الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 65، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يحذر فيه من اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها، مستدلاً بفعل اليهود والنصارى الذين لعنهم الله لذلك. يُحرم هذا الفعل ويعتبر فاعله ملعونًا وفقًا للأحاديث النبوية.
ورد في الحديث النهي عن اتخاذ قبر النبي عيدا والصلاة عنده، وأنه ينبغي للمسلم أن يسلم على النبي ثم يدعو مستقبلا القبلة. الحديث وإن كان فيه ضعف إلا أنه صحيح المعنى لشواهده الأخرى.
ذكر أن مالك يرى عدم استقبال القبر النبوي عند الدعاء، بل يستقبل القبلة، وأنه لا يوجد دليل على أن الدعاء في ذلك المكان له أثر خاص. يفرق بين السلام على النبي واستقبال القبر عند الدعاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأيضا ما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». وذكر شيخ الإسلام هذا الحديث، ويريد أن يبين مسألة مما أيضا تشبه أو مما غيرت غير أهل الكتاب فيها، وتابعتهم هذه الأمة. قال: وصف صلى الله عليه وآله وسلم أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وعقب هذا الوصف بالأمر بحرف الفاء «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد»، وقال: «إني أنهاكم عن ذلك». ففيه دلالة على أن اتخاذ من قبلنا سبب لنهينا، إما مظهر للنهي وإما موجب للنهي. قال: أن اتخاذ من قبلنا واتخاذهم في هذا سبب لنهينا، كأنه سبب مثل ما حصل أولئك، فلا يحصل عندكم مثل ما حصل عند أولئك. قال: وإما مظهر للنهي وإما موجب للنهي، وكلاهما يقتضي أنه حرام. قال: وذلك يقتضي أن أعمالهم دلالة وعلامة على أن الله ينهانا عنها، أو أنها سبب اقتضى للنهي. قالوا: على التقديرين يعلم أن مخالفتهم أمر مطلوب للشارع في الجملة، والنهي عن هذا العمل بلعنة اليهود والنصارى مستفيض عنه صلى الله عليه وآله وسلم. قال: يريد أن يبين أن هذا الحديث يدلنا على أن أعمال اليهود والنصارى نحن منهيون عنها، ومن ذلك هذه المسألة، وهو اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود والنصارى لأجل هذا. قال: ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وهنا قال: عن أبي هريرة، والظاهر أنه ليس عن أبي هريرة، فكأن الشيخ أخطأ، إنما هو عن عائشة وعن ابن عباس. قال: وفي لفظ لمسلم «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي الصحيحين عن عائشة وعن ابن عباس قال: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، طفق يطرح قميصه على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا». وفي الصحيحين أيضا عن عائشة: أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة، يقال لها مارية -ومارية معنى بلغة الحبشة مريم- وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل». وهذا الحديث أيضا كما ذكر الشيخ في الصحيحين، قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». رواه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: حديث حسن، وفي بعض نسخه: صحيح. قال: فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهتها للكفار في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح، صريح في النهي عن المشابهة في هذا، ودليل على الحذر من جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا الجنس. فهذا صريح في النهي عن المشابهة لأهل الكتاب. ثم من المعلوم ما قد اقتدي به كثير من هذه الأمة من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء. قال: كيف اتخاذ القبور مساجد بلا بناء؟ معنى اتخاذها للدعاء وللصلاة، وكأنها مساجد. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا فيها». فدل على أن القبور لا يصلى فيها. فقال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا»، أي مثل القبور، لأن القبور لا يصلى فيها، لكن هؤلاء يصلون في القبور. وكذلك الصلاة التي لها سجود، أما صلاة الجنازة فجائز، لكن المراد بالصلاة هنا صلاة التي فيها سجود. قالوا: كلا الأمرين محرم، ملعون فاعله بالمستفيض من السنة، سواء كان بنى المسجد على القبر أو اتخذ القبر مسجدا. قالوا: ليس هذا موضع استقصاء في ذلك من سائر الأحاديث والآثار، إذ الغرض القاعدة الكلية. وإن كان تحريم ذلك ذكره غير واحد من علماء الطوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. قال: ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا. وفيهم من الآثار ما لا يليق ذكره هنا. حتى روى أبو يعلى الموصلي في مسنده قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم، حدثنا علي بن عمر، عن نبيه، عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: «لا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». وأخرجه محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ في مستخرجه. قال: وهذا الحديث فيه ضعف في سنده، لكن له شاهد من ناحية حديث نفسه. له شاهد عن النبي عليه الصلاة والسلام أخرجه جماعة منهم القاضي إسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة للنبي عليه الصلاة والسلام من طريق علي بن الحسين. فهذا الحديث علة الحديث صحيح. قال: وروى سعيد المنصور في سننه قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني سهيل بن أبي صالح، قال: رأياني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، قال: «أقبل إلى العشاء». فقلت: لا أريده. فقال: «ما لي رأيتك عند القبر؟» قلت: سلمت على النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء». وهذا الحديث كما ذكرنا فيه ضعف، لكن الحديث نفسه وإن كان مرسلا لكنه في الشواهد، وجاء أيضا ما يشهد له من حديث علي وغيره، فالحديث صحيح المعنى، لكن القصة كأن فيها ضعف. قالوا: لهذا ذكر الأئمة، وذكر شيخ الإسلام في كتابه في الرد على الأخنائي أن هذه سنة تفرد بها أهل البيت، أي في النهي عن الصلاة عند القبور، وأن النبي عليه الصلاة والسلام شرع الصلاة عليه في كل مكان، ولم يخصصها عند القبر. قالوا: لهذا ذكر الأئمة أحمد وغيره من أصحاب مالك وغيره: إذا سلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وقال ما ينبغي له أن يقول، ثم أراد أن يدعو فإنه يستقبل قبله، ويجعل الحجرة عن يساره. وهذا أيضا صرح به مالك كما ذكر شيخ الإسلام في كتابه الرد على الأخنائي، ذكر نصوص مالك وغيره: أن المسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل القبر إذا أراد أن يدعو، أما السلام فلا شيء فيه، لكن إذا أراد أن يدعو فإنه يستقبل قبله أفضل من استقبال القبر، حتى يكون الدعاء لله عز وجل، واعتقاد أن الدعاء في ذلك المكان له أثر أو له كذا خطأ، لم يأت ما يدل على ذلك.