الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 531، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح معنى تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ويبين أنه تخفيف نسبي مقارنة بالأئمة الذين يطيلون الصلاة. يذكر أمثلة على قراءات النبي في الصلاة مثل قراءته بطوال المفصل في الفجر وأواسط المفصل في العشاء.
يتناول طول قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ويبين اختلاف طول القراءة حسب الصلاة، حيث كان يطيل في الفجر والمغرب أحيانا، ويقرأ سورة كاملة في الركعة الواحدة أو يجزئها في الركعتين.
يناقش أهمية اتباع الإمام لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة مع مراعاة حالة المصلين خلفه، مشيرا إلى ضرورة التوازن بين التخفيف وعدم الإطالة المفرطة، مستشهدا بقراءات النبي وأصحابه المختلفة في الصلاة.
يشير إلى أن السنة النبوية هي الوسط في الدين، وقد يخفف تطبيقها أحيانا لتعويد الناس عليها، مراعاة لهم حتى يتقبلوا السنة بسهولة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال ابن أبي عاصم في «الأحاديث والمثاني»، وابن أبي عاصم هو أحمد بن عمر بن ضحاك بن مخلد، وهو حافظ وابن حافظ، وجده كذلك حافظ، وهو أبو عاصم ضحاك بن مخلد، وهذا صاحب الكتاب عمر بن أحمد أو أحمد -أقصد- بن عمر. والذي قال فيه الإمام ابن القيم -كما ذكر في كتابه «السنة»-: «ذاك النبيل هو ابن النبيل، وكتابه وأيضا نبيل». قال: حدثنا عمر بن خالد الوهني، قال: حدثنا القاسم بن مالك عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أخف الناس صلاة في تمام». قال: هذا حديث صحيح. وهذا الحديث قد جاء نحوه في البخاري ومسلم، حديث أنس، قريبا من معناه، أنه قال: «ما صليت خلف إمام أخف من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تمام». ومعنى «في تمام» أي صلاته تامة، ليس فيها سرعة، لكنها أخف. والمراد هنا «خف الناس» أي بالنسبة للأئمة، تخفيف نسبي، وليس المراد أنه التخفيف الذي قد يظنه بعض الناس، وهو التخفيف الكثير جدا، مثل ما يفعله كثير من الأئمة الآن. ولأنه في وقت بني أمية وغيرهم، كان الأئمة يطولون جدا، كان الناس يطولون في صلاتهم، فلهذا قال أنس رضي الله عنه: «ما صليت صلاة وراء أحد أخف من صلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تمام». وهنا يقول أبو مالك -أو يقول طارق بن أشيم- رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أخف الناس صلاة في تمام». فالمراد بهذا -كما قلنا- تخفيف نسبي، كما قال ابن عمر رضي الله عنه: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا بالتخفيف، ويقرأ في الفجر بالصافات». وهذا يبين أن التخفيف هنا تخفيف نسبي، مثل ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، فكان يقرأ في الفجر بطوال المفصل غالبا، بقاف، «واقتربت» وغيرها، ويقرأ أيضا -كما قال أبو برزة الأسلمي-: يقرأ ما بين ستين إلى مائة آية. وأيضا كذلك يقرأ أحيانا بما هو دون ذلك، يقرأ بسورة «المرسلات» في صلاة الفجر، وكذلك أيضا يقرأ ما هو دون ذلك، فقد جاء في حديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم أنه قرأ بسورة «الشمس» وبسورة «التكوير». وأيضا كذلك قرأ ما هو أخف من ذلك، فيما ثبت عن رجل من الصحابة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر «بالزلزلة» في الركعتين. فالظاهر من هذا الفعل أن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما يقرأ من طوال المفصل في الفجر بالتطويل، ثم أحيانا يقرأ من أواسط المفصل، وأحيانا يقرأ من قصار المفصل. وهذا أحيانا معناه من التخفيف. وأما الظهر والعصر والعشاء، فيقرأ غالبا من أواسط المفصل، وخاصة صلاة العشاء، السنة وقراءة أواسط المفصل. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ أكثر من هذا. وجاءت رواية في حديث معاذ أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ بسورة «القمر»، لكن لم يثبت ذكر السورة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي بأواسط المفصل، «بالشمس وضحاها» و«الليل إذا يغشى» ونحوها من السور. وأواسط المفصل معناه من «عبس» أو من «النازعات» إلى «الضحى» أو قريبا منها، لم يحدد العلماء الأواسط، لكن هذه تعتبر أواسط. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم «بالتين والزيتون»، فذكر شعبة أنه في سفر، وذكر مسعر، وكذلك يحيى بن سعيد، ذكروا أنه أو لم يذكروا سفرا. في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في الصحيحين، فقال شعبة: عن عدي بن ثابت عن البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في سفر «بالتين والزيتون». ومسعر ويحيى بن سعيد لم يذكروا السفر. فهذا في صلاة العشاء للنبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان يقرأ بأواسط المفصل. وأما صلاة المغرب، فقد جاءت الأحاديث أنه كان يقصر في صلاة المغرب، حتى أنهم كانوا يخرجون من صلاة المغرب، فإذا رمى الرجل بسهمه رأى موضعه. وهذا يدل على سرعة الصلاة؛ لأنهم يخرجون والضوء لم يزل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسرع في صلاة المغرب. وقال عليه الصلاة والسلام: «صلوا قبل أن تشتبك النجوم» أو كما في حديثه. وأيضا كذلك جاء في حديث سلمان الأشجعي عن أبي هريرة: لما صلى عندهم في «الشاجعة» -في قرية سلمان الأشجعي- صلى مع إمام، فقال أبو هريرة: «ما رأيت إماما يشبه صلاته صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامه». قال سلمان الأشجعي -أو سليمان الأشجعي-: قال: «فكان إمامنا يقرأ في الفجر بطوال المفصل، وفي الظهر والعصر أواسطها، وفي المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء أوساطها». فهذا كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم غالبا في الصلوات، أكثر ما يطيل يطيل في الفجر. وأحيانا يطيل في المغرب، فقد قرأ من سورة «الروم»، وقرأ أيضا كذلك من سورة «المرسلات»، كما جاء في حديث أم الفضل زوجة العباس رضي الله عنهما. وكذلك أيضا كان يقرأ أكثر من ذلك، فقد جاء في حديث زيد بن ثابت في الصحيحين: أنه أنكر على مروان بن الحكم بقراءته بقصار المفصل دائما، فقال: «قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بطولي الطولين، سورة الأعراف، صلى بها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب». لكن هذا أحيانا، وإلا الأصل أنه كان يقرأ بقصار المفصل، وأحيانا يقرأ بطوالها، أو يقرأ بآيات من أواسط المفصل. وكانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم غالبا يقرأ سورة كاملة، يقرأ سورة كاملة في الركعة الواحدة. وأحيانا يجزئها في الركعتين، وأحيانا يقرأ في الركعة الواحدة سورتين، مثل ما جاء عن عبدالله بن مسعود في الصحيحين: أنه كان يقرأ في الركعة الواحدة سورتين. فكل ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن القيم: «أما قراءة آخر السور، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ليس معنى ذلك أنه لا يجوز أو أنه بدعة». وكذلك القرآن كله يقرأ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطوا كل سورة حظها من الركوع». فلا بأس أن الإنسان يقرأ، لكن يجعل عادته أنه يقرأ من أواخر السور، هذا ليس صحيحا. أو دائما يقرأ بآيات مثل ما يفعل الكثير من الأئمة الآن، دائما يقرأ بآيات من سورة كذا ومن سورة، ثم يقرأ بآيات من سورة أخرى، ويجعل هذا العمل دائما. فمعنى هذا: ما في شيء أنه يقرأ مثلا آيات من هنا وآيات من هنا، لكن لا يجعله دائما، كلما قرأ، كلما صلى، قرأ آيات من هنا وآيات من هنا، هذا مخالف للسنة. فالأفضل أنه يلتزم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أراد أن يقرأ من السور لا بأس، أحيانا يقرأ من السور، يقرأ مثلا من السور الطوال، ويقرأ كذا من سورة البقرة، فلا بأس بذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يقرأ في بعض المواضع بعض الآيات، كما كان يقرأ -في صحيح مسلم- في حديث ابن عباس: يقرأ في ركعتي الفجر، في الركعة الأولى يقرأ بقول الله عز وجل: ﴿آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ التي في سورة البقرة، ويقرأ في الركعة الثانية: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ في سورة آل عمران. وجاء في رواية: أنه كان يقرأ «قل يا أهل الكتاب»، لكن الآية الأولى أصح. فهذا أيضا مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ. وأيضا الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقرأون بالسور، جاء ذلك عن عمر وعن أبي بكر، فقرأ أبو بكر «البقرة» في ركعتين، وكان يقرأ من طوال المفصل. وهكذا عمر كان يقرأ بطوال المفصل، وأحيانا يقرأ بأطول، فقرأ «بالكهف» في الركعة الأولى، و«بيوسف» في الركعة الثانية، قال عروة بن الزبير: حتى سمع نشيجه في آخر الصفوف، لما قرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. فلهذا فالأولى هو اتباع السنة، وهو كما قلنا: الأخف هنا في الصلاة، ولا داعي للتطويل الكثير، ولا أيضا التقصير الذي يكون فيه تقصير شديد. وكما قلنا قبل: أن الإمام يراعي أمرين، الأمر الأول هو اتباع السنة، والأمر الثاني: مراعاة من خلفه. فقد جاء ذلك في السنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أمَّ أحدكم الناس فلينظر من وراءه، فإنه من ورائه الضعيف والكبير وذا الحاجة». قال: «أما الناس فليخفف، فإن من ورائه الضعيف والمريض وذا الحاجة». وكما قلنا: التخفيف هذا يحمل على السنة، أو إن خفف، خفف شيئا يسيرا، حتى يراعي الناس الذين يصلون خلفه. وأيضا كذلك هذه المراعاة لا تكون كثيرة، حتى مثلا يقرأ بالقصار دائما، بعض الأئمة يرى أن هذا مراعاة، ويجعلها دائما، وليس كذلك؛ لأن الإنسان إذا عود على شيء تعود. فإذا عود الناس -انظر مثلا في أيام السلف-: تعود الناس على التطويل، حتى لما صلى أبو هريرة صلى العشاء في المدينة، صلى بهم العشاء، فقرأ «بسبح اسم ربك» أو قرأ «باسم ربك الأعلى»، قرأ «بسورة العلق»، قرأ «باسم ربك الذي خلق»، فأنكر عليه بعض أهل المدينة، لماذا أنكروا؟ قال: لأنهم اعتادوا تطويل القراءة. ولما أيضا صلى علي رضي الله عنه في البصرة، صلى بالناس، فقرأ أيضا أواسط، وكان يكبر في كل خفض ورفع، فقال عمران بن حصين وبكى رضي الله عنه: «تذكرني بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وجاءت أيضا آثار كثيرة تدل على أنه في وعده عهد بني أمية، الناس كانوا يطولون، حتى صار الناس خلاص اعتادوا التطويل. فلهذا أيضا كذلك حصل هنا عندنا: خفف الأئمة كثيرا، حتى اعتاد الناس التخفيف، فإذا جاء إنسان وطول قليلا، تضايق الناس منه؛ بسبب أنهم تعودوا هذا التخفيف. فلهذا الوسط هو السنة، ويخفف أحيانا مراعاة للناس، حتى يتعودوا على السنة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا -إن شاء الله تعالى- ما يذكر في هذا. والله تعالى أعلم.