الدرس في كتاب الصيام 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل فضل شهر رمضان وأهمية الصيام، حيث يُشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن فتح أبواب السماء وغلق أبواب جهنم في رمضان. يُظهر أن رمضان شهر مميز بكثرة الطاعات والقربات.
يناقش هذا الفصل وجوب صوم رمضان برؤية الهلال وإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا إذا لم ير الهلال، وكذلك الفطر يكون برؤية هلال شوال أو إكمال رمضان ثلاثين يومًا.
يركز هذا الفصل على أهمية الرؤية البصرية في تحديد بداية شهر رمضان، ويحذر من الاعتماد على الحساب الفلكي، ويشرح الأحاديث النبوية التي تؤكد على صيام رمضان بناءً على رؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.
تم اختتام الدرس بنهاية مناسبة مع الدعاء والشكر، حيث ختم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه وسلم.
يُصرّح إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الصيام من اللؤلؤي والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الباهي بن عمر بن مرعي العدلي القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، بين أيدينا كتاب الصيام من كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. قوله رحمه الله تعالى: كتاب الصيام، كما تقدم معنا وتكرر في دروس سابقة، أي هذا مكتوب في أحكام الصيام، فكتاب فعال بمعنى مفعول، مثل ما مر معنا: لباس بمعنى ملبوس، وكساء بمعنى مكسوب، وهكذا كتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الصيام. وكما مر معنى كذلك أن الكتاب في اللغة ما خط على القرطاس لحفظه، وهو في اصطلاح أهل العلم مجموعة متشابهة من أبواب وفصول في العلم. وقوله: الصيام، معنى الصيام لغة مأخوذ من الإمساك والسكوت المخصوص، وأما في الاستعمال الشرعي فهو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. وبعضهم يزيد: وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. ومعنى قولهم: التعبد لله، أي أنها عبادة من العبادات، فهو ركن من أركان الإسلام الخمسة، وبالتعبد يتحقق أداء هذه العبادة على أكمل وجوهها. وكما مر معنا قريبًا يتحقق التعبد بثلاثة أمور: ما هي؟ النية، الاحتساب، ثالثًا موافقة الشرع. طيب، موافقة الشرع في هذه العبادة مع النية واحتساب الأجر في كل جزئية من هذه العبادة. قال رحمه الله تعالى: باب فضل شهر رمضان. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين». قوله: باب فضل شهر رمضان، الباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد به هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل في معرفة فضل شهر رمضان. ولشهر رمضان فضائل كثيرة، وقد اقتصر المؤلف رحمه الله على حديث واحد، لأن هذا الحديث مما اتفق عليه الشيخان، وثانيًا كذلك لأنه يريد الاختصار، لو ذكر كل حديث في كل باب لكبر الكتاب. ولكن من قاعدته أنه إذا ذكر الحديث يحاول قدر المستطاع أن لا يكرره إلا فيما لا بد منه. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه فيه من المسائل عدة، أهمها فضل شهر رمضان. فمن فضائل شهر رمضان أنه فيه تفتح أبواب السماء، وفي رواية: تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب جهنم. فعلى رواية تفتح أبواب السماء، أي تفتح أبواب الدعاء، فأسباب الدعاء وقبوله تفتح في رمضان ما لا تفتح في غيره. وعلى رواية تفتح أو فتحت أبواب الجنان، أي أسباب الوصول إلى الجنة تكثر في شهر رمضان، فشهر رمضان شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن والصدقة وغير ذلك من أعمال البر. ويعين الله عز وجل العباد فيه ما لا يجدونه في غيره من أشهر العام، وهذا مجرب. ولهذا ترون الناس في شهر رمضان يقبلون على الطاعات والقربات ما لا يجدون من النشاط في غير شهر رمضان، وهذا إعانة من الله سبحانه وتعالى. وهذا معنى من معاني تفتح أبواب السماء وأبواب الجنة. وقوله: «فتحت»، القاعدة عند أهل العربية: زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، فإذا قال: «فتحت»، معناه أن جنس الفتح يتكرر وكثير، فيدل على الكثرة والتكرار. ومعناه أنه في كل يوم يتجدد أسباب دخول الجنة وقبول الدعاء، وفي كل يوم أسباب دخول الجنة وقبول الدعاء كثيرة. فتجد الناس في اليوم الواحد لهم أعمال كثيرة مما يوصل إلى جنة الله ومما يكون به قبول الدعاء. هل تجدون في الناس نشاطًا لقراءة القرآن والصيام والصدقة والقيام في يوم واحد ما لا يكون في رمضان؟ لا. ربما تسأل بعض الناس: متى آخر مرة صمت؟ يقول: رمضان الماضي، لكن في رمضان اسأله: أأنت صائم؟ نعم، صائم، قبله صائم؟ نعم، صائم، غدًا ستصوم؟ نعم، ما في مفر من هذا. فأسباب الرحمة متكررة كل يوم، وأسباب قبول الدعاء، الصيام من أسباب قبول الدعاء، أليس كذلك؟ نعم، فكذلك وهكذا كذلك قراءة القرآن. ربما تسأل بعض الناس: متى آخر مرة قرأت القرآن؟ يقول: قبل شهر، قبل شهرين، لا أذكر، لكن في رمضان في الغالب تقول للمسلم: قرأت القرآن؟ نعم، قرأت اليوم، أمس قرأت؟ نعم، قرأت، وغدًا ستقرأ؟ سيقول بلا شك: غدًا سأقرأ. وهذا تجده في رمضان ولا تجده في غير رمضان. صلاة الليل ربما تقول لواحد: صليت الليل أمس؟ يقول: ما صليت، ما أذكر أني صليت الليل إلا في رمضان. وهكذا كذلك قربات كثيرة، بينما في رمضان: صليت الليل؟ قل: نعم، حمدًا لله، أمس صليت؟ نعم، غدًا ستصلي؟ نعم، وهكذا. وغلقت أبواب جهنم، يعني وفي رواية: أبواب النار، أي الأبواب التي توصل إلى النار، إلى جهنم. وفي هذا دليل أن أبواب النار كثيرة، فقوله: «غلقت»، تفيد كثرة أبواب النار، وهذا فيه تخويف وتحذير من أن يستدرج الشيطان الإنسان إلى هذه الأبواب. وتغلق معناه: كل يوم يسر الله عز وجل للعبد ما يغلق عليه أبواب النار، نعم، أبواب النار بالصيام وغيره من الطاعات. وهكذا كذلك كثيرة أبواب إغلاق طريق النار وجهنم على الإنسان في رمضان. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وهذا من فضائل الصوم الذي لم يذكر في هذا الحديث: الصوم جنة»، معنى جنة: أي وقاية وحماية. فمن فضائل ومزايا الصيام أنه جنة ووقاية وحماية لهذا الإنسان. فلذلك اليوم الذي يصوم فيه الإنسان يجد من الخشية والتقوى والخوف والرغبة والرهبة ما لا يجد في اليوم الذي لا يكون صائمًا. حتى إذا كان إنسان مدمن على شيء فيه معصية، يستحي الذي يمنعه من وقوعه في المعصية الصيام. إنسان مدمن النظر إلى الصور المحرمة، إذا كان صائمًا يستحي من الله، يقول: ما تستحي تريد تنظر إلى الصور المحرمة وأنت صائم؟ إذن ما الذي أغلق عليه الصيام؟ أغلق عليه باب جهنم. وهكذا كذلك آخر يشرب الدخان، فإذا كان صائمًا صار الصيام منعه من شرب الدخان، أغلق عليه باب آخر من أبواب جهنم. وثالث كان فوضويًا يذهب إلى السوق ويعبث وإلى آخره، فيتذكر أنه صائم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان صوم يوم أحدكم ولا يرفث ولا يفسق ولا يسخب»، فيكون الصوم حاجزًا. وهكذا قل في قراءة القرآن، وفي غيره من أبواب البر التي تغلق أبواب الشر. وسلسلت الشياطين، جاء في رواية خارج الصحيح يحسنها بعض أهل العلم أن المراد بها مردة الشياطين، يعني كبار الشياطين تسلسل، أي تغلغل، فلا يكون تسلطهم كغيره من أيام العام. وأما صغار الشياطين فموجودون، ولهذا الشر في رمضان يقل عن الشر في غير رمضان، وهذا ملاحظ، وهذا من فضائل هذا الشهر. وهكذا كذلك هناك فضائل أخرى كثيرة، من هذه الفضائل ما مر معنا أن الصوم جنة، أي وقاية. وكذلك الصوم جالب للتقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وهكذا كذلك الصوم سبب لرفع الدرجات، لأنه من الأعمال الصالحة، وغير ذلك من المعاني الأخرى. قال رحمه الله تعالى: باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال، وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يومًا. قوله: باب وجوب الصوم، أي هذا مدخل لمعرفة هذا الحكم، وهو أن دخول رمضان يكون بالهلال لا بالحساب أو إكمال عدة الشهر ثلاثين يومًا، أي شهر شعبان. فهناك أمران لا ثالث لهما: إما أن يرى هلال رمضان فيصوم الناس، وإما أن لا يرى فيكمل الناس شهر شعبان ثلاثين يومًا، هكذا دلت الأدلة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك الخروج من شهر رمضان يكون بأحد أمرين: إما أن يرى هلال شوال، وإما أن يكمل إذا لم يرى هلال شوال، يكمل الشهر ثلاثين يومًا. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له». قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، يعني ثلاثين، ثم قال: «وهكذا وهكذا وهكذا»، يعني تسعًا وعشرين. يقول: مرة ثلاثين، مرة تسعًا وعشرين، تسعًا وعشرين. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا»، يعني مرة تسعًا وعشرين ومرة ثلاثين. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». هذه الأحاديث أوردها رحمه الله تعالى في هذا الباب ليستدل بها رحمه الله تعالى على هذا المعنى الذي سبقت الإشارة إليه. ففي الحديث الأول، حديث ابن عمر، قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه»، يعني تروا ماذا؟ الهلال. فالصيام والإفطار في شهر رمضان، أي ابتداء الشهر وانتهاء الشهر، يكون بالهلال. فإذا لم ير الهلال فإنه يكمل عدة الشهر ثلاثين يومًا. قوله: «فإن غم»، أي تغطى الهلال بالغمام، وهو السحاب عليكم، فقدروا أو فقدروا له. ومعنى فقدروا له: يعني على الصحيح من أقوال أهل العلم، ليس معناه أن يفطر قَبْل ثلاثين، ولكن معناه أن يتم الصيام إلى ثلاثين، لأنه مفسر بالأحاديث التي جاءت بعده. فالسنة تفسر بعضها بعضًا، وتوضح كذلك بعضها بعضًا. فقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر الآتي: «الشهر هكذا وهكذا»، ومعنى هكذا وهكذا: أي أشار بكفيه ثلاث مرات، والأصابع مفتوحة: هكذا، هكذا، هكذا. الأولى: هكذا عشر، والثانية: هكذا عشر، والثالثة: هكذا كم عشر؟ كمل الثلاثين. ثم عملها مرة أخرى ثلاث مرات، في الثالثة أغلق إصبعًا، فصارت كم؟ تسعًا، يعني تسعًا وعشرين. ويريد أن يبين عليه الصلاة والسلام بالقول وبالفعل، بالسماع وبالرؤية، وهذا من تأكيد التعليم وإيصال هذا العلم. أن الشهر يأتي إما تسعًا وعشرين، وإما ثلاثين، هذه هي الأشهر الهجرية في الإسلام: إما تسعًا وعشرين، وإما ثلاثين. فإن رؤية الهلال في تسعٍ وعشرين معناه أن الشهر انتهى، واليوم الذي بعده هو شهر جديد. وإذا لم ير الهلال فمعناه أنه يكمل الشهر: كم؟ ثلاثين. فليس عندنا شيء ثالث. وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الثالث: «إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا»، قوله: «إن أمة أمية»، ليس معناه ذم التعليم وامتداح عدم التعليم، كما فهمه بعض الناس، ويريد أن يطعن في دين الإسلام. ولكن معناه أننا لا نستخدم الحساب ولا التعليم الذي هو بمعنى الأرقام في معرفة خروج الشهر ودخوله. وكانت هذه الطريقة يستخدمها بعض الكافرين من أهل الفرس وغيرهم: يدخل الشهر عندهم بالحساب، ويخرج بالحساب. وأما أهل الإسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم قرر لهم هذا المعنى: أنه لا يدخل الشهر بالحساب، ولا يخرج بالحساب، وإنما بالرؤية، أي بالمشاهدة، أو بإكمال عدة الشهر ثلاثين. وفي هذا رد على أهل الحساب والفلك. وذلك أولًا: لأن الإسلام أقر هذا من جهة قاعدة لأهل الإسلام في باب الحساب: أنه لا يقبل الحساب والفلك في باب الصيام، ولا دخول الشهر وخروجه. لماذا؟ أولًا: لأن أهل الحساب يختلفون، ولذلك تجد حتى الذين يسيرون على الحساب يختلفون في بعض السنين وبعض الأشهر في الدخول وخروج الشهر. وهذا شيء معلوم عند أهل الخبرة والمعرفة بهذا الباب. لأن الهلال له منازل ينزل فيها، وفي آخر منزل ينزل فيه تارة يكون نزوله نهارًا، وتارة يكون نزوله ليلًا. وعندما يكون نزوله في آخر الوقت يختلفون: هل يلحقونه باليوم السابق أو اليوم اللاحق؟ وهذه مسألة خلافية عند أهل الفلك، وعرضوا هذا الخلاف يختلفون في الحساب. وهكذا هناك تفاصيل أخرى كثيرة تجعل أهل الحساب يختلفون. فإذا كان كذلك، إذن هذا معناه أننا نفتح باب الخلاف، فسدًا لباب الخلاف، فإنه أغلق هذا الباب. والأمر الآخر: أهل الحساب الفلكي قد يخطئون، صاحب الحساب الفلكي قد يخطئ. وهذا كذلك يفتح باب آخر من باب الخلاف. لكن الرؤية في الغالب لا تخطئ، لأنها تنبني على الحس والمشاهدة. وما انبنى على الحس والمشاهدة فهو من العلم اليقيني. وهكذا كذلك إكمال عدة الشهر بثلاثين: هذا مما ينبنى بالحس والمشاهدة. ومن بنى على الحس والمشاهدة فهو من العلم اليقيني. أما العلم بالحساب فهو علم ظني. وعند العقلاء ومن يدعي علم الفلسفة: يقدم العلم اليقيني أو العلم الظني اليقيني على الظني. فكيف إذا جاء الشرع فأكد هذا الباب؟ فأثبت الشرع تقديم هذا الباب على الحساب. فهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث والذي قبله يفسران معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فاقدروا له»، فمعنى فاقدروا له: أي أكمل تمام الشهر ثلاثين. وهكذا كذلك قوله: «لا نكتب ولا نحسب»، كما تقدم المعنى: أننا نأخذ على اليقين الذي ينبني على الحس والمشاهدة والأمور الظاهرة، لا على الظنون. وفي حديث أبي هريرة الأخير: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». هذه الأحاديث أوردها رحمه الله تعالى في هذا الباب ليستدل بها رحمه الله تعالى على هذا المعنى الذي سبقت الإشارة إليه. قوله: «فإن غبي»، قالوا: من الغبار، وقالوا: من التغطية، والثاني أشمل وأصح. فيكون معناه: إن غبي، فغطي عليكم رؤية الهلال بأي سبب كان: غيم، غبار، ضباب، أو أي سبب آخر. فإنه يكمل عدة الشهر ثلاثين. وهذا كذلك ثالثًا يفسر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن غم عليكم فقدروا له»، أي فيؤكد معناه: أتم الصيام بثلاثين. هذا هو معنى الحديث. قال رحمه الله تعالى: باب لا تقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتقدم أن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصم ذلك اليوم». وهذا الحديث كذلك والباب فيه النهي عن تقدم صيام رمضان بيوم أو يومين، وذلك لثلاثة أمور. أولها: أن يغلق على الناس باب الوسوسة والشك، حتى لا يسير الإنسان على قاعدة الوسوسة والشك فيصوم قبل شهر رمضان بيوم أو يومين خشية أن يفوته اليقين المزعوم في يوم الشك. وثانيًا: لأن فيه كذلك التشريع للناس بما لم يشرعه الله، ولا يجوز أن يتعبد الإنسان بشيء إلا بشيء أذن الله فيه. فإن الناس إذا فعلوا هذا ظنوا أن هذا هو الأفضل والأكمل والأقرب عند الله، وليس كذلك. وهذا من التشريع في دين الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى نهى عن ذلك، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. فلا يجوز أن تشرع في دين الله إلا بما أذن الله سبحانه وتعالى. وثالثًا: أن فيه الإشقاق على الناس، فبدل من أن يصوم الناس ثلاثين يومًا أو تسعًا وعشرين يومًا، يصير الناس يصومون: كم؟ اثنين وثلاثين يومًا، أو واحدًا وثلاثين يومًا. من الذي قال لكم تصوموا هذا؟ ما أحد، هل بكتاب الله؟ لا، هل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا. وهذا لا شك أنه خطأ. والصحيح من أقوال أهل العلم أن النهي هنا للكراهة. وأما صيام يوم الشك فإنه للتحريم لحديث عمار خارج الصحيحين بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما قال عمار-: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم»، معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم صيام يوم الشك. ويوم الشك هو اليوم الذي قبل يوم الصيام، فأفاد هذا الحديث أن أحد هذين اليومين محرم، والذي قبل يوم الشك مكروه. قال رحمه الله تعالى: باب الشهر يكون تسعًا وعشرين. قال: حديث أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهرًا، فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا عليهن أو راح. فقيل له: يا نبي الله، حلفت أن لا تدخل عليهن شهرًا، قال: «إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا». أفاد هذا الباب والحديث تأكيد ما تقدم: بأن الشهر يأتي إما تسعًا وعشرين متى؟ إذا رؤي الهلال، أو ثلاثين إذا لم ير الهلال. ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلف أن لا يدخل على أهله، دخل عليهن بعد تسعٍ وعشرين يومًا. فأرادوا أن يذكروه أنه لم يكمل ثلاثين، فأخبرهم أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، ويكون ثلاثين. وهذا فيه تأكيد ما سبق. وفيه فائدة أخرى: وهي أن من نذر أو حلف على شيء لشهر، فإنه لا يلزمه أن يكمل ثلاثين، يكفي تسعًا وعشرين. وكذلك إذا أراد الإنسان أن يصوم صيام الكفارة شهرين متتابعين، فيجزئ أن يصوم أحدهما تسعًا وعشرين، والثاني ثلاثين، هذا هو الأحوط والأكمل في هذا. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرًا، شكرًا.