الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 119، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر البخاري باباً في آداب دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم مع توضيح معنى كلمة «إناه»، ثم يسوق حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي طلب فيه حجاب أمهات المؤمنين فنزلت آية الحجاب. ويبين هذا الباب أهمية احترام حرمة بيوت النبوة والتزام الأدب الشرعي في الدخول.
توضح الآية وجوب الحجاب وسؤال أزواج النبي من وراء حجاب، وتحذر النساء من الخضوع في القول لئلا يطمع من في قلبه مرض، وتؤكد أن ذلك أطهر للقلوب. وينبه المقطع إلى مخالفة هذا الهدي في الواقع المعاصر حيث يختلط الرجال بالنساء في أماكن العمل بلا حواجز شرعية.
يستعرض المقطع أدلة شرعية تمنع الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل وغيره، مستشهداً بآيات الحجاب في سورة الأحزاب التي تفرض الستر والجدار بين الجنسين. ويحذر من الفساد الناتج عن التساهل في الحواجز الشرعية وضرورة الالتزام بها.
يؤكد المقطع على ضرورة سد طرق الشيطان بوضع حجاب بين الجنسين، بحيث لا يرون بعضهم ولا يسمعون مباشرة، مما يجعل التعامل أطهر للقلوب وأسهل للنساء. ويستند ذلك إلى ما ورد في الآية الكريمة والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، وإذا طعمتم فانتشروا، ولا مستأنسين لحديث، إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم، والله لا يستحيي من الحق، وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهم، وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً، إن ذلكم كان عند الله عظيماً». هنا الآية ناقصة، قال: «يقال: إناه إذ راكه غير ناظرين، إناه: أي أتى، يأتي أناة، يعني: لا تجلس تنتظر مجيء النبي عليه الصلاة والسلام». قال: «لعل ساعة تكون قريبة، إذا وصفت صفة المؤنث قلت: قريبة، وإذا جعلته ظرفاً وبدلاً ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث، وكذلك لفظها في الواحد والاثنين والجميع للذكر والأنثى: أنا واحدة، واثنين، لعل ساعة تكون قريبة، إذا أردت الوصف تقول: قريبة، وأما إذا أردت الظرف والبدل تقول: قريباً». ما أدري مناسبة هذه الآية هنا، الله أعلم. قال رحمه الله: «حدثنا مسدد»، ومسدد هو أبو الحسن البصري، قال البخاري: «هو مسدد كاسمه، كان حافظاً كبيراً»، قال يحيى بن سعيد: «لو أتيت إلى مسدد في بيتي لكان يستأهل، لحرصه على العلم، لحرصه على العلم». قال مسدد: «عن يحيى»، وهو ابن سعيد القطان، «عن حميد، عن أنس»، حميد بن أبي حميد الطويل، عن أنس رضي الله عنه، أبو حمزة الأنصاري النجاري. قال: «قال عمر رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله عز وجل آية الحجاب». آية الحجاب هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، هذه آية الحجاب، النساء أو كلام النساء، إذا أراد أن يكلم امرأة فإنها تحتجب عنه بجدار أو بغير، وأيضاً إذا أرادت أن تكلم الرجل لا ينبغي لها أن تخضع في القول، أي: تلين من صوتها، وإنما تشحب صوتها وترقمه، حتى كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، فإن المرأة إذا ألانت كلامها فقد يكون فتنة للرجل، خاصة من كان قلبه مائلاً إلى النساء، فلذلك أمر الله عز وجل أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وهن الطاهرات، أمرهن بهذا. ﴿فَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾، فهذا قاله الله عز وجل آمراً للصحابة بذلك، أنهم إذا سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألوهن من وراء حجاب، لا يسألوهن مباشر، ولو كانت المرأة أو كانت إحداهن متحجبة، فلا بد أن يسألها من وراء حجاب. وقد كان الناس يأتون إلى عائشة رضي الله عنها، وإلى أم سلمة، وإلى أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، يسألوهن من وراء الحجاب، يعني: من خارج الغرفة، يسألون من خارج الغرفة، وإن كان أحد من أرحامها دخل عندها، إذا كان مثل عروة مثلاً يدخل عند عائشة، أو القاسم بن محمد وهي عمته، وهكذا أرحامهن يدخلون عندهن، وأما غير الأرحام فيسألوهن من وراء حجاب. فأمر الله عز وجل الصحابة أنهم لا يسألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلا من وراء حجاب، وهذا أضمن، ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، وأيضاً أمر أمهات المؤمنين أن لا يخضعن بالقول، إذا تكلموا مع الرجال أن لا يخضعن بالقول. فانظروا إلى هذه الحشمة العظيمة، والطهارة العظيمة، وسد باب الفساد، وانظروا إلى وقتنا هذا الحاضر، حتى في بلادنا التي فيها حجاب، إلا أنك تجد الرجل يكلم المرأة في أماكن العمل، في المستشفيات، في المدارس، في كذا، وكأنها زوجته يكلمها، أو كأنها محرم له، فيضحك معها ويتكلم معها، وهذا لا يجوز. ولهذا هذه الآية من الآيات، ومن الأدلة على عدم جواز الاختلاط بين الرجل والمرأة، سوى كان في عمل أو في غيره، فإن كان هناك عمل لا بد أن يفرز الرجال في قسم، والنساء في قسم آخر، وأيضاً من باب سد الذرائع أن لا يكون بينهما علاقة تجمعهما، وإلا فقد ذكر كثير من الناس من باب الإخبار قصصاً كثيرة تحصل بسبب الفساد الذي يحصل في مثل هذه الأماكن. وأيضاً كذلك طُلقت نساء بسبب هذه الاختلاطات، اختلاط في العمل، فيشك الرجل في زوجته، وغالباً يطلقها، أو يحصل منها شيء فيطلقها، فلذلك نزلت هذه الآية بمنع الدخول على النساء. فقال عمر رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر»، أنا منهم من هو بر وتقي، ومنهم من هو فاجر، «فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب»، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وهذه الآية نزلت كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث الآخر، يحكي أنس كيف نزول هذه الآية عندما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش. طيب، فهذه الآية كما قلنا فيها الحجاب والسَّتر للنساء بالجدار، وأما حجاب النساء في الشارع وفي الخارج فهي قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، أن تلبس المرأة الحجاب، فهذه الآية آية الأحزاب فيها حجاب المرأة إذا خرجت في الشارع، وهذه الآية فيها حجاب المرأة إذا أرادت أو يكلمها الرجل، فلا يكلمها مباشرة، وإنما يكلمها من وراء حجاب، أي: الجدار. وهذا دليل أيضاً على ما قاله بعض العلم أن الرجل إذا أراد أن يحاضر للنساء فإنه يجعل بينهن حجاب، وخاصة إذا كان فيه معنى يكلمهن ويكلمنه، أو يسألنه أو كذا، فلا بد أن يكون هناك حجاب، وأما الترخص في هذا فهو من الخطأ، وأيضاً حصل به فساد عظيم، وتحول مجالس العلم إلى مجالس عشق وغيرها، يعشق الرجل المرأة وينظر له من النساء التي أمامه، وهذا يحصل عند الحزبيين، وهذا فساد والعياذ بالله. ولهذا فالأولى بالإنسان أن يسد هذه الطرق التي يدخل منها الشيطان، فلذلك يجعل بينه وبين النساء حجاباً حتى لا يراهن ولا يرينه، وإذا يكلمهن من وراء حجاب، إذا تكلمت المرأة تتكلم أيضاً من وراء هذا الحجاب، فيكون أسهل لهن، وكذلك أطهر للقلوب. خيب، هذا ما يذكر في هذه الآية، والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر أبعوث