الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استعرض الشيخ سلسلة رواة الحديث في صحيح مسلم بدءاً من أبي كامل الجحدري وحماد بن زيد مع الثناء على حفظهما وإمامتهما، ثم فسر معاني حرف الحاء في اختصارات الأسانيد مبيناً أنه يدل على التحويل أو الاختصار أو اختصار كلمة حدثنا.
روى الحديث الذي فيه أن رجلاً صلى ركعتين قبل الدخول مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فسأله النبي عن أي الصلاتين اعتد، مستدلاً به على النهي عن ابتداء النافلة بعد إقامة الفريضة وجواز تسمية صلاة الصبح بالغداة.
فصل الحكم فيمن أدركته الإقامة وهو في النافلة: يتمها إن كان في آخرها ويقطعها إن كان في أولها، وأبرز أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم بالسؤال لتحفيز الفهم مستشهداً ببيع الرطب وسؤاله عن حق الله على العباد.
اختتم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بما تم طرحه من شرح الإسناد والحديث والأحكام المستنبطة، واختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو كامل الجحدري، وهو الفضيل بن الحسين، محدث حافظ، قال: حدثنا حماد، يعني ابن زيد، وهو حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الحافظ، كان إمام أهل البصرة في زمانه، كان إمام أحمد رحمه الله يقول: حماد بن زيد إمام أهل الدنيا في الدين، إمام أهل الدنيا في الدين، وكان حافظاً يحفظ أربعة آلاف حديث لم يخطئ في شيء منها، ذكروا أنه قد كان ضريراً، لكن هذا كما قال الحافظ ابن حجر، وهكذا الذهبي، أنه ربما طرأ عليه، لأنه صح عنه أنه قد كتب، ومع هذا فكان اعتماده على الحفظ، لم يكن له كتاب، ولهذا قال: وكان أيضاً إمام في السنة، كان إماماً في السنة، ولهذا قال ابن المبارك رحمه الله: أيها الطالب علماً، ائتِ حماد بن زيد، فخذ العلم بحلم، ثم قيده بقيد، لك جهم، وكثور، وكعمر بن عبيد. ولما مات رحمه الله قال يزيد بن الزريع لما بلغه موت حماد بن زيد: مات اليوم سيد المسلمين، مات اليوم سيد المسلمين. قال: حاء، ما معنى حاء؟ تحويل السند. نعم، أيضاً قد يستعمل بمعنى اختصار الحديث، إذا كان في آخر السند، إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاء، يعني الحديث. أيضاً له معنى ثالث: اختصار «حدثنا». نعم، إذا قال: حاء، وذكر الراوي الذي بعده، فيكون حاء بمعنى «حدثنا». وأما إذا قال: حاء، ثم حدث عن شيخ من شيوخه، فهذا تحويل للسند، وهذا هو الغالب في استعمال هذا الحرف. قال: وحدثني حامد بن عمر البكراوي، وهو أبو عبد الرحمن الثقفي، وهو ثقة، قال: حدثنا، قال: حدثنا عبد الواحد، يعني ابن زياد، عبد الواحد بن زياد، وهو أبو بشر العبدي، وهو ثقة، إلا أن في روايته عن الأعمش مقال. قال: حاء، وحدثنا ابن نمير، وهو محمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، من أوثق الناس في الأعمش، من أوثق الناس في الأعمش. قال: كلهم عن عاصم، وهو ابن سليمان الأحول، وهو ثقة حافظ. قال: حاء، وحدثني زهير بن حرب، وهو أبو خيثمة النسائي، واللفظ له، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، وهو ثقة إذا حدث عن الثقات، قال: عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس، صحابي جليل، قال: «دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة، أي صلاة الصبح، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا فلان، بأي الصلاتين اعتددت؟ أَبِصَلَاتِكَ وحدك أم بصلاتك معنا؟». هذا الحديث كما أخبر عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بأصحابه صلاة الصبح، فدخل رجل فصلى ركعتين، لعله كان يريد أن يصلي تحية المسجد أو ركعتين الفجر القبلية، سنة الفجر، ثم لما انتهى دخل مع النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الفجر، فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة قال: يا فلان، بأي الصلاتين اعتددت؟ أَبِصَلَاتِكَ وحدك أم بصلاتك معنا؟ وأراد النبي عليه الصلاة والسلام بهذا أن ينكر عليه ما فعل، أن ينكر عليه ما فعل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، فلا يصلي الإنسان نافلة وقد أقيمت صلاة الفريضة، ليس له أن يبتدئ بنافلة عند إقامة الفريضة. وفي هذا الحديث جواز تسمية صلاة الصبح بصلاة الغداة كما في هذا الحديث، وفيه كذلك أنه لا يجوز للمسلم أن يصلي نافلة عند إقامة صلاة الفريضة، عند إقامة صلاة الفريضة، بل الواجب أن يدخل في صلاة الفريضة، ثم إذا أراد أن يصلي هذه النافلة الفائتة يصليها بعد صلاة الفجر، أو يصليها عند طلوع الشمس، فكلا الأمرين جائز. وهذا كما ذكرنا سابقاً: إذا أراد أن يشرع في صلاة النافلة وقد أقيمت الفريضة، أما إذا أقيمت الفريضة وهو يصلي النافلة، وهو يصلي النافلة، فإذا كان هو في آخر صلاة النافلة فيستمر حتى يكملها ثم يدخل مع الإمام في الفريضة، وأما إن كان في أولها فإنه يخرج، يخرج من صلاة النافلة ويدخل في صلاة الفريضة. وفي هذا الحديث كذلك تعليم النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه بأسلوب من أساليب التعليم، وكذلك أيضاً إيصال العلم، وذلك عن طريق السؤال، وذلك عن طريق السؤال، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا فلان، بأي الصلاتين اعتددت؟ أَبِصَلَاتِكَ وحدك أم بصلاتك معنا؟ وهذا سؤال يراد منه التعليم والإنكار، أن ينكر عليه ما فعل، كأنه يقول: أنت الآن صليت، ما ندري، هل أنت صليت الصبح وحدك أو صليت الصبح معنا؟ فكأنه يقول: انتبه، لا تفعل هذا مرة أخرى، لا ينبغي لك أن تفعل مثل هذا مرة أخرى. وهذا أسلوب من أساليب التعليم كثيراً ما كان يستعمله النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه يجعل المسؤول ينتبه فيفهم الجواب. ومن ذلك لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الرطب بالتمر، قال: «أينقص الرطب إذا يَبِس؟» سألهم، وهو يعلم أنه ينقص، لكن يريد منهم أن ينتبهوا، قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: «فلا». وهذا في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث زيد بن خالد الجهني: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قال: الله ورسول أعلم، الحديث، قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر». ولما قال معاذ رضي الله عنه: «أتدري ما حق الله على العباد؟ حق العباد على الله؟» قال: الله ورسول أعلم، ثم بين له. هذا أسلوب من أساليب التعليم، أن يكون عن طريق السؤال، تسأل الطالب والتلميذ حتى ينتبه، فإذا أعطيته الجواب حفظه وفهمه، أو كذلك أيضاً يكون فيه معنى الإنكار، كما في هذا الحديث، يكون إنكار عن طريق السؤال، فينتبه، فينتبه أنه حصل منه شيء يستحق أن يصحح ويعدل، فينتبه لما وقع فيه من خطأ. طيب، نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.