الأنبياء، كذلك لا يكرهون بقبرهم، عما يسألون، والشهداء لا يكرهون بقبرهم، كما جاء في الحديث: «يكره بقبره بقدر السيوف على رأسه فتنة»، يكره بقبره، يكره بقبره. قال: وغير الشهداء من المعركة، هؤلاء يعاملون معاملة غيرهم في الدنيا، أما في الآخرة فلهم ثواب الشهداء، كيف تنعون؟ بالنسبة للمؤمن العاصي، تكره العلم أن العذاب قد ينقطع، قد ينقطع عن العاصي، يعني: يعذب فترة، وينقطع عنه العذاب، بخلاف الكافر، فعذابه مستمر، كما في الآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، يعني: باستمرار، ويوم تقوم الساعة، العذاب مستمر إلى قيام الساعة، لكن بحق المؤمن قد يعذب فترة، وينقطع عنه العذاب، على ما يقدره الله سبحانه وتعالى، وبحسب الذنب والمعصية. والله عز وجل يغفر عن بعض العصاة لأعمال أخرى عندهم، يغفر عنهم، وبعضهم يعذبون، وقد ينقطع عنهم العذاب، يعذبون فترة، ثم ينقطع عنهم العذاب. الله عز وجل -رحمة-. وأهل السنة والجماعة: أن صاحب المعصية تحت مشيئة الله، تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، فبعضهم يغفر الله عنهم لأعمال أخرى عندهم، يغفر عنهم، وبعضهم يعذبون. وقد ينقطع عنهم العذاب، يعذبون فترة، ثم ينقطع عنهم العذاب. والله أعلم.