الدرس في التعليق على الجواب الكافي 142، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع رأي الإمام ابن القيم القائل بوجوب القتل في اللواط للفاعل والمفعول به مستنداً لحديث ابن عباس وإجماع الصحابة. ويرد على من ينكر حداً معيناً لها مبطلاً القياس على وطء الميتة أو البهيمة لاختلاف الدافع والشهوة.
يناقش المقطع حكم من نكح امرأة أبيه بعد موته مستدلاً بحديث البراء بن عازب القاضي بقتله وأخذ ماله باعتباره ردة لاستحلال الحرام. ويرد على استدلال الجماعات المعاصرة بهذا الحديث لتكفير مرتكب الكبيرة بمجرد الفعل دون استحلال قلبي أو قولي.
يشرح المقطع أن آية ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ عامة في كل ذي ولاية وحملها السلف على كفر دون كفر ما لم يقترن استحلال. ويستعرض أقوال أهل العلم في تكفير من عقد على امرأة أبيه مع نقد أسانيد الأحاديث الواردة في حد من وقع على ذات محرم.
يبين المقطع ضعف حديث عبدالله بن مطرف لجهالة راويه وأنه قد يكون من التابعين فلا يصح الحديث. ويشير إلى أن الحديث يدل على جواز القتل بالتوسيط كدليل مستقل في المسألة ثم يختم الدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فصل في عقوبة اللواط، وعقوبة الزنا. قال في الأجوبة عما احتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنا: "أنا لا أزال في الرد على من يقول أنهما سواء، أو كذلك من يقول أن عقوبة اللواط لم يأت فيها حد". قال: "وما قولهم إنها فجوابه من وجوه: أحدها أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما، وما شرعه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنما شرعه عن الله. فإن أردتم أن حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل، وإن أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنة". أنا أقول: أن قولهم إنها معصية لم يجعل الله فيها حدا معينًا، فقال: "إن كان أرادوا أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما، وما شرعه رسول الله فإنما شرعه عن الله، فإن أرادوا بكلامهم أن حدها غير معلوم بالشرع فهذا باطل". أنا على تصحيح حديث ابن عباس: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»، فدل على أنه لم يميز بين من أحصن ومن لم يحصن، فدل على أن عقوبته أعظم من عقوبة الزنا. فعقوبة الزنا للمحصن: من أحصن فزن قتل، ومن لم يحصن وزن لم يقتل وإنما يحد بالجلد، وهذا أعظم منه؛ فعن القتل في كل حالة. وأما إن أرادوا نصًا أو أنه غير ثابت بنص الكتاب، فهذا لا يلزم؛ لأن ثبوته بالسنة يكفي. قالوا: الثاني أن هذا ينقض عليكم بالرجل؛ فإنه إنما ثبت بالسنة. فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقي حكمه، قلنا: ينتقض عليكم بحد شارب الخمر. فهذا فنقض كلامهم بهذه الأوجه، يعني أن ينتقض عليكم بحد شارب الخمر، أي أنه لم يأت في القرآن وجاء في السنة. ولا شك أن التفريق بين القرآن والسنة كلام باطل وقول باطل مهما صدر ممن كان، والذي أجمع عليه العلماء أن السنة مثل القرآن، حكمها حكم القرآن. قالوا: الثالث، لكن أحيانًا يكون مثلا السنة فيها الحديث الذي سُلّ بها فيه ضعف، والذي والمقصود هو إيش هو صحة ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا صح فإنه مثل كتاب الله. قالوا: الثالث أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل ولا نفي المدلول. فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتفٍ؟ أن هذا إذا نفى الإنسان دليلًا معينًا لا يستلزم نفي مطلق الدليل. مطلق الدليل أي أصل الدليل. فقد مثلا الآن نفوا في هذه... نفوا مثلا الإحراق بالنار لعدم الدليل في ذلك، نقول لهم: عندنا دليل بالقتل، فالآن لا يستلزم مثلا نفي الإحراق نفي القتل. فمطلق الدليل أو نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل، ولا نفي كذلك ما دل عليه من المدلول. فلذا لا يلزم من نفي دليل معين مثلا نفي دليل معين، مثلا الإحراق كما قلنا، نفي دليل القتل. قالوا: أما قولكم إنه وطء في محل لا تشتهي الطباع، بل ركب الله الطباع على النفرة منه، فهو كوطء الميتة والبهيمة. فجوابهم من وجوه: أحدها أنه قياس فاسد الاعتبار، مردود بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة كما تقدم بيانه. والثاني أنه قياس وطء المرد الأمرد الجميل الذي تربو فتنته على كل فتنة، على وطء تيس أو امرأة ميتة، من أفسد القياس؛ لأن هذا ترغب إليه النفس أعظم، فكيف يقاس بما لا ترغب فيه النفس ولا تشتهيه غالبا إلا عند البهيميين؟ أن من صار مثل بهيمة شهوته كشهوة البهيمة. قالوا: هل يعدل ذلك أحد قط بتيوس أو بقر أو ميتة؟ أو سبي ذلك عقل عاشق أو أسر قلبه أو استولى على فكري ونفسه؟ فليس في القياس أفسد من هذا. أنا يقاس وطء مثلا هذا المرد كالحمار أو غيره. قال الثالث: أن هذا منتقد بوطء الأم والبنت والأخت، فإن النفرة الطبيعية عنه حاصلة مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود. أنا أقول: أيضًا منتقد بوطء الأم أو البنت، معنى المحارم، فإن الطباع تنفر منه. فإن استدللتم بأن الطباع تنفر منه، وأنه مادام أن الطباع تنفر منه فليس هو كالزنى، ينتقد عليكم بإتيان المحارم؛ فإنه أيضًا تنفر منه الطباع، وفعله أعظم من فعل الزنى، ولا شك ولا اختلاف بين الناس في ذلك، عن الذي يأتي أحد محارمه هو أغلظ. قالوا: حاصل قولنا: الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين، وهو القتل بكل حال، محصنًا كان أو غير محصن. وهذا قول أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهو أيضًا قول جماعة من أهل الحديث، وقول إسحاق بن راهويه، وقول ابن المنذر وابن خزيمة، وجماعة من أهل الحديث، وهو أيضًا كذلك قول الشافعي. قال: وقد روى أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال: لقيت عمي ومعه الراية، فقلت: إلى أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده، أن أضرب عنقه وآخذ ماله. وهذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره من حديث الأشعث بن سوار عن عدي بن ثابت عن البراء، وعدي بن ثابت الذي يقال له قاص الشيعة هو ثقة، لكن الأشعث بن سوار في ضعف، لكن قد تابعه الربيع بن ركين وهو ثقة، فالحديث بسنده صحيح. وجاء كذلك الحديث من طريق النخعي عن البراء، من طريق خالد بن أبي سارة، وفيه ضعف، وفيه تخميس المال، لكن قد ثبت أيضًا من روايات أخرى أنه أخذ ماله. قال: «وآخذ ماله». وهنا هذا الحديث ليس فيه أنه زنى بامرأة أبيه، وإنما نكحها، أي أنه عقد عليها بعدما مات، بعد أن مات أبوه، نكح أو تزوج امرأة أبيه، وهذا على سنة الجاهلية، ولهذا أخذ ماله. ونبه بعض العلماء كما جاء عن الإمام أحمد، وعن شيخ الإسلام وابن القيم، أن هذا يدل على أنها ردة، وليس المراد أخذ المال، أو ليس المراد أنه حد، وهنا الحد الذي عليه حد ردة. لماذا؟ لأنه عقد على امرأة أبيه، عقد على امرأة أبيه، ومعنى ذلك أنه استحل فرجها. أنا لو كان مثلا زنى بها، فهذا يعتبر ذنبًا، يعتبر ذنبًا، لكن يحلل هذا الذنب بالعقد، فمعنى ذلك أنه استحل، يستحل الحرام، والذي يستحل الحرام المجمع عليه يعتبر كافرًا. بعض السرورية القطبية، معنى المعاصرين الخوارج، استدلوا بهذا الحديث على أن العمل يكون كفرًا بدون استحلال بالقول ولا بالاعتقاد، أنا بعمله يكون كفرًا دون تعلق، دون تعلق الأمر بالقلب أو بالاستحلال القولي، وهذا ليس فيه هذا، استدلال خاطئ. وأيضا استدلوا مثلا بالسجود للصنم، أو دوس المصحف، وهذه استدلالاتهم غير صحيحة؛ لأن هذه أولا الأدلة تتعلق بالاعتقاد. الذي يسجد لصنم، فإن كان هو يسجد للصنم فهذا اعتقاد شرك، اعتقاد شرك. وإن كان مثلا لم ير الصنم فهذا لا شيء عليه. أيضا كذلك الذي داس المصحف، إن كان داسه متعمدا فهذا لا شك في كفره اعتقادا، أصلا ما داس المصحف إلا لأنه يعتقد أن هذا المصحف مهان، وهذا اعتقادي. فلذا ذكر الشيخ الإمام حافظ حكمي، ذكر هذه الأعمال، وقال: هذه أعمال ظاهرها عمل لكنها متعلقة بالقلب. وأما هذا فهو متعلق بالاستحلال القولي، وإن لم يتكلم به فهو عقد. كيف عقد؟ يعني هل عقد أنه دخل بها هكذا؟ إذا كان دخل بها هكذا فهو زنى. لكن عقد معناه أنه قال لها: أريد أن أتزوجك، فرضيت بذلك، وهذا قول: «أريد أن أتزوجك»، هذا تحليل ما حرم الله. كيف يتزوجها وهي امرأة أبيه؟ فلذا فهذا استحل ما حرم الله عز وجل عليه، فليس فيه دليل على أن الكفر يكون بالعمل. وهم أرادوا بهذا أن يقولوا: أن من عمل بالقوانين الوضعية مجرد العمل يعتبر كفرًا، مجرد العمل، ولو كان مكتوب عندهم في القانون أنه لا يعمل به أو أنه على الشرع، لكن إن عمل به يعتبر كفرًا. وهذا كلام باطل؛ لأن إذا قلنا بهذا معناه كفرنا كل من عمل، من عمل بغير شرع الله جل وعلا. فهل كل من يعمل يكون مستحلا له؟ هذا كلام باطل، هذا كلام باطل. ولهذا فهذا تكفير. وأيضا دخلت الخوارج من هذا الباب، دخلت الخوارج من هذا الباب، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فظنوا أن هذه الآية عامة، قالوا في كل من لم يحكم بما أنزل الله، لكنها خاصة في من وضع القوانين أو من يضع القوانين، وهذا أيضا كلام باطل. فإذا كان مثلا الحاكم الذي مثلا يعمل مثلا ببعض الأشياء التي مخالفة للشرع، فهل هو الذي وضع الأحكام؟ لا، هو فقط تنصب الرئاسة ووجد الأحكام موجودة، وأيضا الأحكام أو القانون أو الدستور كما يقولون موجود أصلا، فهو عمل به لأجل كرسيه. لكن هل هو موافق لهذا أو غير موافق؟ الله أعلم. فليس كل من... وهذه الآية كما قلنا قبل أن السلف حملها على كفر دون كفر، لأن حملها على الكفر المخرج من الملة غير صحيح. لأن فيها: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فيها «من» هنا للعموم، كل من لم يحكم بما أنزل الله، فلذا فهي تقتضي العموم لكل من ولي مسؤولية على أحد، حتى أب الأسرة. أنا الأب إذا لم يحكم بما أنزل الله في أسرته فهو داخل في هذه الآية. بل أن هذه الآية تدل حتى على الفرد، أن من لم يحكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في نفسه فهو يعتبر كافرًا على قولهم. لهذا السلف قالوا: أن هذه الآية ليس المراد بها هذا، وإنما هي كفر دون كفر، الذي يحكم بغير ما أنزل الله في نفسه، أو كذلك في من كان متوليا عليه، فإنه لا يكون كافرًا مادام أنه مسلم، لكن هذه صفة الكفار، صفة الكفار في أقضيتهم وفي حكمهم، وهم يحكمون على الناس وعلى أنفسهم أيضًا بما... بما... بما يخالف شرع الله عز وجل. لهذا بدلوا، اليهود بدلوا الرجم بالتحميم، بدلوا الرجم بالتحميم، كما قد ذكرنا قبل. فلذا فالآية لا تسعفهم في الاستدلال بها على كفر الحكام فقط، لأن الآية ما نزلت في الحكام، نزلت في كل من كانت له ولاية، نزلت في كل من كان له ولاية. فلذا فمن عمم هذه الآية فهي... معنى يحكم على كل من كان له ولاية ولم يحكم بما أنزل الله فيها فهو يعتبر كافرًا، حتى كما قلنا مسؤول أسرة، مسؤول مثلا الشركة، مسؤول مثلا غيرها من هذه الولايات التي تولى عليها الناس. فلذا فاستدلالهم بمثل هذه الأشياء لا تفيدهم شيئا. وهذه المسألة قد حسمها أهل العلم من المتقدمين من السلف رحمهم الله، على أن الأعمال الظاهرة لا تفيد كفرًا، لا تفيد كفرًا، وإنما إذا قرن فيها شيء من الاستحلال القلبي أو الاستحلال القولي، فهذا يعتبر ردة أو كفرًا. فهذا الرجل الآن ارتد بأنه عقد على امرأة أبيه، عقد على امرأة، فالعقد هذا تحليل، العقد هذا تحليل، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره أيضا من أئمة الإسلام، أيضا ابن قيم، بل حتى الإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن هذا، من عقد على امرأة أبيه، قال: هذا يقتل ويؤخذ ماله. لماذا يأخذ ماله؟ لأنه مرتد، وإلا لو لم يكن مرتدا لما أخذ ماله. ولهذا في هذا الحديث قال البراء: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه». وجاء في رواية: «تزوج امرأة أبيه». في رواية الربيع بن ركين من طريق شعبة بن الحجاج عن الربيع عن عدي بن ثابت عن البراء قال: «تزوج امرأة أبيه، فأن أضرب عنقه وآخذ ماله». وفي رواية خالد بن بسار: «وخمس ماله». أنا جعله كالخمس. قال الترمذي: وهذا حديث حسن، وهو كما قلنا حديث صحيح. قال: وقال الجوزجاني: عم البراء اسمه الحارث بن عمر. وجاء في بعض روايات أنه خاله، أبو بردة بن نيار خال البراء، وفي رواية أنه لقي عمه، عمه هو الحارث بن عمر كما قال الجوزجاني. قال: في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من وقع على ذات محرم فاقتلوه». وهذا الحديث لا يصح، وهو أيضا كما ذكرنا من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، وداود... وداود روايته، روايته عن عكرمة مضطربة. قال: ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها، فقال: احبسوه، وسلوا منها... هنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسألوا عبدالله بن مطرف، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف». وهذا الحديث جاء من طريق رفدة بن قطاعة وهو ضعيف، وأيضا كذلك الظاهر أنه خلط في الحديث، لا يعرف أحد من الصحابة بهذا الاسم عبدالله بن مطرف. ولهذا بعضهم قال: لعله من التابعين، ولا تثبت الصحبة بمثل هذا. فجاء من طريق ضعيفة، إسناده ضعيف، وجد على ذلك أن عبدالله بن مطرف هذا لم يسمع به، أنا لم يذكره العلماء من الصحابة، وإنما ذكر في هذا الحديث، وبعضهم قال: لعله من التابعين، فالحديث لا يصح. قال: فيه دليل على القتل بالتوسيط، وهذا دليل مستقل في المسألة. طيب، علينا نكتفي بهذا إن شاء الله، نكون في درس قادم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر