الدرس في التعليق على الجواب الكافي 144، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ ابن القيم بالكلام عن داء التعلق بالذكور ويشير إلى وجود دواء لهذا الداء، وأن الحديث عنه سيكون من جهتين. يُبرز أهمية وجود علاج لكل داء أنزله الله.
يتناول علاج العشق المحرم من خلال حسم مادته وغض البصر، ويشير إلى أهمية غض البصر في الوقاية من هذا الداء. يُظهر أن غض البصر امتثال لأمر الله تعالى وله منافع عديدة.
يُفصّل فوائد غض البصر، مثل حفظ الفرج، ومنع تأثير النظر على القلب، ويورث القلب أنسا بالله، ويقوي القلب ويفرحه، ويلبس القلب نورا، ويمنع الظلمة الناتجة عن المعصية.
يُبرز أهمية نور الإيمان في حياة الإنسان، حيث يهديه ويكشف له الحقائق. يشير إلى أن هذا النور ينتج عن الطاعة والإيمان وأنه ضروري لاجتياز التحديات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل في دواء اللواتي، قال: فإن قيل: فهل مع هذا كله دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا السحر القتال؟ وهذا من مضمون الكتاب، وهو الداء والدواء، فهو الآن يبين: هل هناك لهذا الداء، وهو التعلق بالذكور وما كان مثله؟ فقال: فهل مع هذا كله دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا السحر القتال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟ وهل من طريق قاصد إلى التوفيق؟ وهل يمكن السكران بخمر الهوى أن يفيق؟ وهل يملك العاشق قلبه، والعشق قد وصل إلى سويداه؟ لأن العشق استولى على القلب، حتى يرى الإنسان أنه لا ملك له في قلبه، وهذا أيضا مما يكون فيه الشيطان معينا لهذا الإنسان، بل يأزه. قال: وهل الطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من سويداه؟ السويداء أصلا مرض مثل الجنون، يكون في عقل الإنسان أو في قلبه، فيصير مثل المجنون، فيلهث إلى شيء أو إلى ما يريده، وهذا العاشق مثله. قال: إن لامه لا يملذ بملامه، ذكرا لمحبوبه، فالنصائح لا تنفعه، فصار الناصح عنده مثلها مثل غيرها، بل يفرح لذكر محبوبه. يأتي الإنسان ينصحه: لا تماش فلانا، لا تفعل كذا، فهذا لا يجوز، فهو يفرح؛ لأن هذا الناصح ذكر فلانا. قال: وإن عذله عاذل أغراه عذله، وسار به في طريق مطلوبه، ينادي عليه شاهد حاله بلسان مقاله، كأنه يرى أنه لا ينفع هذا معه، ولا يبالي بهذا العدل، وهو الانتقاد. قال: ينادي عليه شاهد حاله بلسان مقاله عن حاله، يشهد كأنه يقول: وقف الهوى بي حيث أنت، فليس لي متأخر عنه ولا متقدم، ما استطيع لا تأخر ولا تقدم، إنما أنا كأنه يقول: أنا أسير لهذا الهوى. قال: وَهَنَتْنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي جَاهِدًا، وَأَهِنْتَنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي جَاهِدًا، ما من يهون عليك ممن يكرم، ما لجرح بميت إيلام. قال: أشبهت أعدائي فصرت أحبهم، إذ كان حظي منك حظي منهم، أجد الملامة في هواك لذيذة حبا لذكرك، فليلمني اللوم، محمى لائمون، فأنا لا أبالي بهذا، بل أفرح لذكرك أنهم يذكرونك. قالوا: على هذا هو المقصود بالسؤال الأول، يعني يقول الآن لابن القيم: أن السؤال الأول في بداية الكتاب في السؤال عن الداء، هذا المقصود به، وهو كيف ينجو الإنسان من مثل هذه الجرائع، ومن مثل هذه الأدواء التي تدخل على القلب. قال: والداء الذي طلب له الدواء قيل: نعم، الجواب من رأس ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله. وهذه الزيادة الظاهر أنها تصح، وبعضهم العلم يقول أنها شاذة، وإلا الحديث صحيح: ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء. هنا جاء من حديث جابر عند مسلم بنحوه، وجاء أيضا من حديث أبي هريرة عند البخاري. قالوا: الكلام في دواء تعلق القلب المحبة الهوائية من طريقين. الآن سيتكلم المؤلف رحمه الله عن مسألة المحبة ومداخلها، وكذلك أيضا ما آثار هذه المحبة، وما هو الصحيح منها، وما لم يصح. فقالوا: الكلام في دواء تعلق القلب المحبة الهوائية من طريقين، الهوائية معنى: ما يهواه العبد عندما يتعلق القلب بمحبوب، سواء كان هذا المحبوب جائزا التعلق به كالمرأة، يعني كالزوجة، أو غير جائز. وهذا المقصود معنى إذا كان غير جائز، يتعلق بامرأة لا تحل له، أو امرأة متزوجة، أو يتعلق بمحرم له، أو كذلك يتعلق بولد أو بكل من لا يحل له، فكيف الدواء؟ قال: الدواء أو معنى من طريقين: أحدهما حسم مادته قبل حصولها. حسم هذه المادة قبل أن تحصل، وإذا رأى الإنسان نفسه ينهمك في مثل هذه الأمور، فإنه ينجر ويبتعد. قال: والثاني قلعها بعد نزولها، وكلاهما يسير على من يسره الله عليه، عن الذي يحب الله عز وجل، ويحب مرضاته سبحانه وتعالى، فإنه يهون عليه أن يتخلى عن كل شيء لأجل الله. فلهذا إذا تعارض هذا الأمر بحب الله جل وعلا، اتعد عنه، وحاول أن لا يكون فيه شيء مما يغضب الله عز وجل. وأقل شيء كما سيأتي ذكره: أنه لا يجعل هذه المحبة أو هذا العشق يستولي عليه، فمعنى يوصله إلى الحرام، يوصله إلى الحرام، أقل شيء أنه يمنع نفسه من الحرام. هذا إذا لم يستطع، وإلا فإنه يدعو الله عز وجل، ويتضرع إلى الله، وأراد الله سبحانه وتعالى، فإن الله يوفقه ويسر له هذا الأمر، أي ترك هذه الأمور. قال: وأما الطريق المانع من حصول هذا الداء فأمران. أولا ذكر كيف يعالج هذا القلب، يعالج أولا بحسم مادته قبل حصولها، أنه إذا رأى الإنسان تعلق قلبه بغير الله، فيحسم هذه المادة، ويبتعد عن هذه الأسباب التي تؤديه لمثل هذا الشيء، مثل مثلا أن لا نظر في الصور، كما سيذكره الإمام ابن القيم رحمه الله، فهذا أعظم شيء هو الذي يوصل إلى مثل هذه الأمور، ومحبة النظر إلى الصور، صور النساء أو غيره. وهناك أيضا طريق مانع من حصول هذا الداء، وهما أمران: أحدهما غض البصر، كما تقدم، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من أطلق لحظاته دامت حسراته. وفي غض البصر عدة منافع، أول هذه الأمور غض البصر؛ لأن كما قال الشاعر كما ذكره الإمام ابن القيم: ومستصغر النار من ومعظم النار من مستصغر الشراري. كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فتكة، سهام بلا قوس ولا وتد، يسر مقلته ما ضر مهجته، لا مرحبا بسرور عاد بالضرر. وأيضا فيه أنه قال: كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتكت، سهام بلا قوس ولا وتد، ومعظم النار من مستصغر الشراري. ثم ذكر هنا منافع غض البصر، غض البصر له منافع كثيرة، أحدها: أنه امتثال لأمر الله، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده. وأما الحديث: أن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، تقدم معنا أنه لا يصح، لكن معناه صحيح، فإن النظرة تفعل في القلب ما لا يفعله السهم، نظرة واحدة تجعل العبد يغير، أو قد مثلا تقتله هذه النظرة، تهدم حياته، تخرب بيته. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا نظر أحدكم إلى امرأة أعجبته، فليأتي زوجته، فليأتي زوجته؛ فإن الذي معها معها. قال: من فوائد غض البصر أحدها: أنه امتثال لأمر الله، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى. وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره. وجاء هناك حديث: لكنه أيضا فيه كلام، غض بصره عن المحارم أورثه الله إيمانا، طول حياته أو كذا، لكنه لا يصح أيضا، لكن لا شك أن غض البصر له فوائد عظيمة كما سيذكرها المؤلف. قال: ومن أعظمها امتثال أمر الله أولا، هذا أنه امتثال لأمر الله عز وجل بغض البصر، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وقال أيضا: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. لهذا كما تقدم قبل أن غض البصر يحفظ الفرج، وإطلاق البصر يضيع الفرج. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة: «العينان تزنيان وزناهما النظر» إلى أن قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». فإذا انفلتت العينان انفلتت الجوارح الأخرى، وأعظمها الفرج. وإذا حفظ الرجل عينيه من النظر هنا وهناك، فإنه يحفظ فرجه كذلك. قال: الثاني: أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه إلى قلبه، أن إذا غض بصره منع هذه السهام التي تخدش القلب وتطعن، وأيضا تصيب القلب. فإذا أصيب القلب بسهم مسموم أثر عليه، والمراد أنه نظر إلى حرام فهوى ذلك الحرام. قال: الثالث: أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية عليه، أي غض البصر معنى لا تلهيه شيء من هذه الصور، فيورث القلب أنسا بالله وجمعية عليه. فإن إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله، وليس على القلب شيء أضر من إطلاق البصر، فإنه يورث الوحشة بين العبد وبين ربه. قال: لأن القلب أو النظر إذا نظر الإنسان وأبصر شيئا من هذا الحرام تعلق قلبه به، فتشتت قلبه عن الله وابتعد عن الله، فتجد أكثر وقته وهو يفكر في هذا الذي نظر فيه. ولهذا كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تلك قصة التي حصلت لذلك الرجل، نظرة خربت عليه حياته. ورب قائلة يوما وقد تعبت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ نظر إليها نظرة فعجبته، فاحتال عليها، لكنه احتال عليها، فبقي طول عمره وهو يهيم عليها، سبب نظرة. مع أنه قد تجد أن كثيرا من النساء أفضل منه، وقد أيضا كذلك يستطيع هذا الشخص أن يتزوج من هي أفضل منها، لكن قلبه لا يطاوعه. قال: الرابع: أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه، يقوي القلب بالإيمان بالله عز وجل. قال: الخامس: أنه يلبس القلب نورا، كما إن إطلاقه يلبسه ظلمة. ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ثم قال إثر ذلك: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. فالذي يغض بصره يجعل الله عز وجل له نورا في قلبه. قال: واستنبط الإمام ابن القيم مناسبة بين ذكر هذه الآيات بعد أن انتهى الله عز وجل من ذكر آيات غض البصر، ذكر آيات النور، فقال: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه. وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان، فما شئت من بدع وضلالة، واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة، هذا كله يورثه الظلمة والمعصية، بخلاف نور الطاعة، فإنه يولد الخير. قال: فإن ذلك إنما يكشف له النور الذي في القلب، أن الإنسان يكون في غفلة. ولهذا نبه الإمام ابن القيم كثيرا أن المعصية وأن الذنب قد يفعل في القلب شيئا لا يدرك الإنسان ولا يشعر به إلا من كان قلبه حيا. فلهذا كان السلف رحمهم الله يعرفون الرجل أنه أخطأ بمجرد تصرف، حتى يقول بعضهم كما ذكر الفضيل: أن بعض أهل العلم يقول: إني لا أعرف ذنبي في خلق امرأتي ودابتي. يعرف أنه أذنب في خلق امرأته، يتغير خلق المرأة، تتغير الدابة، يعرف أنه أخطأ. قال: «أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ»، فهذا النور هو نور الطاعة، وهو نور الإيمان، وهو الذي يكشف مثل هذه الأمور. قال: فإذا نفذ ذلك النور وقي صاحبه كالأعمى الذي يجوز في حنادس الظلام، يدق هذا ويسقط بهذا؛ لأنه ليس معه نور يمشي به. والله تعالى أعلم.