الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع سند حديث في صحيح مسلم مروراً بأبي هريرة رضي الله عنه، مبيناً اسمه ونسبه وكونه أكثر الصحابة رواية للحديث رغم ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات فقط. ويعزو ذلك إلى حرصه الشديد على العلم وتفرغه له، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم له عن حرصه، مؤكداً أن المداومة على حلقات العلم سبب لنيله والشفاعه.
يشرح المقطع حديث «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» دالًا على النهي عن الشروع في أي صلاة نافلة بعد إقامة الفريضة، وهو قول جمهور العلماء. ويُبين أن الحديث عام يشمل جميع النوافل كركعتي الفجر وتحية المسجد، ويرد على قول الحنفية بجواز ركعتي الفجر بعد الإقامة مرجحًا قول الجمهور.
يبيّن المقطع حكم من أدركته إقامة صلاة الفريضة وهو يصلي نافلة، فإِن كان في أولها يقطعها وإن كان في آخرها يكملها ما لم يخش فوات ركعة. ويستدل العلماء بالحديث على قاعدة تقديم المصلحة الأعلى عند تزاحم المصالح، فالفريضة مقدمة على النافلة.
يختتم المتحدث حديثه بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، خاتماً المجلس بهذا الدعاء المبارك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: وحدثني أحمد بن حنبل، وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، إمام أهل السنة والجماعة، قال: حدثنا محمد بن جعفر، وهو غندر، الملقب بغندر، وهو ربيب شعبة، ولهذا استفاد من شعبة كثيرًا، فلازم شعبة عشرين سنة، فكان رحمه الله من الأثبات فيمن يروي عن شعبة. قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، قال: عن ورقاء، وهو ابن عمر اليشكري، أبو بشر المروزي، وهو صدوق، قال: عن عمر بن دينار، وهو المكي، وهو ثقة ثبت، قال: عن عطاء بن يسار، وهو الهلالي، مولى ميمونة بنت الحارث، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، قال: عن أبي هريرة. ما اسم أبي هريرة؟ عبد الرحمن بن صخر، على الأشهر، وإلا فقد اختلف في اسمه إلى نحو من ثلاثين قولًا، أشهرها: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، حافظ الصحابة، فهو أكثر الصحابة حديثًا، رضي الله تعالى عنه، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من خمسة آلاف حديث، مع يعني ملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام فترة قليلة، لازم النبي عليه الصلاة والسلام نحوًا من ثلاث سنين، وقد جاء إلى المدينة بعد فتح خيبر، ولازم النبي عليه الصلاة والسلام حتى مات، ومع ذلك فقد جمع رحمه الله من الحديث ما لم يجمعه غيره، والسبب في ذلك هو حرصه على العلم، وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم الانشغال بشيء من أمور الدنيا. ولهذا لما قيل له: "أكثرت، قال الناس: أكثر أبو هريرة"، يعني في رواية الحديث، فقال رضي الله عنه: "فكان إخواننا الأنصار يشغلهم عمل أيديهم أو أراضيهم"، يعني الزراعة، "والمهاجرون يشغلهم عمل أيديهم"، أي التجارة، "وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني"، يعني بما أجد من طعام، فكان يصبر رضي الله تعالى عنه. وهذا يدلنا على أن حرص طالب العلم على لزوم مجالس العلم، والاهتمام بذلك، وعدم تضييعها، وعدم كذلك التخلف عنها مع الحرص، فإنه بذلك يتحصل بإذن الله على علم كثير. ولذلك لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام: "من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لقد علمت أنه لا يسألني عن هذا أحد غيرك، لما علمت من حرصك على العلم"، لما علمت من حرصك على العلم. فالحرص على العلم، والحفاظ على الأوقات، ولزوم حلقات العلم، والاستمرار في ذلك، والمداومة، سبب عظيم لحصول النفع والاستفادة، مع الصدق والإخلاص، فإذا رزق طالب العلم ذلك فإنه يوفق بإذن الله. قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». قال: وحدثنيه محمد بن حاتم، وابن رافع، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثني ورقاء، بهذا الإسناد. قال: وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، قال: حدثنا روح بن عبادة القيسي، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمر بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار يقول: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». قال: وحدثناه، وحدثناه عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا زكريا بن إسحاق، بهذا الإسناد مثله. قال: وحدثنا حسن الحلواني، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمر بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. قال حماد: ثم لقيت عمرًا فحدثني به، ولم يرفعه، أي جعله موقوفًا من قول أبي هريرة، وهذا لا ينافي صحة الحديث؛ لأنه قد روي مرفوعًا من طرق أكثر، فالذين رفعوا الحديث أكثر ممن أوقفه، وعلى هذا يحمل أن هذا الحديث حدث به أبو هريرة مرة دون أن يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فظن أنه من قوله، وحدث به في مرة أو مرات أخر ورفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا أقيمت الصلاة، يعني صلاة الفريضة، فلا صلاة إلا المكتوبة، يعني لا صلاة تصلى في هذا الوقت إلا صلاة الفريضة المكتوبة، أي الفريضة. إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. فهذا الحديث فيه نهي عن صلاة النافلة عند إقامة صلاة الفريضة، عند إقامة صلاة الفريضة، وسواء كانت هذه النافلة هي ركعة الفجر أو راتبة الظهر، فكذلك فإنها لا تصلى إذا أقيمت الصلاة، وهذا قول جمهور أهل العلم، هذا قول جمهور أهل العلم: أنه إذا أقيمت الصلاة الفريضة فإنه لا يجوز للمسلم أن يشرع في صلاة النافلة. وخالف الحنفية، وقالوا: إنه يجوز في صلاة ركعة الفجر أن تصلى بعد إقامة الإمام للصلاة، يعني أقام الإمام الصلاة لصلاة الفجر، وجاء من لم يصل نافلة الفجر القبلية، ركعتي الفجر، قالوا: له أن يصلي، له أن يصلي ركعتي الفجر، والإمام يصلي الفريضة. وهذا القول ليس بصحيح، بل قول جمهور أهل العلم، والصواب لهذا الحديث، والحديث عام: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة»، فلا صلاة، وصلاة نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، أي صلاة من النوافل فإنها لا تصلى، ولو كانت أيضًا كذلك تحية المسجد، إذا دخل الإنسان يصلي تحية المسجد وهو في عند الشروع فيها أقيمت الصلاة، إذا شرع في صلاة تحية المسجد مثلًا فأقيمت صلاة الفريضة، فإنه يخرج، بل لو كان يصلي فريضة فائتة مثلًا لعذر، لعذر كذلك، فإنه يخرج، لا صلاة إلا المكتوبة، الصلاة صلاة الفريضة الحاضرة. فإذا كان ذلك يعني إقامة صلاة الفريضة قبل أن يشرع المسلم في صلاة نافلة، هنا لا يجوز له، لا يجوز له أن يصلي صلاة نافلة، وقد أقيمت صلاة الفريضة، وهذا واضح. فإذا أقيمت صلاة الفريضة والمسلم يصلي صلاة نافلة، فهل يخرج ويقطع صلاة نافلة، أو أنه يستمر حتى يكملها ثم يدخل مع الإمام في صلاة الفريضة؟ في هذا تفصيل كما ذكر أهل العلم: فإن كان في أول صلاة نافلة، كان يكون كبر وهو في أثناء الركعة الأولى، أقيمت صلاة الفريضة، فهنا يخرج، يخرج ويصلي مع الإمام صلاة الفريضة؛ لأنه إن استمر فسوف يتأخر، ويحتمل أن يركع الإمام وهو ما زال يصلي النافلة، فيضيع الفرض الواجب بأمر مستحب، فحينئذ يخرج. وأما إذا كان في آخر النافلة، كان يكون في الركعة الثانية، أو قد سجد في الركعة الثانية، أو في التشهد، أو نحو ذلك، فلا بأس أن يكملها؛ لأنه في هذه الحال يمكن أن يجمع بين المصلحتين، أن يجمع بين المصلحتين، وهي إكمال صلاة النافلة ثم الدخول في صلاة الفريضة، إلا إذا كان يعلم أن هذا الإمام سريع، لو أنه أكمل هذه الركعة الثانية فإنه ربما تفوته الركعة الأولى من الفريضة، فإنه يخرج، يخرج ويصلي الفريضة. فإن قيل: أليس الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾؟ ليس هذا إبطال العمل، أقول: يقال إبطال العمل هنا بأمر من الشرع الذي أمرنا بذلك، هو النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا أنه لا صلاة إذا أقيمت الفريضة، لا صلاة، أي لا صلاة نافلة عند إقامة الفريضة. يستدل أهل العلم بهذا الحديث على قاعدة شرعية، فما هي؟ يستدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة شرعية، نعم، إنها قاعدة هذه القاعدة هي في المصالح، نعم، إيش القاعدة؟ إذا تزاحمت، نعم، إذا تزاحمت عدد المصالح يقدم الأعلى من المصالح، إذا تعارضت مصلحتان فإنه يقدم الأعلى منهما، يقدم الأعلى منهما. فصلاة النافلة مصلحة، هي طاعة وعبادة وقربة مطلوبة، وحث الشرع عليها، فإذا عارضها صلاة الفريضة، وصلاة الفريضة مصلحة أوجب، هي أوجب من صلاة النافلة، وما أمكن الجمع بينهما فهنا تقدم الأعلى، وهي صلاة الفريضة، والدليل هذا الحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». فإذا أمكن الجمع بينهما فلا تعارض، أن يصل للإنسان النافلة قبل الفريضة، قبل أن تقام الفريضة، هذا لا إشكال، فهنا يجمع بين المصلحتين، لكن إذا تعارضت، أقيمت الفريضة مع صلاته للنافلة، فهنا يقدم الأعلى، وهي صلاة الفريضة. طيب، هذا إعلان عن درس في الإملاء بعد الدرس العام من هذا اليوم، آلي أخينا أستاذ الشيخ الفاضل عوض بن عروة، حفظه الله، فاحرصوا، حفظكم الله، على الحضور والاستفادة. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.