شرح كتاب التوحيد 63

شرح كتاب التوحيد 63

الدرس في شرح كتاب التوحيد 63، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب إفراد الله في الذبح والصلاة

الآية الكريمة "قل إن صلاتي ونسكي" تبين وجوب إفراد الله في الذبح والصلاة، وهما حق محض لله. الله عز وجل ربط بينهما في القرآن لعظم شأنهما.

أهمية الذبح والصلاة في الإسلام

الذبح والصلاة عبادات يتجلى فيها الإخلاص لله تعالى، وقد ربط الله بينهما في القرآن. الآية الكريمة تشير إلى ضرورة تخصيص العبادات لله وحده.

تحويل الأعمال إلى عبادات بالنية الصالحة

العبودية الحقيقية لله تتجلى في جعل كل الأعمال خالصة لله بالنية الصالحة. الأعمال الدنيوية يمكن أن تكون عبادات إذا صاحبها نية صالحة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية وهو يتحدث عن مسألة الذبح، وأن الذبح إنما يكون لله. فبوّب رحمه الله تعالى هذا التبويب «باب ما جاء في الذبح لغير الله»، وذكرنا المسائل المهمة المتعلقة كمقدمة لهذا الباب. وها هو المؤلف رحمه الله تعالى يورد لنا الآيات الدالة على وجوب إفراد الله جل وعلا في مسألة الذبح. وهنا استدل بقوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾. قوله سبحانه وتعالى: «قل إن صلاتي»، الصلاة في اللغة الدعاء، واصطلاحًا هي أعمال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. هذه الصلاة لله جل وعلا، قال: «قل إن صلاتي» أي هذه الصلاة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم. «ونسكي» والنسك للعلماء عدة تعابير في موضوع ما معنى النسك، ومن أشهرها أن النسك بمعنى الذبح، فيكون معنى الآية: «قل إن صلاتي وذبحي». وفي قوله سبحانه وتعالى: «ومحياي ومماتي لله رب العالمين»، أي أن صلاتي ونسكي -أي ذبحي- لله، صلاتي ونسكي لله سبحانه وتعالى. فكما أن المسلم لا يصلي إلا لله، فينبغي كذلك أن يكون ذبحه لله سبحانه وتعالى. فإذا كان الصلاة لا تنفع ولا تجزئ أن تعطى لغير الله، فكذلك الذبح. ولهذا قرن الله جل وعلا بينهما، فكلاهما حق محض لله. فقوله سبحانه وتعالى: «لله رب العالمين»، أي هي مختصة لله، مستحقة لله، لا ينازعه فيها أحد، جل في علاه. وفي قوله سبحانه وتعالى: «قل إن»، «إن» حرف توكيد، والقاعدة البلاغية عند العلماء أن المؤكدات كأدوات القسم وأدوات التوكيد ونحوها، أن المؤكدات إذا جئت في الكلام فيدل على أن المخاطب منكر لهذا الشيء. فهنا الآية فيها الإثبات أن الصلاة والنسك لله. قال العلماء: إذن يستفاد أن المخاطب -وهم الكفار- ينكرون هذه المسألة، وكأنهم ينازعون رسول الله في قضية الصلاة لله وفي قضية الذبح لله. فأمره ربنا جل وعلا أن يرد عليهم بقوله: «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله». فهم يزعمون أن الذبح ليس لله، فأمره ربنا جل وعلا أن يرد عليهم. ولهذا، فمن وجدنا مثلا يسير على ما سار عليه أهل الجاهلية فيزعم أن الذبح يمكن أن يكون لغير الله، يرد عليه بهذه الآية: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله﴾. قال العلماء: فائدة أخرى وهي الجمع بين الذبح والصلاة في هذا الموضع وفي غيرها من المواضع، إشارة إلى عظم هاتين العبادتين وهاتين الشعيرتين من شعائر الإسلام، شعيرة الصلاة وشعيرة الذبح. فالصلاة من أعظم العبادات البدنية، والذبح من أعظم العبادات المالية. وجه ذلك أن الذبح مع كونه عبادة وقربة وطاعة، إلا أن فيها بذل مال، إذ أن الأغنام والمواشي والإبل هذه أموال. لربما اشتراها الإنسان بجهده، ولربما تعب على تربيتها وعلى سقيها وعلى علفها، ثم بعد ذلك يذبحها لله، ليس له فيها حظ، وإنما يقصد بها قلبًا ونيةً وعملاً وفعلاً لله جل في علاه. أضف إلى ذلك أن الذبح عند ذبحه فإنه يرجو ما عند الله، فتجد أن الذبح إذا ذبح فإن قلبه يخفق باليقين والاعتقاد وحسن الظن وحسن الرجاء بالله جل في علاه. فالذبح عند ذبحه يقول العلماء: توفرت فيه أركان الإيمان الثلاثة: الأقوال والأفعال والنيات. فنيته عند ذبحه يقصد ما عند الله قربة، وهي نية التعبد. ولسانه ينطق بالذبح «بسم الله الله أكبر»، ويده تعمل. فقلبه ولسانه ويده كله يعمل في قضية الذبح. ولهذا كانت قضية الذبح من أعظم شعائر الإسلام. ولهذا رفع الله من ذكرها وجعلها في مصاف الصلاة: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله﴾. فوجه الشاهد في هذه الآية واضح الدلالة على أن الإنسان لا يستهوي في قضية الذبح، فإراقة الدماء أي إراقة المواشي من أعظم العبادات. وانظر إلى حال الإنسان إذا أراد أن يضيف الضيف ويظهر مدى الحفاوة ومدى الإعظام ومدى الإجلال ومدى الإكرام الذي يكنه لفلان وفلان، فإنك تذبح له الذبيحة في ضيافته. هذا غاية في الكرم، ولله المثل الأعلى. فربنا جل وعلا يحب من عبده أن يتقرب إليه بإراقة الدماء بإسالة دماء القرابين قصدًا وفعلاً وقولاً لله سبحانه وتعالى. إذن فقول جل وعلا: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ فيه بيان على أن عبادة الذبح خالصة لوجه الله، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك. وفي قوله سبحانه وتعالى: «ومحياي ومماتي»، أي ما يكون في حياتي وما يكون عند مماتي، فهذه الأعمال وهذه الحياة هي لله سبحانه وتعالى. إشارة إلى أن المسلم ينبغي أن يكرس حياته وعمره لله سبحانه وتعالى، بدءًا بالعمل بالفرائض والواجبات، وهكذا بالإقبال على النوافل والمستحبات. فالله جل وعلا ما خلقنا في هذه المعمورة إلا لكي نشغل الأوقات والأعمار بطاعة الله. وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، هذه الغاية. ليس للعبث، ليس للأكل والشرب والترف والعبث يمنة ويسرة بإضاعة الأوقات. لا يا عبد الله، بل غايتك حميدة أن تشغل العمر بطاعة الله. وهذه الآية في هذا المعنى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي﴾ حياتنا كلها لله سبحانه وتعالى. ومن الخطأ العظيم والعبارة الفجة التي نسمعها من بعض العامة، من لربما يقول يا عبد الله إذا رأى من ينصحه بفعل الخير: «خفف علينا، يوم لك ويوم لربك». سعى لك وسعى لله، يقسم الأوقات والأعمار جزء منها لله وجزء منها لنفسه. ومعنى لنفسه أي لشيطانه. متى كان للشيطان مع الله نصيب؟ متى بأن تجعل للشهوات والملذات وفعل المحرمات والموبقات حظًا في أن تزاحم الله جل وعلا في عبوديته؟ هذا ليس من العبودية في شيء. أو كحال بعض الناس لربما إذا أراد يتعبد الله تعبد الله في أوقات هو يريدها، هو يحددها، هو الذي يبرمج البرنامج الذي يرى مناسبًا في طاعته. مثاله من الناس، لربما من لا يعرف الطاعات من الصلوات وقراءة القرآن إلا في رمضان. وإذا ولى رمضان فلا هو يعرف المسجد ولا المسجد يعرفه. هذا ليس من العبودية. أو من الناس من لربما لا يأتي المسجد إلا في يوم الجمعة. في يوم الجمعة اغتسل وتنظف وتطيب ودخل المسجد، فإذا خرج من هذا الباب قال: «سلام عليك»، ما آتيك إلا في الجمعة الأخرى، ونفذ وعده، فما يدخل بيوت الله إلا في الجمعة. فهذه ليست من العبودية لله يا عبد الله. وقس على ذلك. أو من يتعبد الله في اليوم والليلة، فلربما لا يأتي المساجد إلا في بعض الفروض، في الظهر والمغرب والعشاء مثلا. أما الفجر فلا يأتيها أبدًا. هل هذه عبودية؟ لا يا عبد الله، ما هي عبودية لله. يقول ربنا جل وعلا: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي﴾ حياتك كلها اجعلها يا عبد الله لله وفي الله. وليس من شرط العبادة لله جل وعلا أن تكرس في الصلاة. أن يفهم من هذا الكلام أنك منذ أن تصبح إلى أن تمسي وأنت في صلاة. لا يا عبد الله، اشتغل في دنياك، من كان يعمل، من كان يشتغل في بره في بحره في مؤسسته، قائم على أولاده وأهله، فليفعل. لكن يا عبد الله إذا أردت أن تعمر حياتك بطاعة الله، عمرها بالنية الصالحة. النية اجعل النية معك، أنت تأكل، ما من أحد إلا وهو يأكل الفطور والغداء والعشاء، لكن لو جعلت النية الصالحة فإنك تؤجر على طعامك وعلى شرابك. إذا أردت أن تنام يا عبد الله، اجعل في النوم نية صالحة فإنك تؤجر عليها. اجعل في ذهابك وممشاك نية صالحة فإنك تؤجر. تشتغل في البر، تشتغل في البحر، اجعل في قلبك النية الصالحة أنك ما تشتغل إلا لتتعفف أو أنك تعف على أهلك وعيالك، يؤجرك الله على النية الصالحة. مع أنها أمر دنيوي، لكن بالنية الصالحة يجعلها الله أمرًا تعبديًا. هذا معنى ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي لله﴾. يقول معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: «إني لأحتسب في نومتي كما أحتسب في قومتي». أنا عندما أقوم أرجو من قيام الليل الأجر، وكذلك عندما أنام، النوم أحتسب فيه الأجر. فلما أنام أجعل في نومي النية الصالحة بأني أنام حتى أستعد في الصباح أن أقوم لصلاة الفجر وأن أدي حق الله جل وعلا، فتنام بأمر مباح على نية صالحة، فيؤجرك الله على نومك. هذا هو القصد أن تجعل يا عبد الله في كل شيء رضا الله سبحانه وتعالى، حتى في الأمور المباحة. فالشاهد إخواني في الله، هذه الآية من الآيات العظيمة التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتفقه لما فيها من آداب ومن أحكام، وأن الله عز وجل قد عظم من أمري الصلاة والذبح، وأنهم من شعائر الله جل وعلا، وأنهم لا تصرفان إلا لله وحده لا شريك له. أكتفي بهذا القول إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.