الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض الشارح قول أبي حاتم البستي محذراً الظالم الذي يفرح بسلطانه وأعوانه، مبيناً أن الدهر يقظان والعقوبة آتية لا محالة حتى لو غفل الظالم وطال الزمن. ويؤكد أن العز المقصود هو السلطان والحاشية الذين يعينون على الظلم، محذراً من الغفلة عن عاقبة هذا الظلم لأن العقوبة ستحل بصاحبه حتمًا.
يشرح المقطع أن عبارة "فالدهر يقظان" تُحمل على المعنى الصحيح وهو الاعتبار بتاريخ الأمم وقصص القرآن في عقوبة الظالمين، مما يوقظ الغافل، بينما يُرد المعنى الفاسد الذي يجعل الدهر فاعلاً مستقلاً بالعقوبة لأن الأمر كله لله. ويضرب المثل بمرارة الحنظل (القطب) لبيان أن الظلم لا يستساغ ولا يستمرأه صاحبه لو أنصف.
يشبّه الناظم الظلم بالقطب (الحنظل) في شدة مرارته التي لا يستلذها أحد، مبيناً أن الظالم لا يجد لذة حقيقية بل مرارة وعقوبات وآلام في الدنيا والآخرة. ويحذر من الاستمرار في الظلم والاستعانة بالقوة على الاعتداء، مؤكداً أن الظلم لا يدوم ولا يحل لصاحبه بل يجلب المرارة ولا يجد فيه الراحة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال أبو حاتم البستي رحمه الله في منظومته "عنوان الحكم": يا ظالمًا فرحًا بالعز ساعده إن كنت في سنةٍ فالدهر يقظان ما استمرأ الظلم لو أنصفت آكله وهل يلذ مذاق المرء قطبان يا أيها العالم المرضي سيرته أبشر فأنت بغير الماء ريان ويا أخ الجهل لو أصبحت في لجج فأنت ما بينها لا شك ظمآن لا تحسبن سرورًا دائمًا أبدًا من سره زمنٌ ساءته أزمان إذا جفاك خليل كنت تألفه فاطلب سواه فكل الناس إخوان وإن نبت بك أوطان نشأت بها فرحًا فكل بلاد الله أوطان يا رافلًا في الشباب الرحب منتشيًا من كأسه هل أصاب الرجد نشوان لا تغترر بشباب رائق نظر فكم تقدم قبل الشيب شبان ويا أخ الشيب لو ناصحت نفسك لم يكن لمثلك في الإسراف إمعان قال الشارح وفقه الله: قال: هذا مقام تحذير من الظلم، وبيان خطورته على صاحبه، وأن العقوبة تحل به، وإن تأخرت فإنها ستحل به ولا بد، طال الزمن أو قصر. يعني: وإن تأخرت العقوبة فسوف تأتي وتقع على صاحبها الظالم. قال: فيقول: "يا ظالمًا فرحًا بالعز ساعده". قال: العز: السلطان والحاشية والأتباع والأعوان. إذا سعدت هذه الأشياء على الظلم، واستمر الظلم، وأخذ يظلم هذا وذاك؛ لأنه يساعده على الظلم، يعني: عندهم يلقوه ما يعتز به لظلم الآخرين، من حاشية وقبائل، مثلاً: قبيلته، أو أتباعه وأعوانه، أو مثلاً: جنوده، إن كان ملكًا أو رئيسًا. قال: العز الذي معه السلطان والسطوة والقدرة. فيقول له: تنبه، إن كنت في سنة، يعني: في غفلة. إن كنت في سنة، في غفلة عن عقوبة الظلم، فانتبه أن تستمر في ظلمك. قال: "فالدهر يقظان". يعني: عندما ينظر الإنسان في تقلب الأيام وتاريخ الأمم يدرك ذلك. قال: كأن الناظم يقصد هذا المعنى بقوله: "فالدهر يقظان"، أي: من تأمل التاريخ يجد فيه العبر، فالعبر في تاريخ من غبر. ينظر في التاريخ ويجد العبرة فيه، يعني: فيه إهلاك الله سبحانه وتعالى للظلمة. ينظر في القرآن: كم من قصص قصها الله سبحانه وتعالى في إيقاع العقوبة على الظالمين. وهكذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا ما ذكره أهل التاريخ والسير، ففيه عبرة وعظة تجعله ينتبه ويفيق من غفلته، ويكف من ظلمه للناس. قال: أما إذا كان المعنى: "فالدهر يقظان" أي: لك ولأمثالك، وسيوقع بك الدهر نكالاً، أو كذا، فإن كان هذا المعنى فهو معنى غير صحيح، فاسد. لماذا؟ لأنه أضاف هذا الأمر إلى الدهر، والدهر لا يقدم ولا يؤخر، الدهر لا يقدم ولا يؤخر، فإنما الأمور بيد الله سبحانه وتعالى. فهو يقول: إذا أراد هذا المعنى، أن الدهر يقظان، يعني: نفس الدهر أنه لك، وسينتقم منك، ويوقع بك، إلى آخر ذلك، فهذا المعنى ليس بصحيح. قال: لكن المعنى كأنه ينبه إلى أخذ العبرة والعظة من التاريخ، وهذا المعنى صحيح. قال: "ما استمرأ الظلم لو أنصفت آكله، وهل يلذ مذاق المرء قطبان". يقول: لا يستمرأ الظلم، يعني: لا يكون من يأكل الظلم والمظالم ويجدها مريئة هنية. لو أنصف الإنسان في هذا المقام لوجد أنه فعلاً الظالم لا يستمرأ الظلم، والظلم لا يستمرأ، يعني: لا يذاق، ولا يعني يحل لصاحبه. قال: وضرب على ذلك مثلاً في القطب، القطب هو الحنظل، عندما يجف ويصبح لونه إلى الإصفرار أقرب، يعني: مصفرًا، تشتد مرارته، ويضرب به المثل في شدة المرارة، أي: في مرارة الحنظل، حتى لو وضع في أسفل القدم يجد صاحبه مرارته في حلقه من شدة مرارته. قال: فمن الذي يطيق القطب ويستطيب طعمه؟ يعني: هل أحد يستلذ بأكل هذا القطب، هذا المر في شدة مرارته؟ قال: وهو أشد ما يكون في المرارة. فإذا كان القطب الذي هو الحنظل لا يلذ مذاقه أحد إطلاقًا، فالظلم كذلك لا يمكن أن يستمرأ الظلم آكله، يعني: أن يستلذ به في ظلم الناس، وأخذ أموالهم، وانتهاك أعراضهم، وسفك دمائهم. ما يمكن أن يجد في هذه اللذة أبدًا، بل هي مرارة، وكذلك عقوبة وآلام وهموم وغموم. قال: هذا إذا نظر الإنسان للأمر نظرة إنصاف ونظرة عدل. أما إذا نظر بنظرة مكابرة ومغالطة فهذا أمر آخر. إذا نظر بنظر إنصاف فإنه لا يمكن أن يستلذ بالمظالم التي يظلم بها الناس، ويعتدي بها على الناس. لكن إذا نظر بنظرة المكابرة والمغالطة وعدم المبالاة، فيقول: أنا مرتاح بظلم الناس، وأخذ أموالهم، وأخذ أراضيهم، إلى آخره، وهو يكابر في هذا، يكابر في هذا. وفي الحقيقة يجد ألم ذلك، ويجد أثر ذلك في حياته، ربما في نفسه، وفي أهله، وفي ماله، يجد العقوبات التي يعاقبه الله سبحانه وتعالى بها من أمراض وأسقام وحوادث ومصائب وابتلاءات بسبب ظلمه للعباد، بسبب ظلم العباد. فالناظم يحذر من الظلم، يحذر من الظلم أن يقع الإنسان في الظلم، وأن يستمر على ذلك، أو يستعين بمن معه من قوة، ومن أتباع، ومن سلطان، فيظلم الناس، ويعتدي على الخلق بسبب ذلك. طيب، لعلنا نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في المجلس القادم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. طيب، هنا تنبيه: البيت الثامن والأربعون. هنا عندنا: "ما استمرأ الظلم لو أنصدت"، ما في فاء، والصواب: "لو أنصفت" بالفاء. "ما استمرأ الظلم لو أنصفت آكله، وهل يلذ مذاق المرء قطبان". يعني: لو أنصفت، لا علمت أن الظلم لا يستمر، ولا يحل لصاحبه، ولا يجد فيه الراحة، وإنما يجد فيه المرارة، كما أنه لا يلذ مذاق المرء قطبان. طيب، إلى هنا.