التعليقات على كتاب الأدب المفرد 435

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 435، ألقاها

مفهوم الغضب وأهمية التحكم فيه

الغضب هو حالة انفعالية تصيب الإنسان وقد تؤدي إلى تصرفات سلبية، والقوي من يملك نفسه عند الغضب بضبط اللسان والجوارح. التحكم في الغضب يمنع العواقب الوخيمة ويؤدي إلى السلامة من الإثم.

وسائل السيطرة على الغضب

للتحكم في الغضب، أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بملك النفس والسكوت وتغيير الهيئة والاستعاذة بالله من الشيطان. هذه الوسائل تساعد على تجنب التصرفات غير المسؤولة والندم اللاحق.

فضل كظم الغيظ وملك النفس

كظم الغيظ وملك النفس عند الغضب يؤديان إلى نيل الأجر العظيم عند الله، وهو عمل صالح يؤجر عليه الإنسان إذا فعله ابتغاء وجه الله. هذا الفعل يعتبر من الأخلاق الحميدة التي حث عليها الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري، رحمه الله، في كتابه «الأدب المفرد»، باب الغضب، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالسرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري، رحمه الله، بقوله: «باب الغضب». والغضب حالة انفعال تصيب الإنسان عند حدوث أمر من الأمور، فيثور دمه، وتنتفخ أوداجه، ويصيبه شيء من الشدة أو الغضب والانفعال وثوران العصاب. ذكر رحمه الله في هذا الباب حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: «ليس الشديد بالسرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». ليس الشديد بالسرعة، أي: الذي يصرع الناس بقوته وشجاعته، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، أي: الشديد حقًا والقوي حقيقة الذي يملك نفسه عند الغضب، أي: إذا غضب ملك نفسه. وملك نفسه يكون بأمرين: الأمر الأول أن يملك لسانه؛ لأن الإنسان إذا غضب ربما يطلق لسانه بالكلمات التي يتكلم بها، ولا يلقي لها بالًا، ولا يتريث فيها، من سب أو شتم أو لعن، أو ربما أيضًا من طلاق، ربما يغضب الرجل على زوجته فيطلقها بسبب الغضب، فلا يملك لسانه عند الغضب، وهذا من الضعف. الشديد والقوي الذي يملك لسانه إذا غضب، إذا غضب سكت وكظم الغيظ، هذا هو القوي. وكذلك أيضًا الأمر الثاني: يملك جوارحه ويده، يملك يده إذا غضب، ما يطلق يده بضرب أو بقتل أو بغير ذلك من أنواع استعمال اليد. فالشديد الذي يملك يده إذا غضب. فإن الكثير من الناس إذا غضب ربما استعمل يده إما بضرب وإما برمي أو نحو ذلك من أنواع اعتداء اليد بسبب الغضب. فالشديد الذي يملك نفسه «ليس الشديد بالسرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، إذا غضب ملك نفسه، ملك لسانه فسكت، وملك جوارحه ويده فلم يدلي بيده على من غضب عليه. والنبي، عليه الصلاة والسلام، أوصى بذلك، كما سيأتي معنا في بعض الأحاديث في الأبواب القادمة، أنه يسكت إذا غضب، إذا غضب يسكت، فلا يتكلم حتى يذهب منه الغضب. وأمر النبي، عليه الصلاة والسلام، من غضب أن يجلس إذا كان قائمًا، وأن يجلس إذا لم يهذب منه الغضب، يضطجع، فيغير الهيئة التي هو عليها حتى يذهب منه الغضب. وهكذا أيضًا يستعيذ بالله من الشيطان، كما سيأتي. فالذي يصيبه الغضب ينبغي أن يسكت، يملك نفسه بالسكوت، فلا يتكلم بشيء. والأمر الثاني: يملك جوارحه ويملك يده، فلا يطلق يده. والأمر الثالث: يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. وهكذا الأمر الرابع: يغير الهيئة التي هو عليها، إن كان قائمًا يجلس، وإن كان جالسًا يضطجع، أو إذا جلس ولم يذهب الغضب يضطجع حتى يهدأ. فإذا ملك نفسه فهو الشديد، فهو الشديد والقوي. وفي حديث أبي هريرة أن النبي، عليه الصلاة والسلام، سأله رجل، قال: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضب». فردد مرارًا، قال: «لا تغضب». ليس معنى أنه لا يغضب، أي: لا يقع منه الغضب؛ فالغضب قد يقع منه لأنه بشر، لكن يملك نفسه إذا غضب، يملك نفسه إذا غضب، فلا يحصل من غضبه شيء من الاعتداء بلسانه أو بيده وجوارحه. قال: وذلك أن الإنسان إذا غضب صار في حالة كما قال بعض أهل العلم: الغضب أوله جنون وآخره ندم، أوله جنون وآخره ندم. فالغضبان إذا ثار غضبه يصير مثل المجنون في تصرفاته وفي أفعاله وفي أقواله، فأوله جنون وآخره ندم، بعد أن يهدأ يقول: حصل منك كذا، وفعلت كذا، أو قلت كذا، يندم، يقول: ليتني ما فعلت، ليتني ما قلت. لكن إذا ملك نفسه وسكت وهدأ، كظم الغيظ، تحمل ذلك حتى يهدأ، فبذلك يسلم، لا يصير فيه شيء من آثار الجنون، ولا كذلك يندم، ولا يندم؛ لأنه أمسك لسانه ومسك جوارحه. فالإنسان ربما بعض الناس إذا غضب -يعني- يصل به إلى حد القتل، كم من قتل يقع بسبب الغضب، يغضب على صاحبه أو على قريبه فيقتله، ثم يندم بعد ذلك. لكن لو ملك نفسه من أول الأمر، لسلامة وكان بذلك شديدًا إذا ملك نفسه، فهو الشديد والقوي. قال رحمه الله: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا أبو شهاب عبد ربه، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عمر، قال: «ما من جرعة أعظم عند الله أجرًا من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله». هذا الأثر ذكره رحمه الله عن ابن عمر موقوفًا عليه من قوله، وهو صحيح، وقد صح مرفوعًا إلى النبي، عليه الصلاة والسلام. «ما من جرعة أعظم عند الله أجرًا من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله»، جرعة يعني: شيء مقدر، شيء مقدر. «ما من جرعة أعظم عند الله أجرًا»، يعني: ما من شيء يقع من الإنسان يكون له فيها أجر عند الله، قال: «من جرعة غيظ كظمها عبد»، كظمها عبد ابتغاء وجه الله، يعني: أصاب الإنسان غضبًا، فكظم هذا الغضب، كظمه بأن أمسك لسانه وأمسك جوارحه، وجعل الغضب والغيظ في صدره، ولم يخرجه، ولم يؤثر فيه في جوارح، لا بلسانه ولا بيده، ابتغاء وجه الله، يعني: فعل ذلك ابتغاء وجه الله، حتى لا يقع في شيء من الإثم إذا أطلق لسانه أو أطلق يده، فكظم وهو قادر، ربما أن ينتقم ممن أغضبه، لكن فعل ذلك ابتغاء وجه الله، كظم نفسه وسكت. ربما يعتدي عليه إنسان ويظلمه أو يتنقصه بسب أو شتم أو شيء من ذلك مما يثير الإنسان فيغضب، فيكظم غيظه، يسكت، يسكت ويكظم هذا الغيظ ابتغاء الأجر والثواب من الله، قال: «ابتغاء وجه الله»، فإذا فعل ذلك كان له أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على