الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أهمية أداء الصلاة في أول وقتها وجواز الصلاة مع الإمام بعد أداء الفريضة في البيت. يشير إلى كيفية التعامل مع الأئمة الذين يؤخرون الصلاة.
يُشدد على أهمية الإحسان إلى الجيران واختيار الأصحاب الصالحين وتأثيرهم الإيجابي على الفرد. يبين أن خير الجيران والأصحاب عند الله هو خيرهم لجاره ولصاحبه.
يشرح الحديث النبوي الذي يعدد صفات السعادة والشقاء، مبينا أهمية الجار الصالح والمرأة الصالحة في سعادة المرء، ومخاطرة الجار السيئ والمرأة السيئة في شقائه.
يبرز أهمية التعوذ من الجار السيئ الذي قد يكون معك لفترة مؤقتة أو دائمة، ويشير إلى ما كان يتعوذ منه النبي عليه الصلاة والسلام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله عند حديث أبي ذر، قوله: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: أسمع وأطيع ولو لعبد مجذع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف، وصل الصلاة لوقتها، فإن وجدت الإمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة». وقفنا عند الفقرة الأخيرة من هذا الحديث، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وصل الصلاة لوقتها، فإن وجدت الإمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة». وهذه وصية من النبي عليه الصلاة والسلام له بأن يحافظ على أداء الصلاة لوقتها، أن يصلي الصلاة في وقتها كما أمر الله سبحانه وتعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾. وكما بين النبي عليه الصلاة والسلام أوقات الصلاة، وكذلك بيّن عليه الصلاة والسلام أن الصلاة في أول وقتها من أفضل الأعمال. قال: «فإن وجدت الإمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة»، يعني أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يوصي أبا ذر أنه إذا أدرك بعض الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها المختار، أنه يصلي الصلاة لوقتها، ثم يخرج فيصلي مع الإمام، فإن وجده قد صلى فهو قد أحرز صلاته، بمعنى أنه قد أدى الذي عليه بصلاته في أول الوقت، وإن وجده لم يصلي فإنه يصلي معه وتكون له نافلة، يعني تكون له تطوعا لأنه قد صلى الفريضة في أول وقتها. فهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى بذلك أن يصلي الصلاة لوقتها، فإذا وجد الإمام قد صلى فقد أحرز صلاته بأدائها في أول الوقت، وإلا فهي نافلة. أو بهذا أنه ينبغي للإنسان إذا أدرك أئمة المساجد، وكانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها المختار، فإنه يصلي الصلاة لوقتها ثم يصلي معهم، وذلك درءا للفتنة وحتى لا يحصل الشر. كما أوصل نبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح عن أبي هريرة: «صلوا فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». أوصل نبي عليه الصلاة والسلام بالصلاة خلفهم، وأنهم إن أخطأوا فعليهم هم الذين يتحملون الخطأ، وإن أصابوا فلكم ولهم. وكذلك فيه أن من صلى الفريضة في بيته ثم أتى إلى المسجد ووجد الناس يصلون، فإنه يدخل معهم وتكون له نافلة. مثلا صليت في البيت لعذر، كمطر، مثلا فقال المؤذن: «صلوا في رحالكم» أو «في بيوتكم»، فصليت ثم بدا لك أن تأتي إلى المسجد فأتيت وجدت الناس لم يصلوا، فإنك تصلي معهم وتكون لك نافلة. كما وصل النبي عليه الصلاة والسلام الرجلين اللذين رآهما بعد أن صلى مع أصحابه، فقال: «ما منعكما أن تصلي مع القوم؟» قال: «صلينا في رحالنا». فأثابهما النبي عليه الصلاة والسلام أنهم إذا صلوا في رحالهم ثم وجدوا الإمام يصلي، فإنهم يصلون معه وتكون لهم نافلة. وهذا مع حصول الأجر والثواب لهم، كذلك فيه درء مفسدة، وهو حتى لا يظن الإمام أن هؤلاء لا يريدون الصلاة معه، فيكون في ذلك مدخل للشيطان ونزغ الشيطان بينه وبينهم، فلهذا يدخلون ويصلون معه وتكون لهم نافلة. وشاهد من هذا الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف». أنه إذا طبخ مرقا يكثر الماء، ثم يعطي لجيرانه منه. قال: «حدثنا الحميدي قال حدثنا أبو عبد الصمد العمي قال حدثنا أبو عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماء المرقة وتعاهد جيرانك وقسم في جيرانك». ومعنى هذا الحديث قد مر الكلام عليه، وهو صحيح. قال باب خير الجيران، قال: «حدثنا عبد الله بن يزيد قال حدثنا حيوة وعبد الله بن عياش القتباني عن شرحبيل بن شريح أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث عن عبد الله بن عمر بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره». هو الحديث صحيح، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وأيضا شيخنا رحمه الله في الصحيح المسند. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، فهؤلاء خير الأصحاب عند الله هم خير الأصحاب لأصحابهم. فالصاحب الخير الصالح هو الذي يرشدك وينصحك، وكذلك أيضا يبين لك عيوبك، وكذلك ينبهك إذا أخطأت ويعلمك إذا جهلت، ويأخذ بيدك إلى طريق الخير. فهذا خير الأصحاب، أما الذي يسكت عن عيوبك ولا ينبهك بها، ولا يرشدك إلى الخير، ولا يكون عونا لك على الطاعة، فإن هذا من شر الأصحاب. لهذا ينبغي للإنسان إذا صاحب إنسانا أن يصاحب من يعلم منه الصلاح والاستقامة حتى يعينه على طاعة الله سبحانه وتعالى، بل ينظر من كان أعلم منه فيصاحب من كان أعلم منه حتى يستفيد منه وينتفع بصحبته. والصحبة لها تأثير عظيم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام عن أبي هريرة في السنن: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». ينظر من يصاحب ومع من يمشي، فإنه يتأثر بصاحبه تأثيرا عظيما. كما قيل: «من جالس جانس». وتلا النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يهديك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة. هذا مثل ضربه النبي عليه الصلاة والسلام للجليس الصالح والجليس السوء. لهذا ينبغي للإنسان أن يختار خير الأصحاب. فإذا كان الشرط كذلك، فإن خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، من كان خيرا لصاحبه فهو خير الأصحاب عند الله سبحانه وتعالى. قال: «وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره». كذلك خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، الذي يحسن إلى جاره بجواره، بإبعاد الأذى عنه وبإيصال الخير له، فهذا خير الجيران عند الله سبحانه وتعالى. وبهذا يعلم إحسان الجوار، وأنك إذا كنت محسنا لجارك وكنت لجارك خير جار، فاعلم أنك من خير الجيران عند الله سبحانه وتعالى. قال باب الجار الصالح، قال: «حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن حبيب أبي ثابت قال حدثنا خنيس عن نافع عن عبد الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سعادة المرء المسلم المسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء». والحديث صحيح، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وجاء عند ابن حبان والطبراني في التاريخ من حديث سهل بن سعد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: الجار السوء والمرأة السوء والمسكن الضيق والمركب السوء». وهكذا أيضا المسكن الضيق، هذه أربعة ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام. فذكر منها أربعة هي من سعادة المرء أن يوفق لها: المسكن الواسع، أن يكون مسكنه ودار واسعة، فهذا من سعادة المرء لأنه يأخذ فيه راحته ويطمئن نفسه بذلك. وهكذا أيضا المرأة الصالحة، المرأة المستقيمة التي تطيعه إذا أمر وتنتهي إذا نهى وتحفظه في أهله وماله، فهذه كذلك من سعادة المرء. وهكذا أيضا الجار الصالح، هذا كذلك من سعادة المرء أن يوفق لجار صالح، جار مستقيم لا يؤذيه، ولا كذلك أيضا يصيبه منه شر، بل يعينه على طاعة الله سبحانه وتعالى ويبعد عنه الشرور، فهذا من سعادة المرء. وهذا المركب الهنيء، المركب الذي يركبه ويستعين به، فهذا كذلك من سعادة المرء. عنده مركب إذا أراد أن يقضي حاجته ركب عليه وقضى حاجته متى ما أراد أن يستعمله. وهكذا بالعكس من الشقاوة أن يكون عنده مركب سيء، مركب دائما معطل، إذا أراد أن يشغله ما يشتغل إلا بالدفع، يدفعه ويشتغل عشر دقائق وبعد ساعة يتعطل، فهذا من الشقاوة. وهكذا المرأة السيئة، المرأة سيئة الخلق التي لا تطيعه إذا أمر ولا تنتهي إذا نهى، ولا تحفظه بماله وأهله وأولاده، بل ربما ترفع صوتها عليه وتؤذيه ونحو ذلك، فهذا من الشقاوة. وهكذا أيضا الجار السيئ، جار سيئ الخلق لا يبالي به، ربما يؤذيه هو وأولاده وزوجته، فهذا كذلك من الشقاوة. وهكذا أيضا المسكن الضيق، فكذلك أيضا هذا من الشقاوة. فمن سعادة المرء أن يوفق لهذه الأشياء: مسكن واسع، وجار صالح، ومركب هنيء، وامرأة صالحة. قال باب الجار السوء، قال: «أخبرنا سليمان بن حرب وابن نمير عن ابن عجلان ومحمد بن إسحاق عن سعيد وهو المقبري عن أبي هريرة قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقام، فإن جار الدنيا يتحول». والحديث حسن، علامة الألباني رحمه الله. وأشار الشيخ الألباني أنه روي عند النسائي وابن حبان بدل «جار الدنيا» «جار البادية»، فإن جار البادية يتحول. فهذا الحديث في أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقام»، يعني في دار الاستقرار، الدار التي أقيم فيها. فكان يتعوذ عليه الصلاة والسلام أن يكون جاره سيئا، أن يكون جاره سيئا، فسوء جواره مر مذاق وكذلك أذى عظيم من البلاء. أن تبدأ بجار سيئ الخلق وسيئ الدين، فإنه يؤذيك، ربما يصل الأذى من ديك إلى بيتك، يفتح الأغاني على آخر الأصوات فيزعجك، وهذا أيضا رغم أنه لا يبالي بك. فيأتيك الأذى من أولاده ولا يبالي بذلك، ربما يرى الأوساخ والأقذار تحت بيتك إلى غير ذلك من الأذى العظيم الذي يتأذى به من جار السوء. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتعوذ من جار السوء في دار المقام، فإن جار البادية يتحول، يعني إذا كان جار في البادية في التنقل للرعي وكذلك للحصول على الماء، فهذا سهل. فإنك تكون معه في جوار موقف أيام ثم تتركه، بخلاف في دار المقام ودار الاستقرار، فإنه معك مدى حياتك، فهذا أمر مهم كان يتعوذ منه النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.