أسرار وحكم رمضان والصيام 3

أسرار وحكم رمضان والصيام 3

الدرس في أسرار وحكم رمضان والصيام 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

رحمة النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الصيام والوصال

استعرض المقطع شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته بنهيه عن الوصال في الصيام وبيان أن الله يطعمه ويسقيه، وإفطاره في سفر فتح مكة عند الكديد ليرفع المشقة عن الناس، وتأكيده أن الصيام في السفر مع المشقة الشديدة ليس من البر بل الواجب الإفطار.

شفقة النبي في صلاة التراويح وارتباط رمضان بالقرآن

أبرز المقطع رحمة النبي بترك صلاة التراويح جماعة خشية فرضيتها وتخفيفه في السنن، كما أوضح الرابط الوثيق بين رمضان والقرآن من حيث النزول والمدارسة مع جبريل والقيام بتلاوته.

تعزيز الصلة بالقرآن تدبراً وعملاً في رمضان

أكد المقطع وجوب ازدياد صلة المسلم بالقرآن قراءةً وتدبراً وعملاً لكونه شفاء وهداية ونوراً يحيي القلوب ويرفع الدرجات، مبيناً أن رمضان شهر للتغيير الشامل في الإيمان والعبادة والأخلاق والعادات.

دعوة المسلم لاغتنام رمضان لتغيير النفس والمآل

حث المقطع المسلم على اغتنام فرصة رمضان حيث تتغير الأحوال لتغيير نفسه نحو الأفضل، مبيناً أن بتغيير حاله يتغير مآله بإذن الله مستغلاً تيسير الطاعات وتصفيد الشياطين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فهكذا إخواني في الله، من أسرار وحكم الصيام ورمضان: شفقته ورحمته عليه الصلاة والسلام بأمته، ولذلك أمثلة كثيرة. فإن رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشق عليه أو يعز عليه ما يشق على أمته، كما وصفه الله عز وجل بذلك في كتابه الكريم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. فتتجلى لنا شفقة ورحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته في رمضان، وفي الصيام، ولذلك أمثلة كثيرة. منها ما جاء في نهيه عليه الصلاة والسلام عن الوصال في الصيام، وأنه لا يجوز للصائم أن يمسك عن الطعام والشراب أكثر من يوم كامل. فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: يا رسول الله، إنك تواصل. يعني: كيف تنهانا عن ذلك وأنت تفعل هذا وتواصل في الصيام؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أيكم مثلي؟ أيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». والمراد بالإطعام والسقي هنا: الإطعام والسقي المعنوي، بما يفيض الله عز وجل عليه من لذة المناجاة، ومن كذلك أنس الطاعة والقربة ونحو ذلك. فقال عليه الصلاة والسلام: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوماً، واصل بهم يوماً، وكان ذلك في آخر يومين من رمضان. قال: ثم رأوا الهلال، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو تأخر لزدتكم، لو تأخر لزدتكم» كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. فالمنكل لهم: أي كالمعاقب لهم على عدم استجابتهم له وكفهم عن الوصال. فكل ذلك يدل على رحمته عليه الصلاة والسلام بهذه الأمة. بل ربما تعمد الإفطار من أجل أن يرفع المشقة عن أمته، وهذا مثال آخر. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة، أي في فتح مكة، في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، وهي بلد قريبة من مكة تبعد مرحلتين كما ذكر ذلك بعض أهل اللغة. فلما بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس رحمة بالمسلمين. أفطر عليه الصلاة والسلام، فلما رآه الناس أفطر عليه الصلاة والسلام، أفطروا اقتداء بنبيهم عليه الصلاة والسلام. فهذا أيضاً مثال ثانٍ. مثال ثالث أيضاً: رأى رجلاً عليه الصلاة والسلام قد أغمي عليه، وقد ضلل عليه، فقال: «ما شأنه؟» قالوا: إنه صائم. فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر». ليس من البر الصيام في السفر إذا كان الصوم سيشق على الصائم حتى يبلغ به هذا المبلغ من الإغماء، ومن كذلك المشقة الشديدة. فهنا الواجب عليه أن يفطر، الواجب عليه أن يفطر. وإنما يصوم المسافر إذا لم يكن هناك مشقة شديدة عليه، إذا كان الأرفق به والأيسر عليه أن يصوم. أما إذا كان السفر يشق عليه، فهنا يجب عليه أن يفطر. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ليس من البر الصيام في السفر». وهكذا من تلك الأمثلة ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، حين خرج إلى المسجد في ليلة من لياليه فصلى، فصلى أناس خلفه. فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم وخرج الناس، تحدث الناس عن ذلك. فخرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الليلة الثانية، فزاد الناس، فصلى بهم، ثم تحدث الناس. فلما كان في الليلة الثالثة، ازدحم المسجد بالناس، فصلى بهم النبي عليه الصلاة والسلام. فلما كان في الليلة الرابعة، لم يخرج عليه الصلاة والسلام. فلما سئل عن ذلك، قال: «إني خشيت أن تفرض على أمتي، أن تكون هذه الصلاة فرضاً واجباً لا يجوز للمسلم أن يتركها». فحتى يرفع المشقة عن أمته، ترك هذه العبادة مع أنه فعلها ثلاث ليال، ولكن تركها خشية الفرضية، تركها عليه الصلاة والسلام خشية الفرضية. وهكذا تركت هذه الصلاة جماعة في المسجد في عهد أبي بكر، وفي صدر من خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. فذات ليلة رأى عمر رضي الله تعالى عنه الناس يصلون أوزاعاً متفرقين، يصلي الواحد لنفسه، ويصلي بعضهم مع بعض، ولكن متفرقين في المسجد. فجمعهم عمر رضي الله تعالى عنه على إمام واحد، وهو أبي بن كعب، فاجتمع الناس عليه. فلما رأى ذلك، قال عمر رضي الله عنه: «نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل». فكل هذه الأمثلة تدلنا على شفقة ورحمة النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأمة. هذا فقط في رمضان والصيام، وإلا فالأمثلة كثيرة جداً في غيرها من أبواب هذا الدين. كم من الأحاديث جاءت: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، عند كل صلاة». وهكذا تأخير صلاة العشاء، السنة أن تؤخر، ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يفعل ذلك إلا أحياناً خشية المشقة على أمته. فذات مرة تأخر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يعني ذهب نصف الليل أو ما يقارب نصف الليل، فصل بهم، ثم قال: «إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي». يعني: أفضل وقت الصلاة، صلاة العشاء، أن تؤخر، ولكن تأخيرها لو ربما يشق على أمته، فترك ذلك التأخير رحمة وشفقة بأمته عليه الصلاة والسلام. فإذا مما نستفيده من رمضان والصيام: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرحمة والشفقة بهذه الأمة. وهكذا من أسرار وحكم الصيام ورمضان: ربط الناس بكتاب ربهم سبحانه وتعالى، وهذا من عدة وجوه. الوجه الأول: أن القرآن أنزل في رمضان، أن القرآن أنزل في رمضان، وهذه لا شك أنها علاقة وثيقة بين رمضان وبين القرآن، وبين القرآن. ففيه ربط الناس بهذا الكتاب الكريم، الكتاب العزيز الذي فيه هدايتهم، وفيه سعادتهم، وفيه عزهم، وفيه شفاؤهم، وفيه رفعتهم في الدنيا والآخرة. وهكذا من تلك الوجوه التي بها يتبين لنا ربط الناس بكتاب ربهم في هذا الشهر: أن جبريل عليه السلام كان يدارس نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم القرآن كاملاً، القرآن كاملاً في رمضان، في رمضان. وهكذا من تلك الأوجه: قيام رمضان، يتلى فيه القرآن، قيام رمضان، يتلى فيه القرآن. وهذا القيام شرع في رمضان، وفي بيوت الله سبحانه وتعالى. ولذلك كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يختمون القرآن في القيام، يختمون القرآن في القيام. لتعلم الرابط الوثيق بين رمضان وبين القرآن. فإذا ينبغي أن تزداد صلة المسلم بالقرآن في رمضان: قراءة وسماعاً وتأملاً وتدبراً وتفسيراً وحفظاً، فيزداد المسلم إيماناً. لأن هذا القرآن ذكر الله عز وجل به تحيى القلوب، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾. فهو هداية، وهو رحمة، وهو شفاء، وهو كذلك عز لمن تمسك به في الدنيا والآخرة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾. فهذا القرآن نور، من تمسك به ومن قرأه وعمل به وتدبره، نور الله سبحانه وتعالى قلبه ورفع ذكره. وهكذا من أسرار وحكم رمضان والصيام: أن رمضان يربي في النفس التكيف على التغير. أن المسلم يغير من حاله، ويغير من إيمانه، ويغير من أخلاقه، ويغير من عباداته، ومن جده واجتهاده في طاعة ربه سبحانه وتعالى. فلو تلاحظ أخي المسلم أن في هذا الشهر تتغير أمور كثيرة: الأمور الغيبية، بل والأمور الدنيوية. أما الأمور الغيبية: فإن الجنة تتغير، فتفتح أبوابها، وكانت قبل ذلك مغلقة. وهكذا النار تتغير، فتغلق أبوابها. وهكذا مردة الشياطين تتغير، فتصفد وتسلسل. وكذلك في الأمور العملية الدنيوية: فإن الوضع في رمضان يتغير عن غيره. أنت في نهار رمضان تمسك عن الطعام والشراب، أما في غيره من الأشهر فإنك لربما تتناول وجبتين في اليوم أو أكثر من ذلك، وتأكل ما شئت. لكن في هذا الشهر تمسك عن الطعام وعن الشراب، هذا تغير. كذلك حتى تغير في وقت راحتك وفي وقت نومك، فلربما تتأخر في النوم في رمضان، بينما في غيره تنام مبكراً. وهكذا في غيرها من التغيرات التي تحدث للمسلم في هذا الشهر المبارك. فإذن هذا كله يدعونا إلى أن نغير من أنفسنا، والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾. فينبغي للمسلم أن يغير من حاله، أن يغير من حاله، أن يغير من إيمانه فيزداد إيماناً، ولا يبقى في المستوى الذي كان عليه قبل رمضان من الإيمان. وهكذا يغير في عبادته لربه، فيكثر من العبادات ويكثر من الطاعات. فإن هذا الشهر كما تقدم شهر النفحات والبركات وتيسير الطاعات والعبادات، فيكثر المسلم من تلك العبادات ومن تلك الطاعات. وهكذا يغير المسلم من أخلاقه، فهذا الشهر شهر التزكية والتربية. فلذلك حث الشرع على أن يعود المسلم نفسه في هذا الشهر على جميل الأخلاق، وعلى محاسن كذلك الآداب. فلا يصخب، ولا يسب، ولا يشتم، ولا يقاطع ويهاجر، بل يبادر إلى أجمل وأكمل الأخلاق: من صلة الرحم، ومن كذلك القول الحسن، ومن البعد عن الغيبة والنميمة. يغير من حاله، لا تبقى مكانك، لا تتحرك ولا يعني شبراً واحداً. ينبغي عليك أن تستغل هذا الشهر، وأن تغير من نفسك، وأن يؤثر في قلبك هذا الشهر، يؤثر في أخلاقك، يؤثر في معاملاتك، يؤثر في كذلك لسانك، في كلامك، في جميع أحوالك، في جميع أحوالك. فكل شيء يتغير في هذا الشهر، ألا تتغير أنت أخي المسلم، وتكون بإذن الله عز وجل إلى الأفضل، إلى الأفضل، حتى يغير الله سبحانه وتعالى من حالك، ومن كذلك مآلك، بإذن الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.