الدرس في أسرار وحكم رمضان والصيام 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن من أعظم حكم الصيام تطهير القلوب من البغضاء والحسد، مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ذهاب وَحَرَ الصدر. كما يبرز فقه الصحابة في عدم الإنكار على المخالف في مسائل الاجتهاد الواسعة كصيام السفر.
يؤكد الدرس جواز الأخذ برخص الفطر في السفر والمرض لأن الله يريد اليسر لا العسر. وينهى عن تكفير أو شنعة المخطئ في الاجتهاد، مبيناً أن رمضان يربي المسلم على فقه الأولويات في الأعمال الصالحة.
يشرح المقطع أهمية تقديم العمل الذي ينفع الغير على العمل القاصر عند التزاحم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم باعتكافه في العشر الأواخر فقط. ويراعي التوازن بين الخلوة بالعبادة والقيام بالواجبات والمسؤوليات اليومية.
يختتم المتحدث بالتأكيد على الدروس والعبر المستفادة من رمضان، مكتفياً بما ذُكر ومفوضاً العلم لله تعالى. وتشير الخاتمة إلى أن الترجمة قامت بها نانسي قنقر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن أسرار وحكم الصيام ورمضان: أن الصيام ورمضان علاج للبغضاء والشحناء والحسد، وشرور وغوائل القلوب، فهو تصفية وتنقية لهذه القلوب من ذلك كله. ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صيام شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وَحَرَ الصَّدْر». والمراد بشهر الصبر: شهر رمضان. وسُمي شهر الصبر لأنه يتضمن أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله. فلذلك سُمّي بشهر الصبر. وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولا يشترط في هذه الثلاثة أن تكون متوالية، وتكون تلك الأيام البيض، وإن كان أفضل أن تُصام هذه الأيام. وإنما صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام تطوع. فإذا دل ذلك على أن صيام شهر رمضان مع شيء من صيام فِقْيَة الشهور يذهب وَحَرَ الصَّدْر، وَحَرَ الصَّدْر أي: دَغله وشروره وغوائله، ومن ذلك الحسد والحقد وشدة الغضب ونحو ذلك. فإذا كان رمضان، معاشر المسلمين، فرصة للتصفية والتنقية لهذه القلوب، فرصة للتسامح، وللتصالح مع إخوانكم المسلمين. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصيام الحقيقي له هذا الأثر العظيم، وهو ذهاب وَحَرَ الصَّدْر. وهكذا، إخواني في الله، من أسرار وحكم الصيام: أن الصيام ورمضان تربية للأمة على عدم الاختلاف فيما فيه سعة، وعلى عدم الإنكار فيما فيه مجال للاجتهاد. ودليل ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم». انظروا إلى فقه الخلاف! هذه المسألة وسع فيها الشرع؛ المسافر رخصة معه في الإفطار، إن شاء أفطر، وإن شاء أمسك. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم منهم من يفطر في حال السفر، ومنهم من يصوم، فلا يكون هناك إنكار. وقد تقدم معنا إنما يكون الإنكار على من شق عليه الصيام في السفر مشقة شديدة، كأن يُغشى عليه، أو يتعب تعباً شديداً، لربما أصبح يرتعد، وأصبح ينتفض من شدة مشقة الصيام، فهذا يجب في حقه الإفطار، كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام في حال ذلك الرجل الذي أُغمي عليه وظُلل، والصائمون: «ليس من البر الصيام في السفر». فإذن هذا يعطينا درساً عظيماً، ألا وهو: أنه في المسائل التي فيها سعة، مسائل الاختلاف، ينبغي على المسلم ألا يشدد فيها. وأيضاً دليل آخر على هذه المسألة: حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة». كان الجو حاراً، والصيام فيه مشقة، فكل الصحابة أفطروا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابي واحد فقط، وهو عبد الله بن رواحة. ما أنكر عليه أحد من الصحابة، ويحمل ذلك على أنه يتحمل الصيام رضي الله تعالى عنه مع شدة الحر لاعتياده على الصيام مثلاً، أو لقوة بدنه، أو نحو ذلك. فهل أنكر أحد من الصحابة على عبد الله بن رواحة؟ أبداً، لأن الأمر فيه سعة، طالما أنه استطاع الصيام مع شدة الحر، فله ذلك، فله ذلك. فإذا لا نضيق فيما وسع الله عز وجل فيه، فإن كان في الأمر مندوحة وسعة، فلا يجعل ذلك الأمر موطناً للموالاة أو المعاداة، أو الرمي بالميوعة، أو بالتحزب، أو نحو ذلك. وإنما يكون الإنكار في المسائل التي لا مجال للاجتهاد فيها. وليس معنى ذلك أن لا تُحقّق المسائل، وأن لا يُتحرّى فيها وجه الحق والصواب، وإنما المراد: من أخطأ من العلماء في اجتهاده لا يُشنّع عليه، ولا كذلك يُرمى بشيء من الغلو، أو من التفريط، أو من التحزب، أو نحو ذلك. ينبغي علينا، معاشر المسلمين، أن نستفيد هذا الدرس العظيم. كم من المسائل الاجتهادية التي عندما يقرر فيها العالم قوله أو رأيه، لم يقرر ذلك عن هوى ولا عن عناد، وإنما عن اجتهاد، هذا قصارى علمه وجهده، وهذا هو ما أدى إليه اجتهاده، فلا ينبغي أن يُشنّع عليه، وإنما يُلتمس له من الأعذار، إن أخطأ في اجتهاده، إن أخطأ في اجتهاده. وهكذا، إخواني في الله، من أسرار وحكم الصيام ورمضان: أن الفطر في السفر في رمضان فيه تعويد للنفس على الأخذ بالرخص التي جعلها الله لنا، وفي ذلك من الترويح على النفس، وعدم تكليفها فوق طاقتها. فلا يشدد المسلم على نفسه في أمر له فيه رخصة، له فيه رخصة. بعض الناس يظن أنه من قوة الإيمان، أو من تمام الدين، أن يكلف نفسه من العبادات ما لا يطيق. «لا ما جعل الله عليكم في الدين من حرج». بعض المرضى يصر على الصيام في رمضان، معه رخصة، لكن يقول: «أنا ما أريد أن أفطر، أنا اعتدت على الصيام». هذا أمر الله، ابتلاك الله عز وجل بهذا المرض، فالواجب عليك أن تأخذ بالرخصة. إن الله يحب أن تؤتى رخصه. نعم، الله عز وجل يحب ذلك، ألا تحب ما يحب الله؟ بعض كبار السن ربما يقال له: أنت في حكمه له: أنت في حكم... يعني يسقط الصيام لكبر سنه، ولمشقة الصيام عليه، فيأبى إلا أن يصوم. كم من أسئلة ترد: أب كبير في السن لا يطيق الصيام، وحاولنا أن نقنعه بالإفطار، لكنه لم يقتنع بذلك، وأبى إلا الصيام، ثم بعد ذلك يتعب، فيذهب به إلى المستشفى، فيعني فإذا به بالمغذيات، وبالإبر، وبالعلاجات. لماذا أوصلت نفسك إلى هذا الأمر الذي يعني الله عز وجل ما كلفك به؟ ما كلفك أن تصوم في وقت لا يجب عليك فيه الصيام. فهذا رمضان، والرخص التي جاءت فيه، تعطينا هذا الدرس العظيم: أن الإسلام ما فيه رهبانية النصارى، ما فيه رهبانية النصارى، وما فيه تعسف، وما فيه كذلك تحميل النفس ما لا تطيق. «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها». هذا الدين يسر، هذا الدين يسر. الله عز وجل لما ذكر رخصة إفطار المريض وكذلك المسافر، قال سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. الله عز وجل يريد بكم اليسر، فأي رخصة رخص فيها الشرع، ينبغي للمسلم أن يأخذ بها، وأن لا يكلف نفسه ما لا يطيق، ما لا يطيق. وهكذا، إخواني في الله، من أسرار وحكم الصيام ورمضان: تربية المسلم على فقه الأولويات. ففي رمضان تتزاحم الأعمال الصالحة، فتجد المسلم العالم، المسلم الفقيه، يقدم ما هو أولى من الأعمال على غيره. فمثلا: نضرب على ذلك أمثلة. المسلم يحب في رمضان أن يكثر من قراءة القرآن، هذا أمر مرغب فيه، كما سمعتم، ومر بكم، وكان جبريل عليه السلام يدارس نبينا محمداً القرآن، والقرآن هو أنزل في رمضان، ونحو ذلك من الأدلة الكثيرة. فيقدم المسلم قراءة القرآن مثلاً على غيره من العبادات الأخرى، كالتسبيح، أو التهليل، أو كذلك على بعض العبادات الأخرى من الصلاة ونحو ذلك. فهذا يعلمنا أن المسلم في حياته يقدم الأولى فالأولى، يقدم الأولى فالأولى. مثال آخر: كذلك يحب المسلم مثلاً أن يكثر من قراءة القرآن، ولكن قد تعرض له بعض الأعمال الأخرى، كنفع المسلمين بإفطارهم في رمضان مثلاً، وبإعداد الطعام لهم، أو كذلك بالتصدق عنهم. فهذا أيضاً عمل مرغب فيه، فهو يجمع بين الأمرين: يقرأ ما شاء الله له أن يقرأ من القرآن، ثم بعد ذلك يجعل شيئاً من الوقت لنفع إخوانه المسلمين. فقد يحتاج الإنسان أحياناً لتقديم العمل المتعدي على العمل القاصر. نفع المسلمين عمل متعدٍ، عمل متعدٍ يتعدى إلى الغير، لكن قراءة القرآن مثلاً عمل قاصر، ينتفع بها القارئ فقط. فربما يكون من الأولويات أحياناً أن يقدم المسلم العمل المتعدي على العمل القاصر عند التزاحم، عند التزاحم. مثال آخر: أنت طالب علم، إمام مسجد، وينتفع الناس في الصلاة، وفي الدروس، وفي الدعوة إلى الله عز وجل، ولم تجد من يسد هذه الثغرة، ومن يقوم مقامك. فأيهم أولى: أن ترابط في مسجدك، أو أن تسافر للعمرة؟ ذكر بعض أهل العلم أن الأولى أن ترابط في مسجدك، لأن هذا نفع متعدٍ، هذا نفع متعدٍ، وأما العمرة فهو نفع قاصر. فأصحاب المسؤوليات، وأصحاب كذلك الأمور التي وكلت إليهم من الواجبات ونحو ذلك، فالأولى أن يقوموا بها، وأن يعتنوا بها، وأن تكون لها الأولوية في أعمالهم، في أعمالهم وفي عباداتهم. وهكذا، لهذا أمثلة كثيرة، فينبغي للمسلم أن يفقه مثل هذه الأمور. مما نستفيده، ومما نتعلمه من هذا الشهر المبارك: فقه الأولويات، فقه الأولويات. وهذا يمكن أن يسدل عليه أيضاً بفعل النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعتكف كل رمضان، وإنما اعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر من رمضان. وهذا فيه أنه ليس مطلقاً العمل المتعدي يقدم على العمل القاصر، لا. فقد أحياناً للإنسان يحتاج إلى أن يخلو بربه، وإلى أن يزداد من العمل الصالح الذي تزكو به نفسه، فيقدم أحياناً العمل القاصر على العمل المتعدي. فالاعتكاف فيه عمل قاصر، لكن فعله النبي صلى الله عليه وسلم في أيام قليلة من رمضان، في عشر، في ثلث هذا الشهر، وأما الثلثان فلم يعتكف عليه الصلاة والسلام، وإنما كان في حاجة المسلمين، وفي شؤون المسلمين عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم. حتى ذكر أهل العلم أن الاعتكاف: إذا كان المعتكف إذا اعتكف في المسجد سيضيع حقوق وواجبات، كالقيام على أهله وأسرته، إذا غاب عنهم يضيعون ولا يقومون بحق الله سبحانه وتعالى، والأولاد كذلك يضيعون ولا يحفظون، ونحو ذلك. فمثل هذا الاعتكاف في حقه لا ينبغي، بل يعتني بما هو أوجب. فكل هذا تحتاج من المسلم إلى فقه، وإلى ترتيب، وإلى تقديم ما هو أولى وأحق بالقيام به. فمثل هذه الأمور تحتاج منا إلى فقه، وإلى سؤال، وإلى تأنٍ. فلا شك أن المسلم في هذا الشهر المبارك يريد أن يفعل، ويفعل، ويفعل من الطاعات والقربات، ولكن الوقت يضيق عليه، فيقدم الأهم فالأهم، يقدم الأهم فالأهم، والأولى فالأولى. هكذا يعلمنا هذا الشهر المبارك. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمه نانسي قنقر