شرح كتاب التوحيد 93

شرح كتاب التوحيد 93

الدرس في شرح كتاب التوحيد 93، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في إنذار القرآن وأهميته

الدرس يبدأ بشرح الآية الكريمة وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، ويوضح أن الإنذار يكون لأهل الإيمان والإخلاص. يُبين أن القرآن نذار لجميع الخلق ولكن أهل التوحيد والإخلاص أجدر بالانتفاع به.

نطاق إنذار القرآن وتأثيره على مختلف المتلقين

يشرح الدرس أن القرآن والوحي نذار لجميع الخلق، ويبين تأثير القرآن على أهل التوحيد والإخلاص مقارنة بالكافرين. يُوضح أن أهل الإيمان ينتفعون بالإنذار بينما يُقام على الكافرين الحجة.

الاستدلال الخاطئ وبيان الشفاعة في القرآن

يتناول الدرس استدلال الخوارج الخاطئ بآية قرآنية لإنكار الشفاعة، ويوضح أن الآية تتحدث عن المشركين. يُبين أن الشفاعة بيد الله سبحانه وتعالى، ويؤكد إثبات الشفاعة لأهل الإسلام من الله أولاً وآخراً.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية الكريمة في أوائل استدلاله بباب الشفاعة. ومرت معنا في دروس خلت المقدمة لأهم مباحث الشفاعة، وذكرنا أن الشفاعة هي التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، وذكرنا أن الشفاعة أخروية تكون إما مثبتة وإما منفية. وذكرنا ما يتعلق بالشفاعة المثبتة بأنها تكون على عدة صور أوصلها جماعة من أهل العلم كابن القيم وغيره إلى ستة أنواع، وقد أشرنا إليها في درس أمس. وهنا استدل المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة باب الشفاعة بهذه الآية، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾. قوله سبحانه وتعالى: «وأنذر به» أنذر من النذارة، مأخوذ من الإنذار، والإنذار هو الإعلام بأسباب المخافة، هذا معنى الإنذار، الإعلام بأسباب المخافة، وعكسه البشارة، عكسه البشارة، وهو الإعلام بأسباب الفرح والسرور. فهنا أخبر ربنا جل وعلا أن النذارة تكون لهؤلاء، وأنذر «أنذر به» النذارة بماذا؟ النذارة هنا يعود كما قال أكثر المفسرين إلى القرآن، أي القرآن، اجعله نذارة تخويف وترهيب. ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ هذا وصف من؟ هذا وصف أهل الإيمان، هذا وصف أهل الإسلام، هذا وصف أهل الإخلاص ممن خبت قلوبهم وخافت يوم الحساب. فذكر ربنا جل وعلا أن هؤلاء هم الذين يستحقون النذارة أن تنذرهم بالقرآن، ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ يحشروا من الحشر والجمع، والمراد بذلك يوم القيامة، أي يخافون يوم الحساب، هؤلاء أنذرهم بالقرآن. وهنا إشكال، إخواني في الله، ألا وهو قد يقول قائل إذا فهم هذه الآية على هذا المنحى، قد يقول: وهل القرآن أو قل الوحي بشكل عام هل هو خاص بأهل الإيمان؟ الجواب: لا، الوحي والقرآن، بل ونبينا عليه الصلاة والسلام، إنما كانت الرسالة للبشرية كافة وللخلق قاطبة، الدعوة إلى المؤمن والمسلم والكافر والفاجر، إلى الأبيض والأسود في الشرق والغرب، لمن آمن بالقيامة ولمن لم يؤمن بالقيامة، النذار لهؤلاء جميعا، كما قال سبحانه: «لأنذركم به ومن بلغ» لأنذركم نذار به، كما قال المفسرون أي بالوحي والقرآن لأنذركم به ومن بلغ، أي من سيأتي. فدلت هذه الآية الثانية على أن القرآن والوحي نذار لجميع الخلق، لا يختص بأحد، هذا هو الذي جاءت به الأدلة. لكن هنا يأتي الإشكال، فكيف هذه الآية التي بين أيدينا فيها بيان على أن الله جل وعلا أمر نبيه أن ينذر بالقرآن أهل التوحيد خاصة؟ فهل القرآن خاص أم عام نذارته؟ الجواب، إخواني في الله، كما قرر القرآن والوحي والبعثة والرسالة والنبوة التي أتى بها نبينا هي عامة لجميع الخلق، لكن هنا تم تحديد هذا الصنف من البشرية، وهم أهل الإخلاص، أن النبي ينذرهم بالوحي والقرآن لأنهم أجدر بالانتفاع من غيرهم. أجدر بالانتفاع من غيرهم، فلو جئت إلى رجل مسلم، ولو وقعت منه هنات وزلات، وجئت إلى رجل كافر عربيد زنديق، فنذرت هذا بالقرآن ونذرت ذاك بالقرآن، من الذي سيتأثر منهما؟ لا شك ولا ريب أن المسلم، ولو كان على تقصير في جنب الله، القرآن سيؤثر فيه لا محالة، سيؤثر فيه ولا بد، وأما الثاني قد يتأثر وقد لا يتأثر، لكن ينتفع بإقامة الحجة عليه، الكافر بالنذارة ينتفع بإقامة الحجة عليه. لهذا فالأصل أن القرآن والوحي والبعث التي أتى بها نبينا هي عامة لجميع الخلق، لكن في هذه الآية وجه ربنا نبيه بأن ينذر بالقرآن أهل التوحيد خاصة لأنهم أجدر بالانتفاع، ينتفعون بنذارة القرآن انتفاعا عظيما. قال سبحانه: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾ أي أن هؤلاء وهم أهل الإسلام ليس لهم معبود من دون الله، ليس لهم معبود من دون الله، فليس لهم ولي بمعنى قريب ينفعهم أو ناصر ينصرهم من دون الله، فالأمر والحكم والملك كله لله يوم القيامة جل في علاه. قال: «ولا شفيع» كذلك الشفاعة، ما هناك أحد يمتلك الشفاعة إلا الله عز وجل سبحانه، كما سيأتي معنا. فهل في هذه الآية بيان لصحة ما عليه بعض المبتدعة كالخوارج الذين يلغون باب الشفاعة ويرون أن ما هناك شيء اسمه شفاعة، وما هناك أحد يشفع لأحد، لا ملك يشفع ولا نبي ينفع أبدا؟ هؤلاء الخوارج يعتقدون بهذا، ثم يأتون لمثل هذه الآيات كهذه الآية: ﴿ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾ يقول: ما هناك أحد يشفع يوم القيامة، هاي صح الاستدلال؟ الجواب: لا، ليس بصحيح، ليس بصحيح هذا الفهم السقيم. لأن هذه الآية إنما تتحدث بمقابل ما كان عليه المشركون، إذ أن المشركين يوم القيامة يدعون بأن لهم آلهات تنفعهم، وأن الآلهة هي التي ستشفع لهم بدخول الجنة، هذا كان اعتقاد الكفرة من أهل الشرك من عباد الأصنام والأوثان. وقد أشرنا إلى ذلك في أوائل الشفاعة، في أن ما يكنه الكفار في تقربهم للأصنام والأوثان والأنداد والأوتاد إلا أنهم يقربوهم إلى الله ويشفعوا لهم، فهم أرادوا الشفاعة من الآلهة. فهذه الآية فيها الرجع الكفار على المشركين، ما هناك أحد يملك الشفاعة إلا الله جل في علا، وهذا هو الشاهد من إيراد هذه الآية حين أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب. قال: وقوله تعالى: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾. فيستفاد من هذه الآية، إخواني في الله، فيه بيان على أن القرآن فيه نذارة، فمن أراد تزكية قلبه وتطهير نفسه وأن يتعظ بالمواعظ فعليه بالقرآن، فإن القرآن فيه من المواعظ والزواجر. وفيه كذلك من فائدة هذه الآية عظم مقام النذارة، وأنه من المقامات المهمة التي لا ينبغي لمسلم أن ينفك عنها، لا تجعل حياتك يا عبد الله، أعني بها الحياة الدينية، تقوم على الرجاء فقط كما تفعل فرقة المرجئة، الرجاء فقط والاتكاء على رحمة الله واتكاء على مغفرة الله والنظر إلى أدلة الترهيب لا، وإنما فليكن لك حظ من الترهيب، أن تخوف نفسك التي بين جنبيك بمواعظ الله سبحانه وتعالى. ولهذا كما قال بعض الصحابة: كان رسول الله يتخولنا بالموعظة بين الفترة والأخرى، وبين الفينة والأخرى تأتي المواعظ فتفعل فعلها في القلوب والنفوس والصدور. وفي آية كذلك من فوائد هذه الآية إثبات المعاد والحشر يوم القيامة، وأن هذه من أصول الدين ومن أركان الإيمان، ومن أنكر القيامة فقد كفر بإجماع أهل الإسلام. وفي كذلك أن من صفات أهل الإسلام الخوف من الله سبحانه وتعالى، وأعظم ما يخوف به المسلم ما يكون يوم القيامة، إذ أن هناك جزاء لا عمل، فما هناك كرة وما هناك عودة للدنيا حتى تعمل، فيحسب المسلم الآن حسابه لما سيكون يوم القيامة بحسابه على أعماله. وفي الآية كذلك بيان على أن الشفاعة بيد الله سبحانه وتعالى، ليس في الآية نفي الشفاعة، وإنما في الآية نفي الشفاعة التي عند المشركين، إذ ملكوها لآلهتهم وأصنامهم، وأما أهل الإسلام فيعتقدون إثبات الشفاعة إلا أنها من الله سبحانه وتعالى أولاً وآخراً. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بهذه الآية من الفوائد والمسائل. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.