الدرس في كتاب الصيام 53، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع سلسلة رواة حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم مع توضيح أحوالهم ومصطلحات الجرح والتعديل، ويعرف مصطلح المخضرمين. ويختتم بذكر دلالة أبي بن كعب على أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين استناداً إلى علامة طلوع الشمس صبيحتها بلا شعاع.
يتناول المقطع نقد أحوال الرواة كمر بن معاوية الفزاري ويزيد بن كيسان، مبيناً تدليس الشيوخ وحكمه، ويميز بين أبي حازم سلمان الأشجعي وغيره. ثم يستعرض حديث ليلة القدر ودليل وقوعها في العشر الأواخر من رمضان.
يوضح المقطع أن ليلة السابع والعشرين هي أحرى ليالي العشر الأواخر لكونها ليلة القدر، لكنها تتنقل بين الليالي كل سنة ولا تثبت في تاريخ واحد. ويستعرض العلامات اللاحقة كطلوع الشمس بلا شعاع، والعلامات المقارنة كاعتدال الجو وزيادة النور والطمأنينة، مستدلاً بأحاديث صحيحة وحسان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: قال: وحدثنا محمد بن حاتم، وابن أبي عمر، محمد بن حاتم، وهو ابن ميمون البغدادي، صدوق يهم، وابن أبي عمر محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، الحافظ، قال كلاهما: عن ابن عيينة. قال ابن حاتم: حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أبو محمد الهلالي، الإمام الحافظ، قال: عن عبدة، وهو ابن أبي لبابة الأسدي، هو ثقة. قال: وعاصم بن أبي النجود، وهو عاصم بن بهدلة، صدوق له أوهام، لكنه حجة في القراءة، وهو أحد القراء السبع المشهورين الذين يقرأ الناس القرآن على قراءتهم، ونحن قراءتنا المشهورة قراءة عاصم، هو هذا ابن بهدلة، من رواية حفص عنه، حفص عن عاصم، وله راوٍ آخر كذلك وهو شعبة، فعاصم حجة في القراءة، وفي الحديث يعني صدوق، ليس بذاك الثقة. قال: سمع زر بن حبيش، وزر بن حبيش ثقة، وهو مخضرم. ما معنى مخضرم؟ ما معنى مخضرم؟ نعم، مدرك الجاهلية والإسلام، ولم يلقَ النبي عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء يسمون بالمخضرمين، فلا هم في منزلة التابعين الذين أدركوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ولم يدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولا هم صحابة، مع أنهم عاشوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يلقوه، فهم يعني في منزلة بين منزلة الصحابة والتابعين، إلا أنهم يعدون من طبقة كبار التابعين، من طبقة كبار التابعين، وهذا يسمون بالمخضرمين. قال: يقول: سألت أبي بن كعب، وهو الخزرجي الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، أبو المنذر. قال الإمام الزهري، رحمه الله: سيد القراء، ممن جمع القرآن في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم، في الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أي آية في كتاب الله أعظم؟» فقال: ﴿ الله لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾، أي: آية الكرسي، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال: «ليهنئك العلم أبا المنذر، ليهنئك العلم أبا المنذر». وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾»، أي: سورة البينة، فقال أبي: وسماني؟ يعني: الله عز وجل ذكر اسمي، قال: وسماني، قال: نعم، فبكى أبي، رضي الله عنه. فقال: عن أبي بن كعب، قال: سألت أبي بن كعب، رضي الله عنه، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقوم الحول يصب ليلة القدر، يعني: السنة كلها، فقال، رحمه الله: أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي، الملقب بالزمن، قال: حدثنا محمد بن جعفر، الملقب بغندر، قال: سمعت، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، قال: سمعت عبدة بن أبي لبابة يحدث عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب، رضي الله عنه، قال: قال أبي في ليلة القدر: والله إني لأعلمها، قال شعبة: وأكبر ظني هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وإنما شك شعبة في هذا الحرف، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وحدثني بها صاحب لي عنه. قال: وحدثنا محمد بن عباد، وهو من الزبرقان، البغدادي، أبو عبد الله، قال فيه ابن معين: لا بأس به، وقال الحافظ: صدوق يهم، لكنه مقرون بابن أبي عمر، وهو العدني الحافظ. قال: وابن أبي عمر قال: حدثنا مروان، وهو الفزاري، مروان بن معاوية الفزاري الكوفي، هو ثقة، بل كان من الحفاظ، كما قال غير واحد من الأئمة، كالإمام أحمد والذهبي، وحافظ متقن، قال الإمام أحمد: كان من الحفاظ، كان حافظًا، إلا أنه يعني كما قال الإمام أحمد: إذا رآه أحد يقول: أبله، ومع ذلك كان من الحفاظ، عيب عليه التساهل في أخذ الحديث من المشايخ، التساهل في ذلك، حتى إنه كان لربما يعني من يجد في الطريق يسأله أن يحدثه، يسأله أن يحدثه، فكان يروي عن من هب ودب، لكن من عرف أن روايته عنه من أهل العلم والثقات فروايته مقبولة، روايته مقبولة عند أكثر أهل العلم، وأما إذا حدث بمن لا يعرف فهنا يتوقف، ومع هذا فالعلماء قبلوا حديثه، وكان مدلسًا، يدلس تدليس الشيوخ، يدلس تدليس الشيوخ، وما هو تدليس الشيوخ؟ ما هو تدليس الشيوخ؟ ها، نعم، نعم: أن يصف شيخه بشيء لا يعرف به، بشيء لا يعرف به، مثل: يكنيه بكنية لم يشتهر بها، هو مشهور باسمه، اسمه مثلًا محمد، فيقول: حدثني أبو خالد، وما أحد يعرف أن محمد هذا كنيته أبو خالد، فيدلس، نعم، أو ينسبه بنسبة غير مشتهر بها، ونحو ذلك، هذا يسمى تدليس الشيوخ، وكان المحدثون يفعلون ذلك، منهم من يريد بذلك الإظهار أنه كثير الشيوخ، أنه كثير الشيوخ، ربما الشيخ الواحد يحدث عنه ثلاث مرات بثلاث صفات لا يعرف بها مثلًا، فالذي يسمع يقول: هؤلاء ثلاث شيوخ، حدث عنه هو واحد، يظهر أنه كثير الشيوخ، وقد يستعمل ذلك لأجل التعمية على حال هذا الشيخ لكونه ضعيف، فيذكره بشيء لا يعرف به حتى يعمي عن أمره ويغطي عن حاله، وهذا لا يجوز، هذا لا يجوز، لما في ذلك من إظهار الحديث بالصحة وهو ضعيف، وأما إذا كان مقصود التظاهر بكثرة الشيوخ فهذا لا يصل لحد التحريم، قد يكون مكروهًا، أما إذا غطى على شيخه ودلس لأجل لا يعرف حاله فيضعف الحديث فهذا لا يجوز. قال: عن يزيد، وهو ابن كيسان، وهو الأشكري، أبو إسماعيل، وهو صدوق يخطئ، صدوق يخطئ، كما قال الحافظ، ومثل حديثه حسن، إلا إذا عد هذا الحديث من أخطائه. قال: عن أبي حازم، وهو سلمان الأشجعي، يروي عن أبي هريرة كثيرًا، لأنه لازم أبا هريرة خمس سنوات، لازم أبا هريرة خمس سنين، وهناك أبو حازم آخر يروي عن سهل بن سعد، ما اسمه؟ ها، أبو حازم آخر يروي عن سهل بن سعد، ما اسمه؟ ها، سلمة بن دينار، اسمه سلمة بن دينار، ذاك يروي عن سهل بن سعد، وهذا سلمان الأشجعي، أبو حازم، يروي عن أبي هريرة. قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة؟» الجفنة: الإناء الذي يسع أكثر من خمسة، الذي يسع أكثر من خمسة، والمراد: حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة، يعني في آخر الشهر، في آخر الشهر. في حديث أبي بن كعب، لما أخبر، رضي الله عنه، بأن ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، قال: أراد أن لا يتكل الناس، يعني: أن لا يتكلوا بليلة معينة يقوموا فيها ويتركوا بقية الليالي والأيام، وليس مراده أن يقوم السنة كلها، وإلا فهو يعلم أن ليلة القدر في رمضان، أن ليلة القدر في رمضان، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾، أي: القرآن، وقال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾، فبدلالة الآيتين يتعين أن تكون ليلة القدر في رمضان، أن تكون ليلة القدر في رمضان، وكذلك أيضًا في الحديث الأخرى مرت معنا، ومن هذا الحديث أن أحرى ما تكون في العشر الأواخر، وأبي رضي الله عنه كان يرى أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين، ليلة السابع والعشرين من رمضان، وكان يجزم بذلك، حتى إنه يحلف لا يستثني أن ليلة القدر في السابع والعشرين، واستدل أهل العلم بهذا الحديث على أنه أحرى ليالي العشر الأواخر من رمضان أن تكون ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين، هذا أحرى ما يكون، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هي ليلة القدر في كل سنة، لا يلزم أن تكون ليلة القدر في كل سنة، كما مر معنا في حديث سعيد أنه كان في تلك السنة في ليلة الحادي والعشرين، فنعم، كون ليلة السابع والعشرين هي الأحرى، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هي في كل سنة، قد تكون هي في بعض السنوات، وقد تختلف في السنوات الأخرى، ولهذا كان القول الراجح من أقوال أهل العلم أن ليلة القدر تتنقل، تتنقل من سنة إلى أخرى، من ليلة إلى ليلة أخرى في كل سنة. ثم ذكر علامة من علامات ليلة القدر، وهو أنه تطلع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها، يعني: في صبيحة ليلة القدر تطلع الشمس ليس لها شعاع، يعني: على خلاف عادتها أن تطلع ولها حرارة وشعاع، فتكون الشمس فيها شيء من الصفاء، هذه علامة من علامات ليلة القدر، وهي علامة لاحقة، يعني: تكون بعد ليلة القدر، تكون بعد ليلة القدر، والحكمة منها كما قال أهل العلم: هو أن يطمئن المؤمن، أن يطمئن أنه أدرك ليلة القدر وحاز بفضيلة هذه الليلة، فيحمد الله عز وجل على موفقه له من هذا الخير، وكذلك أيضًا يزداد يقينًا إلى يقينه، إلى أن ما أخبر الله عز وجل به ورسوله حق. وهناك علامات مقارنة، علامات مقارنة، يعني: تكون في نفس الليلة، ومن ذلك أن جو هذه الليلة يكون معتدلًا، لا هو حار ولا هو بارد، وأيضًا تكون الإضاءة فيها، يعني: فيها نور زائد على غيرها من الليالي، لكن هذا كما قال أهل العلم لا يشعر به إلا من كان في يعني مكان ليس فيه هذه الأضواء القوية، فقد يشعر بهذا النور الذي يكون في مثل هذه الليلة. واستدل أهل العلم ببعض الأحاديث الواردة في الباب، كحديث جابر، رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إني كنت أريت ليلة القدر ثم نسيتها، وهي في العشر الأواخر، وهي طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمرًا يفضح كواكبها، لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها»، ومعنى طلقة بلجة: أي مشرقة، لا حر فيها ولا برد، وهذا الحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه، وهكذا ابن حبان، وهو من طريق أبي الزبير عن جابر، وأبو الزبير ثقة، إلا أنه مدلس، وقد عنعن، لكن الحديث له شواهد، جاء بمعنى عند الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت، وجاء من حديث ابن عباس، ومن حديث ابن مسعود، وبهذه الشواهد يرتقي إلى الحسن، والحسن، وجماعة من أهل العلم بمجموع الطرق، ومنهم العلامة الألباني، رحمه الله، في مواضع من كتبه، فتكون هذه من العلامات المقارنة، المقارنة لليلة القدر. وذكر بعض العلماء أيضًا من علامات المقارنة: الشعور بالراحة وطمأنينة وانشراح الصدر بما لا يجده المسلم في غيرها من الليالي، نعم، وهذه قد تحصل لبعض الناس، وكذلك أيضًا قد يرى بعض المؤمنين ليلة القدر في المنام، قد يرى بعض المؤمنين ليلة القدر في المنام، كما حصل للصحابة أنه في تلك السنة تواطأت رؤياهم على أن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فقد يحصل ذلك، فيرى الله سبحانه وتعالى بعض أهل الفضل هذه الليلة، والله أعلم. طيب، هذا آخر حديث يتعلق بفضل ليلة القدر، وبعده إن شاء الله يكون كتاب الاعتكاف. طيب، إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، صلى الله عليه وسلم أجمعين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر