كتاب الحيض 1

كتاب الحيض 1

الدرس في كتاب الحيض 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث مباشرة الحائض فوق الإزار

يتناول المقطع شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول مباشرة الحائض فوق الإزار، ويوضح معنى الحيض في اللغة والشرع، والفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة.

أقسام مباشرة الحائض وآراء الفقهاء

يشرح المقطع أقسام مباشرة الحائض وآراء الفقهاء فيها، حيث تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الوطء في الفرج، والمباشرة فيما فوق السرة ودون الركبة، والمباشرة فيما بين السرة والركبة.

حكم مباشرة الحائض قبل الاغتسال وأضرار الجماع

يتناول المقطع حكم مباشرة الحائض قبل الاغتسال، ويبين أن الأحاديث دلت على جواز المباشرة دون الوطء، ويحرم وطء الحائض حتى تغتسل، ويذكر أضرار جماع الحائض.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واسمه عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم بن رهويه الحمادلي. قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير، عن منصور، وهو ابن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، أبو عمران الكوفي. قال: فيه الأعمش، كان إبراهيم صير في الحديث، تعرفون الصير في من يشتغل في الصرافة، كيف يميز النقود الصحيحة من النقود الزائفة؟ بعضهم ربما مجرد أن يلمسها يعرف أن هذه زائفة أو صحيحة، أو ربما إذا سمع صوتها إذا ألقت في الأرض أو نحو ذلك. وهكذا صير في الحديث، الذي إذا سمع الحديث عرف هل هذا الحديث صحيح أو معلل، لخبرته وممارسته لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. وقال فيه الإمام الشعبي رحمه الله: ما ترك أحدا أعلم منه. وذكر الإمام أبو حاتم أن إبراهيم النخعي لم يلق أحدا من الصحابة إلا عائشة، ولم يسمع منها، وأدرك أنسا، فجل روايته عن التابعين. وبعض أهل العلم صحح مراسيله، والإمام البيهقي رحمه الله خص مراسيله عن إسحاق بن منصور بأنها صحيحة. قال رحمه الله: عن الأسود، والأسود هو ابن يزيد بن قيس النخعي، وهو خال إبراهيم النخعي، عن عائشة، هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهما، قالت: كان يحدونا إذا كانت حائضا أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأتزر بإزار، ثم يباشرها. قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر، وهو القرشي أبو الحسن الكوفي، قاضي الموصل، وهو ثقة، عن الشيباني، وهو أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان يحدونا إذا كانت حائضا أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها. قالت: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يملك إِرْبَهُ. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله الطحان، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، وهو ابن الهاد الليثي، أبو الوليد المدني، عن ميمونة بنت الحارث، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، وإحدى أمهات المؤمنين، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض. هذه الأحاديث بواب عليها الإمام النووي رحمه الله، بعد أن ذكر في أولها كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار. وكتاب على وزن فعال، بمعنى مفعول، فكتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب في ذكر أحاديث الحيض. والحيض في اللغة السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. وهو في الشرع عبارة عن الدم الطبيعي الذي يخرج من المرأة عند البلوغ، كتبه الله جل وعلا على بنات آدم. ويخرج دم الحيض من قعر الرحم، ويكون في الغالب أسود، وله رائحة كريهة. وأما دم الاستحاضة فهو دم أحمر، ويخرج من عرق يقال له العاذل، وليس له رائحة رائحة دم الحيض. ودم الحيض هو الذي يحرم الصلاة على المرأة والصيام، وهكذا أيضا يحرم على زوجها الوطء، وعليها كذلك، بخلاف دم الاستحاضة، فإنه لا يحرم الصلاة ولا الصيام ولا الوطء. ويسمى الحيض أو الحيض يسمى بالحيض، وله أسماء عديدة لدم الحيض، يقال له الحيض، ويقال له نفاس، وإن كان يعني أغلب ما يستعمل لفظ النفاس في الدم الخارج بعد الولادة. لأن دم الخارج من المرأة على ثلاث أقسام: دم الحيض، وهو الدم الطبيعي الذي يخرج من المرأة في أوقات محدودة في الغالب، ودم الاستحاضة، وهو دم عرق يخرج في غير أوقات معلومة، ودم النفاس، وهو الدم الخارج بعد الولادة، وهو أيضا حكمه حكم دم الحيض من حيث منع الصلاة والصيام والوطء، بخلاف دم الاستحاضة. ففي هذه الأحاديث بيان حكم مباشرة الحائض، ومباشرة الحائض على أحوال وأقسام. القسم الأول: أن تكون المباشرة بالوطء، وهذه محرمة، وطء الحائض في فرجها في وقت الحيض، هذا محرم بإجماع المسلمين، كما نص على ذلك القرآن والسنة. قال ربنا جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. وهكذا أيضا ما ثبت بالسنة، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». ولهذا قال أهل العلم: كما ذكر الإمام النووي رحمه الله، أن من اعتقد حل وطء المرأة في حال الحيض، فهو كافر، لأنه أحل شيئا محرما. ولو حصل من الإنسان على جهة النسيان أو الجهل، إذا كان ناسيا أو جاهلا أنها حائض، فحصل منه الوطء، إن كان متعمدا قبل ذلك، إذا كان متعمدا مع اعتقاد التحريم، فهو آثم. مختلف العلماء في الكفارة، هل تجب عليه كفارة أم لا، على قولين. فجمهور أهل العلم أنه لا كفارة عليه، ويجب عليه التوبة، وذلك لعدم ثبوت شيء صحيح يوجب الكفارة. وذهب الإمام أحمد رحمه الله في رواية أخرى، قال به بعض السلف، إلى أنه تجب الكفارة إذا أتى الرجل امرأته وهو حائض متعمدا، ذاكرا أن عليه كفارة. ورد في حديث ابن عباس، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أتى امرأته وهي حائض فليتصدق بدينار أو نصف دينار». لكن الحديث ضعيف، والجمهور لم يقولوا به، وقالوا بوجوب التوبة فقط. القسم الثاني من أقسام المباشرة: وهي المباشرة فيما فوق السرة ودون الركبة، فهذا جائز باتفاق أهل العلم. وهذه الأحاديث التي عندنا في هذا الباب، في عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر من كانت حائضا من أزواجه أن تأتزر، فيباشرها، وهي حائض، يعني فيما فوق الإزار أو تحت الإزار. والإزار ما يلبس من السرة إلى الركبة. وقد ثبت في حديث ميمونة: يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض، إذن هذا يدل على الجواز على جواز مباشرة الحائض فيما فوق الإزار في حال حيضها. وهذا القول هو قول عامة أهل العلم. وأشار الإمام النووي رحمه الله إلى أنه ذكر أو حكي عن عبيدة السلماني أنه أنكر ذلك، وقال: لا يباشر شيئا منها في حال الحيض. وهذا القول غير صحيح، شاذ منكر غير معروف، ولا مقبول. القسم الثالث من أقسام المباشرة للحائض: وهو فيما بين السرة والركبة، وهذا في خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من ذهب إلى التحريم، يعني أنه يحرم مطلقا المباشرة فيما بين السرة والركبة، سواء كان يملك نفسه أو لا يملك نفسه. وهذا مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة. ومن ذهب إلى الجواز، وهو قول عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والأوزاعي، والثوري، وهو أيضا مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وأيضا قول إسحاق بن راهويه، وأبي عبيد الظاهري. واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». فهذا الحديث يدل على جواز مباشرة الرجل امرأته فيما دون الوطء في الفرج. فإن قال قائل: فكيف بهذه الأحاديث، حديث عائشة وميمونة، أنه كان يأمر من كانت حائضا أن تأتزر فيباشرها فوق الإزار؟ يقال: هذا على سبيل استحباب هذا على سبيل الاستحباب. وكذلك أيضا يقال في حق من كان لا يملك نفسه، هذا لا يجوز في حقه الذي يعرف من نفسه الضعف وعدم الصبر، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز بحقه أن يباشر فيما بين الإزار والركبة، حتى لا يقع في المحظور. ثم إذا انقطع الدم من الحائض، هل يجوز أن يجامع زوجها قبل أن تغتسل؟ إذا انقطع الدم ولم تغتسل بعد، هل يجوز أن يطأ الرجل امرأته قبل أن تغتسل؟ جمهور أهل العلم أنه لا يجوز حتى تغتسل، لقول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾. فقول جل وعلا: حتى يطهرن، يعني انقطع الدم، فإذا تطهرن، يعني اغتسلن، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فلا يجوز للرجل أن يأتي أهله إذا انقطع الدم حتى تغتسل. خلافا لأبي حنيفة، فإنه ذهب إلى الجواز قبل الاغتسال. والصحيح قول الجمهور. وكذلك أيضا يجب على المرأة أن تتقي الله في نفسها في أمر الحيض، فهي مؤتمنة على نفسها وعلى فرجها، لأن الزوج ربما لا يعلم بحال زوجته، ومتى أتاها الحيض ومتى انقطع. فلو أنه أراد أن يأتيها وهي حائض، الواجب أن تنبهه وتخبره بأنها حائض، حتى لا تقع وإياه في المحظور. ولا يجوز لها السكوت، حتى يأتيها وهي في حال الحيض، فهذا أمر محرم لا يجوز. فإن فعلت ذلك فهي آثمة، أما هو إن كان جاهلا بذلك، ليس عليه شيء، لكن الإثم عليها، هي الآثمة في ذلك لأنها كتمت هذا الأمر. وقول عائشة رضي الله عنها: «كان يحدونا إذا كانت حائضا أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأتزر في فور حيضتها»، معنى فور حيضتها، يعني عند كثرة الحيض. ومعنى هذا أنه يجوز أن يباشر زوجته في حال الحيض، ولو كان في أول الحيض وعند كثرة الدم، وهذا لا مانع يمنع من المباشرة. وقولها: «وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ»، إربه، أكثر الروايات كما قال إمام النووي رحمه الله، بكسر الهمزة وإسكان الراء، وهو بمعنى الفرج. ورواية بالفتح: أربه، وبالفتح بمعنى الحاجة، يملك أربه، يعني حاجته وشهوته. وهذا أيضا فيه تنبيه لما ذكرنا قبل، من أن من كان لا يملك إربه، ويخشى على نفسه، فإنه ينبغي أن يبتعد، وخاصة فيما بين السرة والركبة، فإنه يبتعد حتى لا يقع في المحذور. وبهذا الحديث، وحديث عائشة وميمونة، نعلم أن المراد في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، أن المراد بالنهي عن القرب هنا: الجماع والوطء في الفرج. وإن كان لفظ عام، لكنه مخصوص بهذه الأحاديث، فيكون المراد بقوله: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، يعني لا تجامعوهن حتى يطهرن. وأما ما يتعلق بالمباشرة، فكما سمعنا، على هذا التفصيل. وهذا الحكم الشرعي في هذه الشريعة العظيمة، كان وسطا بين إفراط النصارى وتفريط اليهود. فاليهود كانوا لا يأكلون مع الحائض، ولا يجالسونها، والنصارى كانوا يأتونها وهي حائض. فجاء الإسلام بهذا الحكم، فكان وسطا بين هاتين الطائفتين الضالتين المنحرفتين. فأجاز الشرع مجالسة الحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، بل ومباشرتها، خلافا لما عليه اليهود. ومنع من وطئها في الفرج، خلافا لما عليه النصارى. وقد ذكر أهل العلم وأهل الطب أن في جماع الحائض أضرارا، على الرجل وعلى المرأة، في العقل وغيره، وهذا جاءت الشريعة بتحريم ذلك. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وأهله وصحبه أجمعين.