الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 530، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم «بحسب أصحابي القتل» ورواية الإمام أحمد له، بينما يفسر المقطع الثاني والرابع الحديث ويبين معناه أن الصحابة سيحصل بينهم قتل لكنهم لن يضلوا عن دين الله.
يفسر الشيخ الحديث بأن القتل سيحصل بين الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويستشهد بحديث آخر يبين أنهم سيتدابرون ويتقاطعون لكنهم لن يضلوا عن دين الله.
يشرح النبي صلى الله عليه وسلم أن الاختلاف في الدين أعظم من القتل، ويبين أن الصحابة لم يختلفوا في الدين بل في أمور متعلقة بالخلافة، وكلهم أرادوا مصلحة الأمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله، وصحبه، ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد بن هارون بمغداد. هذا الحديث تركناه. قال: حدثنا يزيد بن هارون بمغداد، وهذا فيه حفظ الإمام أحمد رحمه الله؛ حتى يحفظ أين أخذ هذا الحديث، وقد يكون أيضا فيه فائدة، وهو أنهم أخذوا هذا الحديث لما جاء يزيد بن هارون بمغداد، وبغداد هي مسكن الإمام أحمد. ويزيد بن هارون من أين؟ يزيد بن هارون هذا من واسط، أبو خالد الواسطي رحمه الله، كان حافظا من حفاظها. الواسطي قال: أنبأنا أبو مالك الأشجعي، سعد بن طارق، عن نبيه، أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «بحسب أصحابي القتل». قال: هذا حديث صحيح. وقد أخرجه البزار كما في كشف الأستار، فقال رحمه الله: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن نبيه به. وأخرجه ابن أبي شيبة، فقال رحمه الله: حدثنا يزيد بن هارون به. هذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بحسب أصحابي القتل»، وهذا جزء من معنى الحديث، أو من لفظ الحديث، رواه سعد بن طارق، عن نبيه، وقد جاء هذا الحديث أو بمعناه عند أحمد، وأبي داود، من حديث أبي الأعور. ومن هو أبو الأعور؟ من المبشرين بالجنة، أحد المبشرين بالجنة، كنيته كالنبي، أبي الأعور، طلحة، لا سعيد بن زيد، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أبو الأعور رضي الله عنه. فجاء في حديثه -حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه- أو نقول: رضي الله عنهما. هل نقول: رضي الله عنه، أو رضي الله عنهما؟ أبو زيد بن عمرو صحابي؟ زيد بن عمرو أبو هل صحابي؟ أبو، معناه يعامل معاملة الصحابة، صحيح أنه ما أدرك البعثة، لكن قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وجلس معه، وهو مؤمن برسول الله. أنا مؤمن قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أخبره ذاك القسيس، فقال له: هذا أوان رجل يخرج، أو نبي يخرج، من عنده، من المدينة، أو قال: من مكة، أو قال: من الحجاز. فقال: فذهب ورجع، ولقي النبي عليه الصلاة والسلام في الطريق، وتحدث معه، وأخبره بهذه الحكاية. والنبي عليه الصلاة والسلام لا يعرف أنه هو المقصود، لكنه آمن، زيد بن عمرو، بالنبي عليه الصلاة والسلام قبل بعثته. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام عند أحمد وغيره أنه قال: «أن زيد بن عمرو سيبعث أمة وحده». زيد بن عمرو سيبعث أمة وحده. فلهذا أهل العلم عاملوه كما يعامل الصحابي؛ لأنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مؤمن به، وإن لم يكن قد بُعث، لكنه كان مؤمنا به. فلهذا لا بأس أن يقول الإنسان: سعيد بن زيد رضي الله عنهما، حتى ولو لم يكن صحابيا، فهو قد بشره النبي عليه الصلاة والسلام بأنه من أهل الجنة. قال: «بحسب أصحابي القتل». في حديث سعيد بن زيد: أن الصحابة، وصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: يا رسول الله، إن هذه الفتن قد تهلكنا. أنا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفتن، قالوا: يا رسول الله، قد تهلكنا هذه الفتن. فقال: «لا، بحسبكم القتل، بحسبكم القتل». أنا كيف «بحسبكم القتل»؟ أي: ما ستتحصلون إلا على القتل فيها. وهل هناك شيء أعظم من القتل؟ نعم: الدين. ومعنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يخبر الصحابة: أنكم لا تفتنون بهذه الفتن التي تأتي، ولا أيضا تصرفكم عن دين الله، أو تصرفكم عن الحق، وإنما فقط أنكم تقتلون، أو يقتل بعضكم فيها. فـ«بحسب أصحابي القتل». وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس هناك من الصحابة من ضل بعده عليه الصلاة والسلام، أي: من كان على ما عليه النبي عليه الصلاة والسلام. فبقي الصحابة رضي الله عنهم، ومن نظر إلى من ضل من الفرق وغيرها، فما سيجد صحابيا ضل معهم. وإنما حصلت الفتن في القتل، حصلت: بعضهم قتل بعضا، لكن منهجهم واحد، ودينهم واحد، وطريقتهم واحدة. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بحسب أصحابي القتل». وفي حديث عبد الله بن عمر، في صحيح مسلم: لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا فتحت عليكم فارس والروم، فأي قوم أنتم؟» قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: نقول كما قال الله: نحمده، ونشكره. فقال: «أو هذا؟ بل أنتم تتدابرون، وتتقاطعون، وتجئون إلى فقراء المهاجرين، ويقتل بعضكم بعضا»، كبرقاب بعض، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فما أنى أن القتل يحصل بين الصحابة، لكن الضلالة ما تحصل في الصحابة. الصحابة يكونون على نفس ما كان عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا جاء في حديث أبي موسى الأشعري، في صحيح مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أنا أمنة لأمتي، فإذا -أو لما- نظر إلى السماء، ووجد النجوم، فقال: هذه النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم، أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا، أتى أصحابي ما يوعدون»، أي: من القتل؛ لأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيحصل بينهم قتل. قال: «وأصحابي أمنة لأمتي، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي، أتى أمتي ما توعد»، وهو أعظم من القتل: الاختلاف. أنا في هذه النصوص يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الاختلاف في الدين أعظم من القتل. لو حصل القتل -أهوال- حصل بين المسلمين، أهول من الاختلاف فيما بينهم في دينهم. فالصحابة رضي الله عنهم لم يختلفوا في الدين، وإنما اختلفوا في أمور، أمور الولاية والخلافة، وغيرها من هذا ما يتبع. وكانت الآراء اختلفت من ناحية الولاية فقط، الخلافة: أيها أولا؟ أولا أن يقتل من قتل عثمان، أو أن تعطى الولاية لعلي؟ وكذلك أيضا ما حصل بين علي ومعاوية: نفس الكلام. فليس هناك بينهم اختلاف في دين الله عز وجل، وإنما الاختلاف كان في هذه الأمور. وكلهم يرى -أو يريد- المصلحة للأمة. كلهم يريد المصلحة للأمة، هذا الذي نعتقده في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اعتقاد أهل السنة: أن الصحابة رضي الله عنهم كانت قلوبهم صافية، ما كان أحد يريد الدنيا، ويريد أيضا أن يتسلط على الناس، وإنما دفعه الرأي في هذا، وكان يريد مصلحة الأمة. فمنهم من رأى أن مصلحة الأمة أولا أن يقتل هؤلاء الأعداء الذين أججوا الفتن في المدينة، وفي الأمة جميعا، وقتلوا خليفة المسلمين. ومنهم من رأى أن هذا الأمر يؤخر حتى تستتب الأمور، وتنتظم الأمور، ثم بعد ذلك يؤتى بهؤلاء؛ لأنه لو حصل مثل هذا، أو القتل مثل هؤلاء، سيغضب لهم كثير من كان معهم، وتأتي الفتن أكثر. لكن علي رضي الله عنه وفقه الله في هذا الباب، فأولا مسك الخلافة، ولما رأى شيئا من الفتن في المدينة، نقل الخلافة إلى الكوفة، واستتب له الأمر رضي الله عنه. فلهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «بحسب أصحابي القتل»، أي: أنه ما يصيبهم ضر من الفتن، وما سيصيبهم بلا من الفتن إلا ما يحصل من القتل. وهذا هين: الإنسان يموت وهو على عقيدة صحيحة، وهو على منهج صحيح، أهون من أن يعيش وهو على عقيدة باطلة، وكذلك على منهج باطل. فلهذا فالذي يقتل في سبيل الله عز وجل، وهو على عقيدة صحيحة، وهو خير له، وهو من قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مستريح»، أي: استراحة من هذه الدنيا. المؤمن يستريح من بلاء الدنيا. فأعظم شيء: أنه يقتل في سبيل الله جل وعلا، فيخرج من الدنيا على الشهادة، تشهد له يوم القيامة: أنه فدى بنفسه، وكذلك قد يكون بماله، وكذلك قد يكون أيضا بأهله، في سبيل الله جل وعلا. وهذا من أعظم النعم. فهذا معنى هذا الحديث: «بحسب أصحابي القتل»، أن يكفيهم القتل، ولا يضرهم الفتن في أنهم سينحرفون أو كذا، بل هم ثابتون على الحق. فهذا ما يذكر بهذا الحديث. والله تعالى أعلم.