الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع تعريف السحر وأنواعه المختلفة مثل العيافة والطرق والجبت، ويشرح معانيها ويبين حكمها الشرعي. يشمل السحر أمورا مثل الخط بالأرض وقراءة الفنجان وضرب الرمل.
السحر له حقيقة وأثر على الشخص المسحور، وبعضه خيال وتخيل. علم النجوم ينقسم إلى قسمين: علم محرم وعلم جائز، والاستدلال بالنجوم على الحوادث الأرضية يعتبر من السحر المحرم.
يعدد الشيخ أمثلة على السحر وأمور تشبهه مثل التكهن وعلم الغيب والنميمة وبعض الفصاحة في الكلام. بعض الأشخاص لديهم فصاحة تمكنهم من التأثير على الآخرين، وهذا النوع من التأثير يذكر في سياق الحديث عن السحر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: باب بيان شيء من أنواع السحر. قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف -هو العرابي- عن حيان بن العلاء، قال: حدثنا قطن بن قبيصة عن نبيه، أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت». قال عوف -وهو العرابي-: العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط بالأرض. وقال الحسن: والجبت، وقال الحسن: رنت الشيطان. سناده جيد. ولي أبي داود: ابن سائب بن حبان في صحيح المسند، فيه: بس، فيه هذا: حبان بن حيان بن العلاء، فالظاهر للحديث لا يصح. والعيافة: قال: زجر الطير عن النوع من أنواع الطيرة، التطير بالطيور. والطرق: قال: الخط يخط بالأرض. معنى هذا: سحر، سحر الخط. لذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: «فإن منا أناسا يخطون». قال: «كان نبيا من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه خطه وغفر له». لكن هنا إشكال من ناحية الخط، فالخط إذا استعمل للسحر ولمعرفة الحوادث الأرضية والسماوية، فهذا يعتبر سحر لا يجوز. ومسألة موافقة خط النبي هذا لا يعلمها أحد، لا يعلم كيف يوافقه أو لا يوافقه. فلهذا فالخط لا يجوز، وهو نوع من أنواع السحر، الخط بالأرض أو قراءة الفنجان أو ضرب الرمل، فكل هذه أنواع من أنواع السحر التي تستخدم في مسألة ذكر الغيب والعرافة، وكل هذا من ما لا يجوز أن يفعل، وهم من السحر. والجبت فسره عمر وغيره: السحر نفسه. ما تقدم الجبت هو السحر، فيدخل فيها أنواع السحر جميعا تسمى جبت، ﴿لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾. الجبت هو السحر. انتشر السحر عند أهل الكتاب، خاصة عند اليهود، انتشر عندهم السحر كثيرا. قال عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد». رواه أبو داود، إسناد صحيح. وللنسائي من حديث أبي هريرة: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكي ليلق بهذا فيه ضعف». أما الحديث الأول فهو صحيح، حديث ابن عباس إسناد صحيح. وقد ذكر شيخنا في الصحيح المسند: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر». فالقاعدة: أن كل أنواع السحر باطلة، كل أنواع السحر باطلة، وهي كثيرة، منها ما يستخدم بالنجوم، ومنها ما يستخدم بالتراب أو بالضرب على الرمل أو الخط أو الفنجان أو غيرها، أو العرافة بشكل عام، أنواعها عرافة. معنى أنه يتعرف أو يخبر بالشيء الذي هو غيب، يخبر بالشيء الذي هو غيب. سمع عرافة أو كهانة أو أحسن، قال: «طيب». قال: وعن بن مسعود رضي الله عنه أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا هل أنبئكم ما العضة؟ قال: هي النميمة القالة بين الناس». رواه مسلم. ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من البيان لسحرا». فكما قلنا: أن فيه بيان أنواع من السحر، فكل ما يعتبر من سحر التخيل أو سحر الصرف، أن يصرف الرجل عن امرأته ويصرف عن أقاربه، فهذا الصرف أيضا من السحر. وأيضا ما يفعل في تحبيب الرجل لامرأته أو تحبيب المرأة لزوجها أو العكس، أن يصرف المرأة عن زوجها ويصرف الرجل عن زوجته، كل ذلك يعتبر من السحر المحرم الذي لا يجوز، وهو كفر إذا كان على وجه الكفر. قال: فالآن هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، وهناك مسألة لابد أن تذكر في هذا الباب، وهي: هل السحر كله خيال أم منه ما هو حقيقة ومنه ما هو خيال؟ ومذهب أهل السنة في هذه المسألة: أنه منه ما هو حقيقة ومنه ما هو خيال. كيف حقيقة؟ أي له أثر، له أثر في الشخص نفسه المسحور، معنى يؤثر فيه. وبعضه خيال، معنى يخيل فقط، بعض أجساد، بعض جسد أو عينيه، ﴿فسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم﴾. فسحروا أعين الناس، معنى هم غيروا شيئا، العصي عصي، لكن سحروا عين الناس فرأوها مثل الحيات، فهذا يعتبر تخيل. لكن السحر أيضا له حقيقة وله أثر، فالنبي عليه الصلاة والسلام سحر، سحره لبيد بن الأعصم اليهودي في مشط ومشاطة. المشط معروف، المشاطة: شعر الذي يخرج مع المشط، يسمى مشاطة. فسحره لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة، والنبي صلى الله عليه وسلم أثر عليه هذا السحر، حتى أنه لم يأتي أهله، يظن أنه قد أتاه، وهذا تأثير السحر يعتبر صرفا. فلهذا قال علماء: أن السحر له حقيقة، له حقيقة تؤثر على الشخص، مثل أن يكون عنده حالة، وغيرها من الأشياء التي تؤثر بالسحر. فالسحر له حقيقة وله خيال، لا مثل ما يقول المعتزلة: أنه خيال كله. فلهذا ينكرون سحر النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون: لا، هذا غير صحيح، يقولون: النبي صلى الله عليه وسلم ما سحر، وهذا كلام باطل. قال: فيه مسائل: الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت أيضا من السحر. العيافة كما قلنا: زجر الطير، يعتبر نوع من أنواع السحر، لأنه يستدل به على بعض الحوادث، فهو نوع من أنواع السحر، لأن السحر هو الاستدلال بمثل هذه الأشياء على حوادث أرضية، سواء كان بالنجوم أو بالتراب أو بغيره. الثانية: تفسير العيافة والطرق، فهو نوع من السحر، فهذه أيضا الأشياء من السحر. الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر، علم النجوم ينقسم إلى قسمين: علم محرم وعلم جائز. كما قال قتادة: شرع الله في النجوم ثلاثة: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى بها، فمن جعلها لغير ذلك فقد ضل سبيله، أو كما قال رحمه الله. معناها: في القرآن النجوم يستفاد منها في ثلاثة أشياء: زينة للسماء، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وكذلك الأمر الثالث: جعلها الله عز وجل كالشهب للجن يرسلها شهبا. فهي ثلاثة أشياء ذكرت في القرآن، لكن أيضا هناك أشياء اختلف العلماء فيها: هل هي من هذا النوع من المباحات، ومن نوع المحرم، مثل معرفة حصول الأمطار، معرفة الكسوف والخسوف، معرفة الرياح، فهل هذا من الاستدلال بالنجوم على الحوادث الأرضية، على أنه سحر؟ فالذي قرره جماعة من العلماء، كشيخ الإسلام وغيره: أن هذا لا يدخل في علم الغيب، أن هذا لا يدخل في علم الغيب، فإنما هذا الأمر يعتبر من الأخذ بالأسباب. فالله عز وجل جعل أسبابا للرياح، أسبابا للمطر، أسبابا للكسوف والخسوف، فهؤلاء الذين يعرفون مثل هذه الأشياء يتتبعون الحساب وهذه الأسباب. فلهذا فهو ليس علم غيب، ليس علم غيب، وإنما علم له أسبابه الشرعية أو القدرية، فلهذا فهو ليس داخل في هذا. قال: فلان كما قلنا: أن هذه الأشياء المشروعة، وهذا أيضا لا يخدش في علم الغيب، وليس هو من السحر. لكن الاستدلال بالكواكب أو بالنجوم على الحوادث الأرضية التي لا تعرف بالأسباب، فهذا يعتبر سحر، مثل أن يأتي بالضائع أو يقال له: أنه سيحصل لك كذا وسيحصل لك كذا، هذا أيضا من التكهن الذي لا يجوز. إلا أن كان على سبيل الفراسة، إذا كان على سبيل الفراسة ما في شيء، يقول مثل: فلان هذا سينفع، سينفع الله به، أو يكون خطيبا، أو يكون كذا، هذا من باب الفراسة، معنى أخذ قرائن يستدل بها. قد كان بعض العلماء كالشافعي وغيره يجيدون هذه الفراسة، يفرش في الشخص أنه من أهل الخير، يفرش في الشخص أنه ليس من أهل الخير، وهكذا، لكن تعتبر من التخمين وتعتبر من الظن، لا ينبغي للإنسان أن يبني عليها أحكاما، أن ينتبه لمثل هذه الأشياء. قال: وأما علم الغيب هو من باب التكهن، إذا تكهن فهذا علم الغيب، فيقول مثلا: هذا الشخص سيسقط، أو هذا الشخص سيصاب بسيارة، وغيرها من هذه الأمور التي لا يعلمها إلا الله، فهذا يعتبر من السحر، هذا من السحر. الرابعة: العقد مع النفث من ذلك، أي من السحر، من شر النفاثات في العقد. النفاثات: هن السحرات اللاتي ينفثن في العقد. العقد معناها: الربط، الآن تجد أكثر فعل السحر: الربط، يربطون وينفثون، فالسحر يكون في الربط. الخامسة: أن النميمة من ذلك، هل النميمة سحر؟ لا، ليست سحرا، لكن تفعل فعل السحر، وهو الإفساد بين الزوجين، بين الأقارب، مثل ما يفعل السحر، يفرقون به بين المرء وزوجه، وكذلك النميمة تفعل ذلك. ولهذا قال السلف: المقالة المشهورة: أن النمام يفسد ما لا يفسده الساحر في سنة، يفسد في لحظة، النمام يفسد في لحظة ما لا يفسده الساحر في سنة. الساحر يظل يشتغل ويستحضر الجن، ومنذر يريد أن يفرق بين الرجل وامرأته يتأخر في هذا. فلهذا هذا الذي يريد سحر تجده مثلا يتردد عليه، لكن المفسد والنمام يفسد هذا الأمر في ساعة، في طرفة عين، في لحظة، يقول لهذا كذا، ويقول لهذا كذا. مثل القصة التي تذكر دائما: في رجل اشترى عبدا، كانوا يبيعون العبيد في سوق النخاسين، فباع كان عرض رجل عبدا عرضه على البيع، فأراد أن يشتريه رجل، فقال له: هل فيه عيب؟ قال: لا، ليس فيه عيب إلا أنه نمام. قال: نمام سهل. فالمهم أن الرجل نم بين الرجل وزوجته وأفسد زواجهما، ونم بينه وبين تجارته وتجارته وعماله، فأفسد عليه كل شيء. فيقولون: أن النمام يفسد في لحظة ما لا يفسده الساحر في سنة، الساحر سيفسده في سنة، لكن النمام سيفسده في لحظة واحدة. ولهذا من هذا الباب قالوا: أن النميمة من السحر، لكن ليست هي من السحر أصلا، وإنما تشبه السحر. أتدرون ما العضة؟ قال الله: رسول الله قال: «القال بين الناس». القال بين الناس، وعلى النميمة. السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة، وهو قوله: «إن من البيان لسحرا»، يعني من البيان ما يسحر العقول، أن بعض الخطباء، بعض الذين يتكلمون من فصاحتهم وبيانهم يسحر القلب. وكذلك بعضهم في الكلام عنده بلاغة، أو عنده حنكة في الكلام، يستطيع أن يجذب الناس. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له من حق أخيه فإنما أقضي له قطعة من النار». فبعضهم عنده فصاحة يستطيع أن يجعل الشخص يميل إلى كفته. هذا ما يذكر في بياني شيء من أنواع السحر، وفقكم الله خير.