الدرس في كتاب الصيام 52، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يعرض المقطع سلسلة رواة حديث ليلة القدر في صحيح مسلم مع توثيق أحوالهم، ثم يروي حديث عبد الله بن أنيس عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ليلة القدر ثم نسيانها. ويذكر رؤية النبي يسجد في ماء وطين صبيحة ثلاث وعشرين مع خلاف النووي في ضبط اللفظ.
يناقش المقطع اختلاف الروايات في ليلة نزول المطر في العشر الأواخر بين الحادي والعشرين والثالث والعشرين مرجحاً رواية بسر بن سعيد. ويستعرض مكانة عروة بن الزبير كأحد أعلم الناس بحديث عائشة رضي الله عنها وتزكية الزهري وابن عيينة له.
يُبيّن المقطع تفضيل خديجة رضي الله عنها بالسبق إلى الإيمان والمواساة وتفضيل عائشة بالعلم والفقه وهو القول الأصوب. ثم يوضح حكمة إخفاء ليلة القدر في العشر الأواخر لتحفيز المؤمنين على الاجتهاد في العبادة طوال الشهر.
من حكمة الله أن أخّر ليلة القدر إلى أواخر الشهر ليحصل المسلم على خير استغلال الشهر كاملاً. فيحرص المؤمن على قيام لياليه كلها طلباً للأجر والبركة خاصة عند فتور الهمم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثنا سعيد بن عمر بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وهو أبو عثمان الكوفي، ثقة. قال: وعلي بن خشرم، وهو أبو الحسن المروزي، وهو ثقة. قال: حدثنا أبو ضمرة، وهو أنس بن عياض بن ضمرة الليثي المدني، وهو ثقة، وكان سمحا في التحديث، يعني لا يرد أحدا أراد أن يسمع منه أو يحدثه، حتى عيب عليه ذلك، وأنه كان يعرض حديثه للناس، ولهذا قيل فيه: كان فيه غفلة، وذلك أن المحدث إذا حدث كل أحد قد يحدث من ليس أهلا للتحديث ولحمل هذا الحديث، ممن لا يعرف للحديث قيمته ومنزلته وشرفه، فهذا عيب عليه ذلك، ومن أولئك أهل العراق، فالإمام مالك عاب عليه تحديثه للعراقيين. قال: حدثني الضحاك بن عثمان، وهو القرشي المدني، واثقه بعضهم ولينه آخرون، ولهذا قال الحافظ: فيه صدوق يهم، ومثله حسن الحديث إلا فيما عد من أوهامه. قال: وقال ابن خشرم عن الضحاك بن عثمان عن أبي النظر، وأبو النظر هو شامل بن أبي أمية القرشي التيمي، هو ثقة ثبت، قال: مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، بسر بن سعيد وهو مدني أيضا، كان من العباد، وهو مولى، قال: له الحضرمي مولاهم، أي مولى الحضرميين، ليس منهم ولكن من مواليهم، وكان من الزهاد العباد، وهو ثقة. قال: عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه، وهو حليف الأنصار، أبو يحيى، شهد العقبة وأحدا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُريت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين». قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين. هنا قال النووي رحمه الله في الشرح: قال: هكذا هو في معظم النسخ، يعني ثلاث وعشرين بالنصب، وقال في بعضها: ثلاث وعشرون، وهذا ظاهر، والأول جار على لغة شاذة أنه يجوز حذف المضاف ويبقى المضاف إليه مجرورا، أي ليلة ثلاث وعشرين، يعني الأفصح: ثلاث وعشرون. قال: وهنا في حديث عبد الله بن أنيس أنهم مطروا ليلة ثلاث وعشرين، وفي حديث بسر بن سعيد أنه كان ليلة الحادي والعشرين، يعني كان المطر صبيحة يوم الحادي والعشرين، فإما أن تكون هذه حادثتان، وقعت تلك في صبيحة الحادي والعشرين وهذه في صبيحة الثالث والعشرين، وإما أن تكون الرواية الصحيحة هي رواية بسر بن سعيد لكثرة طرقها وكذلك ثقة رواتها، وأما هذه الرواية ففيها الضحاك بن عثمان وهو صدوق يهم، وقد يكون هذا من أوهامه، والله أعلم. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، وهو عبد الله، ووكيع بن الجراح بن مليح، قال: عن هشام، وهو ابن عروة بن الزبير بن العوام، عن أبيه، هو عروة بن الزبير بن العوام، تابعي جليل، كان رحمه الله من علماء أهل المدينة وفقهائهم، وقد ولد في أول خلافة عثمان، وقيل في آخر خلافة عمر، ولم يسمع من أبيه الزبير بن العوام رضي الله عنه لأنه كان صغيرا، لكن عروة تعلم العلم حتى صار من فقهاء وعلماء أهل المدينة، ولهذا قال فيه الزهري: كان بحرا لا تكدره الدلاء، كان بحرا لا تكدره الدلاء. وعروة أحد ثلاثة من أعلم الناس بحديث عائشة، عروة بن الزبير، وبقي اثنان كما قال ابن عيينة، فمن هما؟ ها ها، نعم، أحسنت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبد الرحمن. قال ابن عيينة رحمه الله: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبد الرحمن، هؤلاء الثلاثة من أعلم الناس بحديث عائشة رضي الله عنها. قال: عن عائشة رضي الله عنها، وهي عائشة بنت أبي بكر الصديقة، بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما، أعلم نساء هذه الأمة، المبرأة من فوق سبع سماوات. كان مسروق بن الأجدع إذا حدث عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب رسول الله، المبرأة من فوق سبع سماوات. وهي أحب الناس للنبي عليه الصلاة والسلام، وأعلم نساء هذه الأمة. قال الزهري رحمه الله: لو جمع علم عائشة إلى علم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ونساء الأمة لفضل علم عائشة على سائر النساء. حتى اختلف أهل العلم: أيهما أفضل، عائشة أم خديجة؟ فمنهم من قدم خديجة، ومنهم من قدم عائشة، ومنهم من فصل، فقال: من حيث السبق إلى الإيمان والوقوف مع النبي عليه الصلاة والسلام فخديجة، ومن حيث العلم ومعرفة أحكام الشريعة فعائشة رضي الله عنها، وهذا أقرب الأقوال. قال: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ابن نمير: «التمسوا»، وقال وكيع: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». انظروا كيف يتحرى الإمام مسلم، يعني يتحرى في الألفاظ ويدقق في ذلك، يعني في رواية ابن نمير قال: التمسوا، التمسوا ليلة القدر، وفي رواية وكيع قال: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. وهذا كما مر معنا أن ليلة القدر أحرى ما تكون في العشر الأواخر، أحرى ما تكون في العشر الأواخر من رمضان. نعم. والنبي عليه الصلاة والسلام أنسي تعيين هذه الليلة، كما في هذه الروايات: «إني أنسيتها» أو «نسيتها»، حتى يجتهد المؤمنون في سائر الليالي فيدركوا فضيلة القيام في ليالي رمضان، وخاصة في الأواخر منه، وهي مظنة حصول التكاسل والتقاعس، لأن الناس أول ما يقبل عليهم شهر رمضان يقبلون على العبادة وعلى الطاعة وعلى القيام وقراءة القرآن، وكلما بدأ الشهر يتناقص كلما بدأت الهمم تضعف وبدأ الكسل يتخلل الناس، فكان من حكمة الله أن جعل الله عز وجل هذه الليلة في أواخر هذا الشهر حتى يستمر المؤمن على الخير، ويوجد ما ينشطه ويعينه على أن يجتهد في الطاعة والعبادة إذا علم فضل هذه الليلة العظيمة وأنها في العشر الأواخر، فإن ذلك يحثه على الجد والاجتهاد في العبادة والطاعة في أواخر الشهر، فيكون بهذا مدركا لفضل هذا الشهر كله من أوله إلى آخره بقيام لياليه واستغلال أوقاته بطاعة الله سبحانه وتعالى، ويحصل له بهذا الخير العظيم، بخلاف ما لو كانت ليلة القدر في العشر الأول مثلا، فإذا قامها وعلم أن قيام ليلة القدر، أن من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وأن خير ليالي السنة، يقول: قد قمت ليلة القدر، وبعد ذلك يحصل له الكسل والتقاعس عن قيام بقية الليالي، فلا يأتي آخر الشهر إلا وقد ربما ترك قيام الليل. لكن كانت من حكمة الله أن كانت ليلة القدر مؤخرة في أواخر الشهر حتى يحصل للمسلم بذلك الخير في استغلال الشهر كله والحرص على قيام لياليه كلها. طيب، إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.