كتاب الصيام 2

كتاب الصيام 2

الدرس في كتاب الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

صيام رمضان بالرؤية أو إكمال عدة شعبان

يحدد الحديث النبوي أن دخول رمضان وإفطاره يعتمدان على رؤية هلال رمضان، فإن غمّ الهلال تُكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً. ويسرد الشارح أسانيد الحديث في صحيح مسلم مع ترجمة مختصرة للرواة كمالك ونافع وابن عمر.

إثبات دخول رمضان بالرؤية الشرعية

يثبت دخول رمضان إما برؤية هلاله ليلة الثلاثين من شعبان أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، والمراد بـ«فاقدروا له» إكمال العدة لا التضييق. ويكفي رؤية عدل واحد لثبوت أول رمضان بينما يشترط عدلان للإفطار في العيد.

حكم صيام يوم الشك وشهادة الواحد

يدل المقطع على أن دخول رمضان يثبت برؤية عدل واحد بينما بقية الشهور تحتاج عدلين، ومن رأى الهلال وحده ولم تقبل شهادته لا يصوم وحده لأن الصوم يوم يصوم الناس جميعاً. كما يوضح أن صيام يوم الثلاثين من شعبان (يوم الشك) محرم سواء غُيّب الهلال أم لا.

حكم صيام يوم الشك لغير المعتاد

يبيّن المقطع أن من لم يعتَد الصيام لا يجوز له صيام يوم الشك، مستدلاً بحديث النهي عن تقديم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا لمن له عادة صيام. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 10 جمادى الأولى 1444هـ - 03/12/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الصيام: قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال: قرأت على مالك، وهو ابن أنس، الأصبح، إمام دار الهجرة، النافع، وهو مولى ابن عمر، مولى عبد الله بن عمر. قيل: أصله مغربي، وحصل أن أصابه من عمر في بعض الغزوات، وكان رحمه الله رجلاً فاضلاً، فهو ثقة ثبت، كما قال الحافظ: ثقة ثبت فقيه مشهور. قال: عن ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما، صحابي جليل، أسلم وهو صغير مع أبيه عمر، رضي الله عنهما، وأكثر من رواية الحديث عن النبي، عليه الصلاة والسلام، فهو من المكثرين الذين رووا عن النبي، صلى الله عليه وسلم، من الحديث فوق الألف. وكان ابن عمر من أشبه أولاد عمر به، وكان سالم بن عبد الله بن عمر من أشبه أولاد عبد الله به، رضي الله تعالى عنهما. وكان ابن عمر، رضي الله عنه، كثير الطاعة والعبادة. سئل نافع مولاه: ماذا كان يفعل ابن عمر في بيته؟ قال: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما. يعني: كان يتوضأ ويصلي ويقرأ القرآن، إما صلاة وإما قراءة للقرآن، رضي الله تعالى عنه. قال: عن ابن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه ذكر رمضان، فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمي عليكم فاقدروا له». وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة بن زيد القرشي، موثق ثبت، قال: حدثنا عبيد الله، وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عثمان القرشي، كان من سادات أهل المدينة. قال فيه الذهبي، رحمه الله، في تاريخ الإسلام: كان سيداً شريفاً صالحاً متعبداً ثقة حجة. قال: عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذكر رمضان، فضرب بيديه، فقال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، ثم عقد إبهامه في الثالثة، «فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فاقدروا له ثلاثين». وقال: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبيد الله، بهذا الإسناد، وقال: «فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين»، نحو حديث أبي أسامة. ستأتي روايات عديدة لهذا الحديث، إن شاء الله، تقرأ في الدروس القادمة، بإذن الله. هذا الحديث، حديث عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، في قوله، عليه الصلاة والسلام: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمي عليكم فاقدروا له». هذا الحديث فيه الأمر بصيام رمضان برؤية الهلال، برؤية الهلال، وأنه لا يصام إلا إذا رؤي الهلال، فإن لم يرَ الهلال فإنه يقدر لشهر شعبان، ومعنى التقدير أنه يكمل ثلاثين يوماً، يكمل ثلاثين يوماً. فدل هذا الحديث على أن صيام رمضان يكون بأحد أمرين، يكون بأحد أمرين: الأمر الأول: رؤية هلال رمضان، رؤية هلال رمضان، إذا رؤي الهلال، هلال رمضان، في ليلة الثلاثين، في ليلة الثلاثين التي يظن أن تكون هو يوم الثلاثين من شعبان، أو يكون هو أول يوم من رمضان، وهو يوم... أو نعم، يوم الشك، ليلة الشك، ليلة الشك هي ليلة الثلاثين، احتمال أن تكون من شعبان، واحتمال أن تكون أول يوم من رمضان، فإذا رؤي الهلال في تلك الليلة هنا يثبت دخول رمضان. الأمر الثاني: إذا لم يرَ الهلال فإننا نكمل شعبان ثلاثين يوماً، وحينئذ يكون اليوم الذي بعده هو أول أيام رمضان. فيثبت دخول الشهر إما برؤية هلاله ليلة الثلاثين، وإما بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً. وهذا معنى قوله، عليه الصلاة والسلام: «فاقدروا له». المراد بالتقدير هنا أي إكمال عدة شعبان ثلاثين، كما في الروايات الأخرى في قوله: «فاقدروا له ثلاثين»، يعني: أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً، وليس المراد بالتقدير هنا التضييق، يعني: ضيقوا على شهر شعبان فأخرجوه تسعة وعشرين يوماً. وإن كان هذا المعنى في اللغة يصح أن يطلق لفظ التقدير على التضييق، كما في قول الله جل وعلا: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: 87]، في يونس، عليه السلام، أي: نضيق عليه. لكن هنا المراد بالتقدير إكمال العدة، إكمال العدة، كما تدل عليه الروايات الأخرى، وسيأتي بعض الروايات: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً»، «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً». وفي هذه الرواية: «فاقدروا له ثلاثين»، فهي صريحة بأن المراد بالتقدير هو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً. وهذا قول جمهور أهل العلم، وهذا قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح. وفي هذا الحديث من المسائل: أن صيام رمضان يكون برؤية الهلال، يعني: يثبت الصيام برؤية هلاله، وأن الاعتبار ليس بالحساب الفلكي، الاعتبار بالحساب الفلكي. فلو أن أهل الحساب قالوا: إن رمضان سيكون في اليوم الفلاني، ما نعتمد على ذلك، ونقول: خلاص، أصحاب الفلك يقولون: أول يوم رمضان اليوم الفلاني، لا، العبر بالرؤية، العبر بالرؤية، لقوله، عليه الصلاة والسلام: «لا تصوموا حتى تروا الهلال». إن رأينا الهلال في تلك الليلة، ووافق ما أخبر به أهل الحساب، فذاك، وإن لم نره، وإن لم نره، قال أهل الحساب: أول يوم من رمضان اليوم الفلاني، وهو يعني يوم الثلاثين من شعبان، نحن ما رأينا الهلال، ما نصوم، ما نصوم، العبر بالرؤية، ليس بالحساب. كذلك أيضاً قوله، عليه الصلاة والسلام: «لا تصوموا حتى تروا الهلال»، المراد بالرؤية: رؤية العين، رؤية الهلال بالعين، ولو كان ذلك باستعانة ببعض الآلات والمكبرات، لا يمنع ذلك ثبوت الشهر بذلك، إذا رؤي الهلال بالعين، ولو ببعض المكبرات والآلات الحديثة. كذلك أيضاً قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلال»، هل يلزم على جميع المسلمين أن يروا الهلال؟ هل يلزم على جميع المسلمين أن يروا الهلال حتى يثبت الصيام، أو يكتفى برؤية بعض الناس؟ الجواب: أنه يكتفى برؤية بعض المسلمين، ولو كان واحداً، يثبت دخول شهر رمضان برؤية عدل واحد، برؤية عدل واحد، وذلك لحديث ابن عمر في السنن: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي، صلى الله عليه وسلم، أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه». قال: «تراءى الناس الهلال»، جعلوا ينظرون ويتحرون هلال رمضان، وهذا فيها أنه ينبغي التحري والنظر في ليلة الثلاثين لتحري رؤية هلال رمضان. فرأى ابن عمر، رأى ابن عمر الهلال، فأخبر النبي، عليه الصلاة والسلام، بذلك، فصام النبي، عليه الصلاة والسلام، وأمر الناس بالصيام، فأثبت دخول شهر رمضان برؤية ابن عمر. فاستدل بهذا أهل العلم على أن ثبوت دخول رمضان يثبت برؤية عدل واحد، يثبت برؤية عدل واحد. أما بقية الشهور فلابد من رؤية عدلين، لابد من رؤية عدلين، حتى الفطر من رمضان لا يكون إلا برؤية عدلين، لقول النبي، عليه الصلاة والسلام: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»، «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». قد يقول قائل: النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: «فإن شهد شاهدان فصوموا»، يعني: لابد من شاهدين. نقول: هذا العموم خص بماذا؟ بحديث ابن عمر، بحديث ابن عمر المذكور سابقاً، فخرج من هذا العموم أن دخول شهر رمضان يثبت برؤية عدل، أما بقية الشهور فلابد من شهادة عدلين. قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال». طيب، إذا رآه إنسان وحده، إذا رآه إنسان وحده، رأى الهلال، لكن ما قبلت شهادته، ما قبلت شهادته، هل يصوم وحده أو لا يصوم؟ في هذه المسألة أيضاً خلاف بين أهل العلم. من أهل العلم من يقول: يصوم، مدام أنه رأى الهلال، فإنه قد ثبت دخول الشهر عنده، فعليه أن يصوم. ومن أهل العلم من قال: لا، لا يصوم، إذا لم يؤخذ برؤيته وبشهادته، فمعناه أنه لم يثبت دخول الشهر، أنه لم يثبت دخول الشهر، وصوم الناس الصوم يكون في صيام الناس جميعاً، بصيام الناس جميعاً، لقول النبي، عليه الصلاة والسلام: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس». وهذا هو الأصح، أنه لا يصوم، لأنه لا يثبت بهذا دخول الشهر، والصوم كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «يوم يصوم الناس»، أي: كلهم جميعاً، أما يصوم وحده، يعني: عنده رمضان، والناس عندهم شعبان، هذا لا يصح. فمدام أنه لم تقبل شهادته، فإنه لا يصوم، ويكون حينئذ لم يثبت دخول الشهر. قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمي عليكم». غمي: يعني غطت عليكم الرؤية بسحب أو نحو ذلك من موانع الرؤية، كالقطر ونحوها. إذا كان هناك غيم، غيوم حجب الرؤية، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «فاقدروا له». قلنا: معناه: فاقدروا له، أي: أكملوا عدة شعبان ثلاثين. فدل هذا الحديث على مسألة، وهي: حكم صيام يوم الشك، حكم صيام يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان. هنا لم يأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بالصيام إذا كان هناك غيوم حجب الرؤية ومنعت الرؤية، أن ما قال: «فإن غمي عليكم فصوموا احتياطاً»، قال: «فاقدروا له»، أي: أكملوا شعبان، أكملوا شعبان ثلاثين يوماً. فهذا فيه دليل لقول جمهور أهل العلم أنه لا يجوز صيام يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان، يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يرَ الهلال، إذا لم يرَ الهلال، سواء كان هناك غيوم أو ليس هناك غيوم. القول الصحيح أنه سواء كانت هناك غيوم حجب الرؤية، أو لم يكن هناك غيوم، فإنه لا يجوز الصيام يوم الثلاثين من شعبان. لقول، أو لحديث عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم، صلى الله عليه وسلم»، «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم، صلى الله عليه وسلم». نعم، في يوم الشك لا يجوز صيامه، لا يجوز صيامه. ويؤيد هذا الحكم حديث أبي هريرة في الصحيحين: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم». نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يتقدم المسلم رمضان بصوم يوم أو يومين احتياطاً، يقول: أنا سأصوم، يعني: مثلاً يوم التاسع والعشرين والثلاثين احتياطاً، قد يكون من رمضان، فأنا صائم، الحمد لله، وإلا يكون من رمضان فنفل وطاعة. نقول: نهى النبي، عليه الصلاة والسلام، عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا من كانت له عادة في الصيام. من كانت له عادة في الصيام، إنسان يصوم الاثنين والخميس من كل شهر، صادف يوم الثلاثين أنه يوم الاثنين مثلاً، لا مانع أن يصوم، مدام أنه يصوم صومه الذي يعتاده، يصوم، لا حرج عليه. أما إنسان غير معتاد للصيام، ويأتي ويصوم يوم الشك، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز له أن يصوم. نعم، طيب، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.