أسرار وحكم رمضان والصيام 1

أسرار وحكم رمضان والصيام 1

الدرس في أسرار وحكم رمضان والصيام 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكمة تشريع الصيام وتحقيق التقوى

يُبيّن المقطع أن الصيام شُرع وسيلةً لتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، كما أنه محطة تزود روحية لعام كامل برحمة الله لا مشقة دائمة. وتُبرز الحكمة في قصر الفريضة على شهر واحد لتيسير العبادة على الأمة.

رحمة الله في تخفيف الصيام ورخصه

يتجلى رحمة الله بجعل الصيام جزءاً من اليوم وبالتدرج في تشريعه، مع رخص للمريض والمسافر والحامل والمرضع والكبير، وسنة تعجيل الفطر وتأخير السحور، والعفو عن الناسي. كل ذلك يهدف للتخفيف والتيسير على المكلفين.

كرم الله في رمضان وفضائل العبادات

يُظهر المقطع كرم الله بفتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار وتصفيد الشياطين، واختصاص أجر الصيام بلا حد، ومغفرة الذنوب للصائمين والقائمين، ومضاعفة الأجور كعمرة رمضان وحجة، وصدقة الفطر، وصلاة التراويح التي تعدل قيام ليلة.

خاتمة الدرس ووعد بمواصلة الحكم

يؤكد المتحدث أن ما ذُكر يدل على رحمة الله وكرمه، مشيراً إلى كثرة الحكم والأسرار التي لا تُحصى، ويختتم المجلس بالاكتفاء بما ذُكر مع الوعد بذكر حكم أخرى في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: ففي هذا الوقت، بعد صلاة العصر، من أول يوم هذا الشهر المبارك، أحببنا أن نتدارس وإياكم أمراً من الأمور التي نحتاجها في هذا الشهر المبارك، فأحببت أن أتكلم عن أسرار وحكم رمضان والصيام. فلا شك أن الصيام ورمضان فيهما من الأسرار والحكم الكثير، لأن الله عز وجل جعل صيام هذا الشهر ركناً من أركان الإسلام ومبانيه العظام، وشرعه الله عز وجل -أي الصيام- على جميع الأمم، ولم يخصنا به كما هو شأن في بعض الأحكام، فدل ذلك إخواني في الله على أن الصيام ورمضان لهما من الفوائد الكثيرة والأسرار المكنونة والحكم الفريدة، التي إذا علمها المسلم تزيد في إيمانه، وهكذا تكون سبباً في تثبيت يقينه. فالنظر والتأمل في مثل هذه الأسرار والحكم من باب قول الله عز وجل: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فلما يغوص المسلم في حكم وأسرار الأحكام الشرعية يعلم أنها من حكيم عليم، وأن الله عز وجل ما شرع لنا حكماً من الأحكام إلا وفيه خير لنا، وفيه مصلحتنا. فإلى ذكر بعض تلك الأسرار والحكم التي استنبطها العلماء واستخرجوها: فمن أول تلك الأسرار والحكم أن الصيام وسيلة إلى تقوى الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن الصائم يمتثل أمر الله ويجتنب ما نهى الله عنه، وهذه هي حقيقة التقوى: التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، ولا تكون تلك الوقاية إلا بامتثال أمر الله واجتناب نهيه. فالصائم تتحقق فيه هذه المعاني: أمر الصائم بالإمساك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فامتثل أمر الله، فهذا من تقوى الله عز وجل. وكذلك الصائم اجتنب ما حرم الله عز وجل عليه، فقد حرم الله عليه أثناء صيامه الأكل والشرب والجماع وغيرها من المفطرات، مع أنها قبل إمساكه مباحة له، ومع هذا أثناء الصيام لربما قرب إليه ألذ وأشهى الطعام فلم يأخذ شيئاً من هذا الطعام طاعة لله سبحانه وتعالى، فلا شك أن هذا من تقوى الله سبحانه وتعالى. وهكذا الصائم يحفظ جوارحه من كل ما يخدش صومه، وهذا أيضاً من تقوى الله سبحانه وتعالى. وقد بيّن الله عز وجل هذه الحكمة في كتابه الكريم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فيا أخي المسلم، إذا امتنعت عن أمر أباحه الله لك عند إفطارك، فحري بك أن تمتنع عما نهاك الله عنه في كل وقت وحين، فالصيام مدرسة لاكتساب التقوى، فيداوم المسلم على امتثال أوامر الله وعلى اجتناب نواهيه، فهي مدرسة عظيمة لتحقيق هذه الغاية الكريمة العظيمة، ألا وهي تقوى الله سبحانه وتعالى. وهكذا من تلك الأسرار والحكم في الصيام ورمضان: أن في الصيام ورمضان تتجلى لنا رحمة الله عز وجل لعباده المؤمنين، ويتضح ذلك من عدة وجوه: الوجه الأول: أن الله عز وجل جعل الصيام أياماً معدودات، ولم يفرضه أكثر من شهر، ولم يفرضه دائماً وأبداً طيلة العام، وإنما فرضه الله عز وجل شهراً واحداً من بين اثني عشر شهراً، لتعلم أخي المسلم أن الحكمة من هذا الصيام ليس الجوع والعطش، وليس العسر على العباد، وإنما هي رحمة من الله عز وجل رحم الله عز وجل بها عباده ليتزودوا في هذا الشهر لطيلة عامهم، فهي كالمحطة التي يقف فيها المسافر فيتزود لسفره بالطعام والشراب والراحة والوقود ونحو ذلك حتى يستمر في سفره إلى الموضع الذي يقصده. فكذلك هذا الشهر المبارك فهو محطة لذلك السفر الطويل، سفر الآخرة، يتزود فيه المسلم لما سيلقاه في عامه وفي سيره إلى الله سبحانه وتعالى، فهو رحمة من الله إذ شرعه شهراً واحداً، فهذا أمر تتجلى لنا به رحمة الله عز وجل بعباده المؤمنين. وأيضاً الوجه الآخر الذي به تتجلى لنا رحمة الله: أن جعله جزءاً من يوم، جعل الله عز وجل الصيام جزءاً من يوم، ولم يفرضه يوماً كاملاً ليله بنهاره، بل جاء عنه عليه الصلاة والسلام النهي عن الوصال في الصيام، وهذا من رحمة الله عز وجل بنا معاشر المؤمنين، ما جعلك تمسك يوماً كاملاً من طلوع فجره إلى طلوع فجره في اليوم الآخر أبداً، وإنما جعله جزءاً من يوم، لربما يكون نصف يوم أو أقل على حسب طول وقصر الأيام، وهذا من رحمة الله عز وجل بنا معاشر المسلمين. وهكذا يتجلى لنا ويتضح هذا الأمر، ألا وهو رحمة الله بنا في تخفيف الصيام على مراحل في بداية التشريع: فأول ما فرض الصيام، من شاء صام ومن شاء أفطر وأفدى، فالأمر في ذلك على الاختيار حتى يألف المؤمنون في أول الأمر هذه العبادة، وهذا من حكم التشريع فيما يأمر وفيما ينهى، كما تدرج في غيرها من الأحكام، وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده. وهكذا من الوجوه التي بها تتجلى لنا أو تتجلى لنا رحمة الله بعباده في هذه الفريضة: الرخصة، الرخصة لمن لم يستطع الصيام إما بالإفطار ثم القضاء في أيام أخر، وإما بالإطعام لمن لم يستطع الصيام مطلقاً. فرخص للمريض الذي يرجى برؤه، وللمسافر، وللمرأة إذا خافت على نفسها أو على جنينها إن كانت حاملة، أو على ولدها إن كانت مرضعة، أن يفطر ثم يقضوا ما أفطر من أيام، ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وهكذا المريض الذي لا يرجى برؤه، أو الكبير الذي لا يقوى على الصيام، رخص له في الإفطار ثم الإطعام عن كل يوم مسكين. كل ذلك تخفيفاً وتيسيراً على هذه الأمة، وما جعل الله عليها من حرج، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وكل ذلك من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا. وهكذا من هذه الوجوه التي بها تتجلى لنا رحمة الله عز وجل: تعجيل الفطر وتأخير السحور. فكما تعلمون ما جاء في حديث سهل بن سعد الساعدي في الصحيحين: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». قال العلماء: والحكمة في تعجيل الفطر التيسير والرحمة بالصائم، إذ أنه بحاجة إلى أن يسد حاجته في أول وقت دخول الإفطار، لعله يكون جائعاً أو عطشاناً، فشرع له وسن التعجيل في الإفطار. وهكذا التأخير في السحور، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس عن زيد بن ثابت قال: «تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة»، فقال أنس لزيد بن ثابت: كم كان بين الأذان -أو بين سحوركم والأذان-؟ فقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: قدر خمسين آية، خمسين آية مثلًا نحو سورة إبراهيم تبلغ تقريباً اثنين وخمسين آية وثلاثة وخمسين آية، كم تقرأ هذه السورة من وقت؟ ربما عشر دقائق أو نحوها، فوقت يسير بين سحوره عليه الصلاة والسلام وبين دخول وقت الإمساك. قال العلماء: والحكمة من تأخير السحور حتى يتقوى الصائم في نهاره، فإن من الحكم في السحور أن يتقوى الصائم في نهاره على العبادة وعلى الطاعة ولا يضعف، فهذا أيضاً من الحكم. وهكذا من رحمة الله عز وجل بنا في هذه العبادة -الصيام-: أن من نسي فأكل أو شرب فصومه صحيح، مع أنه أتى بناقض من نواقض الصيام، بمفطر من مفطرات الصيام، لكن لما كان وقع منه على وجه النسيان لا على وجه العمد، عفي عن ذلك رحمة من الله عز وجل. فكل هذه المعاني تبين لنا سراً وحكمة من أسرار وحكم الصيام، وهو أن في الصيام تتجلى لنا رحمة الله سبحانه وتعالى. وهكذا من أسرار وحكم الصيام: أن في رمضان يتجلى لنا كرم الله سبحانه وتعالى الكريم الرحيم، ويتضح ذلك بعدة أمور: الأمر الأول: أن هذا الشهر فيه تفتح أبواب الجنة، فتتيسر أو يتيسر عمل الطاعة، ولذلك تجد إقبالاً عظيماً من المسلمين في هذا الشهر على الطاعة ونشاطاً ورغبة في الخير. وهكذا يتجلى لنا كرم الله عز وجل في هذا الشهر: أن فيه تغلق أبواب النار، فتتعسر أو فيتعسر عمل المعصية، فتجد المسلم يعظم هذا الشهر فلا يتجرأ على اقتحام المعاصي والذنوب. ومن هذه الوجوه: أن في هذا الشهر تصفد الشياطين فيقل الشر. وأيضاً من تلك الأمور التي تتجلى لنا بها كرم الله: اختصاص الله بأجر الصائم، في قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به». وهذا من كرم الله عز وجل أنه لم يجعل لأجر الصيام حداً ومقداراً، بل جعل ذلك إليه سبحانه وتعالى. وهكذا مما يتجلى لنا به كرم الله في هذا الشهر: أن من صام هذا الشهر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام هذا الشهر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، بل من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. لو أدركت ليلة القدر فقمتها إيماناً واحتساباً لله ليلة واحدة، غفر لك ما تقدم من ذنبك. ليس هذا يدل على كرم الله عز وجل بعباده في هذا الشهر المبارك؟ بل لو خرج هذا الشهر تسعة وعشرين يوماً، فإنك تنال أجر صيام ثلاثين يوماً، فلا ينقص هذا الشهر في الأجر وإن نقص في العدد، بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «شهر عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة». هذا من رحمة الله عز وجل بنا. وهكذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا في هذا الشهر -هذا الشهر-: أن من صلى مع الإمام صلاة التراويح، وهذه الصلاة في جماعة خاصة بهذا الشهر، لا تشرع في غيره من شهور السنة، ولا تصلى هذه الصلاة جماعة شهراً كاملاً في غير شهر رمضان، فإذا صليت شهراً كاملاً في غير شهر رمضان عد ذلك من البدع، وإنما لا بأس أن تصلى أحياناً كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم في غير هذا الشهر ببعض الصحابة كابن عباس وغيره. فإذا من رحمة الله عز وجل بنا في هذا الشهر: أنك إذا صليت مع الإمام حتى ينصرف من صلاته، أي حتى ينتهي ويسلم التسليمة الأخيرة من الصلاة، فلك قيام ليلة، كما جاء في حديث أبي الدرداء عند أحمد: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة». سبحان الله، انظر: ربما تصلي هذه الصلاة ساعة أو أقل من ساعة، ربما بعض المساجد نصف ساعة أو ساعة وربع، فتنال بها هذا الأجر العظيم. هذا من رحمة الله عز وجل بنا في هذا الشهر المبارك. كذلك من رحمة الله عز وجل بعباده في هذا الشهر: أنه ضاعف الأجور والحسنات، وهذا من رحمة الله ومن كرم الله عز وجل بعباده. فعلى سبيل المثال: العمرة في رمضان ليست كغيرها في من أشهر السنة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن عمرة في رمضان تعدل حجة»، وفي لفظ خارج الصحيح: «تعدل حجة معي» أي مع النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لو اعتمرت في غير رمضان ما تنال هذا الأجر، وهذا من كرم الله عز وجل لنا في هذا الشهر المبارك. كذلك الصدقة في هذا الشهر يتضاعف أجرها، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، لماذا؟ لأن الصدقة تضاعف في هذا الشهر. ولذلك جاء في حديث زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من فطر صائماً كان له مثل أجر الصائم، لا ينقص من أجره شيئاً». يجد المفطر للصائم مثل أجر الصائم، وتعلمون أجر الصيام. فهذا كذلك يدل على رحمة الله وكرم الله عز وجل لعباده. وكم سنذكر من مثل هذه الحكم وهذه الأسرار التي من غاص فيها وتتبع أقوال العلماء فيها لا يخرج بعدد كثير من تلك الأسرار والحكم. ففي هذا المجلس نكتفي بذلك، ونذكر حكماً أخرى إن شاء الله تعالى في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.