الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 117، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر البخاري سند حديث سبب نزول آية ﴿وَتَخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة، مبيناً رجال الإسناد ومناقشة توثيق العلاء بن عبد الرحمن. ينتهي السند إلى أنس بن مالك رضي الله عنه مؤكداً نزول الآية في هذه القصة.
أمر النبي ﷺ زيد بن حارثة بتقوى الله وإمساك زوجته زينب دون أن يأمره بطلاقها، ثم قدر الله وقوع الطلاق وزواج النبي ﷺ منها بأمر من الله. افتخرت زينب بأن الله زوجها نبيه من فوق سبع سماوات، وضرب المثل بخولة بنت ثعلبة في أن مفارقة الأزواج لا تعني عيباً في الدين.
تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد بن حارثة لحكمة تشريعية تتمثل في إبطال عادة التبني الجاهلية وإزالة الحرج عن المؤمنين في الزواج من زوجات أدعيائهم. نزل في ذلك قرآن كريم في سورة الأحزاب يبين هذا التشريع.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿وَتَخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾. قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم القرشي، الذي يلقب بصاعقة، وهو بزاز. محمد بن عبد الرحيم البزاز، بزاز، بمعنى بايع البز، وهو الذي يلقب بصاعقة، وهو حافظ كبير. قيل: إنه سُمّي صاعقة لشدة حفظه أو كثرة حفظه وسرعته، أنه يحفظ بسرعة فسمي صاعقة، مثل الصاعقة التي بسرعة تأتي، وهذا حفظه كالصاعقة فلقب بالصاعقة. وهو إمام محافظ كبير، وهو يعتبر في سن البخاري، بل توفي قبل البخاري، توفي قبله. قال: حدثنا المعلّى بن منصور، وهو الرازي، أبو يعلى الرازي. والمعلّى بن منصور يعتبر ثقة، وهو حنفي المذهب، وتعلم مذهب الحنفية على يد محمد بن الحسن وأبي يوسف، لكنه كان أقرب إلى السنة، وأخذ العلماء عنه إلا أحمد بن حنبل رحمه الله، كان لا يأخذ عنه، بل كان يتجاوز بيته. وكان المعلّى بن منصور من أهل بغداد، وأحمد بن حنبل من بغداد، فكان يتجاوز بيته، يمر على بيته ولا يدخل. وقيل: إن أحمد رحمه الله لم يأخذ الحديث من المعلّى بن منصور لسببين: السبب الأول: أنه حنفي من أهل الرأي، وكان يتهمه أحمد أنه يأتي بحديث التي توافق أهل الرأي. والأمر الثاني: أنه كان من أهل كتب الشروط، ممن يكتب الشروط عند القضاء، وكتابة الشروط غالباً يكون فيها الكذب. فلذلك كان لأجل هذين السببين لا يأخذ عن المعلّى بن منصور. وإلا فقد وثقه معين، ووثقه جماعة من أهل العلم. ومسألة الرأي وغيره فهي لا تدخل في مسألة الحديث، لكن لأجل أن أحمد رحمه الله إنما لم يأخذ منه لأنه يرى أن المعلّى بن منصور يأتي بحديث تؤيد الرأي. لكن كما قال بعض العلماء: حاشاه أن يكذب، لكن قد يهم أو يدخل عليه في هذا الحديث. قال: عن حماد بن زيد، قال: حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن هذه الآية ﴿وَتَخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة. وهذا الاختلاف فيه بين العلماء، وبين أيضا ما جاء في سبب النزول: أن هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة لما تزوج زينب بنت جحش. وهذه الآية قوله جل وعلا: ﴿وَتَخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، قال: نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة. وقد ذكر البخاري هذه القصة في عدة مواضع، وأن زيد بن حارثة ممن كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وأيضا كان رباه ومولاه. فجاء زيد بعدما زوجه النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، فكان زيد بن حارثة يشكو إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: «اتق الله وأمسك عليك زوجك». قال: كان يقول له: «اتق الله وأمسك عليك زوجك». معناه: كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد أنه يستمر لأنه زوجه. لكن يقول أنس رضي الله عنه كما جاء في رواية: «لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه الآية». لكن الله عز وجل هو عالم بالسرائر، فربنا جل وعلا علم أن النبي عليه الصلاة والسلام حسّ، معناه كان شعوره أنه يتزوج زينب إذا كان زيد لا يريدها. فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات. وكانت زينب تفتخر على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في رواية البخاري، كانت تفتخر فتقول: «زوجني ربي»، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، زوجني الله من فوق سبع سماوات. فقال الله عز وجل: ﴿فَزَوَّجْنَاكَهَا﴾، يعني زينب بنت جحش، فزوجناكها، زوجها الله عز وجل له، وهذه نعمة عظيمة لزينب، فخر لزينب رضي الله عنها أم المؤمنين. فلذلك كانت تفتخر بذلك أن الله عز وجل زوجها نبيه عليه الصلاة والسلام. ولا شك أنه لا يشك في هذه المرأة الصحابية الجليلة، ولا يشك في صفاء قلبها، وأيضا سداد أخلاقها. وأما مفارقة زيد لها، فقد يكون الإنسان أحيانا لا ينسجم مع امرأة، مع المرأة التي يتزوجها مثلا، أو قد لا يجد الراحة في زواجه معها، أو غيرها من الأسباب، لكن ليس ذلك عيبا في المرأة، وليس أيضا كذلك عيبا في الرجل. لهذا قالت خولة بنت ثعلبة، قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: «لا أعيب في ثابت بن قيس خلقا ولا دينا، لا أعيب خلقه، كان من أخلاقه من أعلى الأخلاق، ولا أعيب دينه، لأنه رجل مستقيم على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام». فقالت: «لا أعيب خلقه ولا دينه، ولكني أكره الكفر». معنى تريد أنها تكره أن تكفر، بمعنى من عاشرته، فتخشى أنه يأمرها بشيء فتأبى أن تطيعه. فوافق النبي عليه الصلاة والسلام، أو رضي النبي عليه الصلاة والسلام، جعلها تخلع زوجها بهذا السبب. فلذلك قد يأتي الرجل وهو من الصالحين، والمرأة كذلك من الصالحات، لكن لا ينسجمان معا، لا ينسجمان معا، وهذه طبائع البشر. فلذلك زيد بن حارثة لم ينسجم مع زينب بنت جحش، مع أنها كانت من أتقى الناس وأطهر الناس، وكذلك أيضا كانت كثيرة الصدقة وغيرها من الأمور التي كانت عليها رضي الله عنها. لهذا زوجها النبي عليه الصلاة، زوجها الله عز وجل لنبيه. ولا شك أن الله عز وجل لا يختار لنبيه إلا من الصالحات المتقيات، فاختار الله عز وجل هذه زينب بنت جحش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾. والسبب أيضا ذكره الله عز وجل: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. يعني: إذا تزوج رجل مولى مثلا امرأة ثم طلقها، فيجوز لمولاه وسيده أن يتزوج هذه المرأة. وكذلك أيضا يجوز فيما كان في التبني، كان العرب في بداية الإسلام يجوز التبني، وكان زيد بن حارثة يقال له: زيد بن محمد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تبناه في الجاهلية. ثم كما تقدم معنا أنزل الله عز وجل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾. فلذلك لما تزوج زيد بن حارثة زينب ثم طلقها، تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنها زوجت ابنه، معناه: أنه الذي دعاه فادعاه، لكن كان في الجاهلية لا يتزوج زوجة ابنه الذي ادعاه. فأبطل الله عز وجل هذه المسألة، على أنه يجوز للإنسان أن يتزوج الرجل أو المرأة التي قد تزوجها من تبناه، أو مثلا مولاه، فإنه يجوز له أن يتزوجها. فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر فضلا أو ما كان عليه، أو ذكر هذه المسألة، لكي لا يكون للمؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام لما كان يحصل من زيد وزينب شيء من هذه المشاكل، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام وقع في نفسه أنه يتزوج زينب بعد أن يطلقها زيد، لكنه لم يأمره بطلاقها، لم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بطلاقها، بل كان يقول له: «اتق الله وأمسك عليك زوجك»، أو: «أمسك عليك زوجك واتق الله». حتى أن الله عز وجل زوجه إياها، وكانت من خيرة أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.