الدرس في أسرار وحكم رمضان والصيام 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن الصيام يربي المؤمن على الإخلاص لله والاحتساب في كل أعماله، فيتحول الأكل والشرب والنوم والجماع إلى عبادات مأجورة بحسن النية واتباع السنة. ويبين أن الفرق بين من يؤجر ومن لا يؤجر يكمن في النية وحدها.
يبيّن المقطع أن الصوم يفرض الالتزام التام بمواقيت الشرع في الإفطار والإمساك دون زيادة أو نقصان، كما أنه جنة تكسر شهوة البطن والفرج وتقي العبد من اتباع الهوى. وبذلك يصبح الصيام وسيلة لتربية النفس على الطاعة والانضباط.
يستعرض المقطع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الإفطار والسحور بالتمر، مبيناً فوائده الغذائية والطبية التي تغني الصائم عن الإفراط في الطعام والشراب. ويؤكد على اختيار الطعام النافع القليل على الكثير الضار لتحقيق كسر الشهوات والاعتدال.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن أسرار وحكم الصيام ورمضان: تربية المسلم على الإخلاص لله عز وجل، والاحتساب في جميع أعماله الدينية والدنيوية. وهذا يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً»، إيماناً بفرضيته، واحتساباً لله في ذلك، أي ابتغاء الأجر، ابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى. ومثل ذلك ورد أيضاً في القيام، ورد في ليلة القدر، فقال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً»، إيماناً واحتساباً، أي الإخلاص لله عز وجل في هذا القيام. وهكذا من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، ففيه تجديد لهذا الأصل الأصيل، ألا وهو النية، وأن تكون نية المؤمن في جميع أعماله وأفعاله وأقواله لله سبحانه وتعالى. وهكذا حتى في الأمور العادية والشهوات الدنيوية، إذا احتسب المؤمن هذه المباحات فإنها تنقلب بإذن الله عز وجل إلى أجور وحسنات، إلى أجور وحسنات. يدل على ذلك ما جاء في حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام - أو حديث أنس في الصحيحين -: «تسحروا فإن في السحور بركة». السحور بفتح السين هو ما يؤكل في وقت السحر لمن أراد الصيام، فهذا الأكل مباح، هذا الأكل مباح، تأكل ما شئت مما أحل الله عز وجل، ففعلك هذا سنة نبوية تنال بها الأجر والثواب. إذن هذا أمر مباح، لكن مع هذا بالنية الحسنة وهي اتباع هدي النبي عليه الصلاة والسلام، والتقوي على الصيام، وكذلك نيل البركات الحاصلة من هذه الوجبة، فتنال بذلك الأجر، تنال بذلك الأجر. بل إفطارك كذلك على الرطب إن وجد، أو على التمر إن لم يوجد الرطب، أو أن تحسو حسوات من ماء إن لم تجد الرطب والتمر، هذا أيضاً من المباحات التي إذا فعلتها اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام تؤجر عليها. وهم الأمور العادية، المؤمن سيفطر، سيفطر لا محالة، لكن تحريه الإفطار من هذه الأمور التي كان يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أنس عند الترمذي وغيره وهو حديث صحيح عند العلامة الألباني: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات»، أي من التمر، «فإن لم يجد فعلى تمرات»، أي الرطب اليابس، «فإن لم يجد حسوات من ماء». فعلت ذلك اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإنك تؤجر على هذا. هذا فيه تعويد المسلم لنفسه على أن يقلب الأمور العادية المباحة إلى أجور وحسنات، وهذا فيه أمثلة كثيرة ليست في رمضان فحسب بل في غيرها من الأعمال. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في مسلم: «وفي بضع أحدكم صدقة». البضع يعني الفرج، يعني لما يأتي أحدكم أهله، لما يأتي أحدنا أهله بنية أنه يعف نفسه ويعف أهله، ويقضي شهوته في الحلال بدلاً أن يذهب إلى الحرام، وإن هذه النية الطيبة واستحضر في فعله ذلك مقاصد النكاح، فإنه يحصل بذلك على أجر صدقة، سماها النبي صلى الله عليه وسلم صدقة: «وفي بضع أحدكم صدقة». فاستغرب الصحابة، قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له بذلك أجر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم إن وضعها في حرام أليس عليه وزر؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «كذلك إذا وضعها في حلال». كذلك إذا وضعها في حلال. انظر، شهوة الكل يرغبها والكل يقضيها، لكن شتان بين من قضاها وهو يستحضر النية الطيبة الحسنة، وبين من قضاها ولم يستحضر هذه النية الطيبة الحسنة، فالأول يؤجر والثاني لا يؤجر، وما هو الفرق؟ النية، الفرق هو ماذا؟ النية. ويقول أحد السلف: «إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي»، يعني لما ينام يحتسب هذا النوم، وأنه يتقوى بها على طاعة الله، وأنه كذلك يستعين بها على النشاط في الطاعة والعبادة. هو نوم شهوة رغبة، ومع هذا فإن النية الحسنة تقلب هذا الأمر المباح العادي إلى أجر وحسنات تدر على صاحبها، تدر على صاحبها. فنستفيد من مدرسة الصيام ورمضان هذا السر البديع وهذه الحكمة العظيمة، وهي أن نربي أنفسنا معاشر المسلمين على الإخلاص لله، وعلى الاحتساب في جميع أعمالنا وأقوالنا وحركاتنا وسكناتنا. كذلك من أسرار وحكم الصيام ورمضان: تربية المسلم على الاتباع وموافقة الشرع. كما أن الأمر الأول شرط من شروط قبول العمل، فكذلك نتعلم من هذه المدرسة العظيمة هذا السر البديع، وهو أن نربي أنفسنا على الاتباع وموافقة الشرع. ونستفيد هذا السر من عدة أمور وردت في الصيام ورمضان، من ذلك: أولاً: أن الصائم لا يفطر إلا إذا أذن له الشرع. اتباع، ما تخرج عن هذا الاتباع، أنت مسلم مقيد بشرع، مقيد بدين يحكمك في جميع عباداتك، وفي جميع تقرباتك إلى الله سبحانه وتعالى. فالصائم لا يفطر إلا إذا أذن له الشرع، وذلك بغروب الشمس وإقبال الليل. وهكذا لا يمسك الصائم إلا إذا أذن له الشرع، وذلك بطلوع الفجر الصادق. اتباع، هل يقدر الصائم أن يأكل بعد أن يطلع الفجر؟ إن فعل ذلك فصيامه غير صحيح إذا تعمد ذلك. قال: لا، اليوم أنا سأغير، يؤذن المؤذن، قد دخل الوقت الفجر وهو لا يزال يأكل، نقول له: إن تعمدت ذلك فصيامك غير صحيح، لأنك مقيد بشرع، لا بعقل ولا بهوى ولا برأي، إنما أنت محكوم بشرع الله سبحانه وتعالى. وهكذا يمنع الصائم عن المباحات، كونه حاله صائماً، من الأكل أو الشرب أو الجماع أو غير ذلك، امتثالاً لأمر الشرع، امتثالاً لأمر الشرع. كذلك في العبادات، قد يقول قائل: أنا في رمضان أجد نشاطاً وأجد رغبة في الخير، وأجد رغبة في الخير، إذن أنا سأواصل الصيام بدلاً ما أفطر، بدلاً من أن أفطر في غروب، عند غروب الشمس سأواصل إلى اليوم الثاني أو الثالث. نقول له: لا، أنت مقيد بشرع، نهاك الشرع عن الوصال، فلا يجوز لك، لا يجوز لك أن تواصل. وأذن لك الشرع، وهذا أيضاً فيه هذه الفائدة، كما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للصحابة لمن أراد أن يواصل إلى السحر فقط، شرع مقيد إلى السحر. إنسان قال: أنا أجد قوة وأستطيع بدون كلفة وبدون يعني مشقة، يقال له: الشرع رخص لك إلى وقت السحر فقط، لا يجوز لك أن تزيد على ذلك. شرع، موافقة، اتباع. إنسان قال: أنا سأصوم قبل رمضان بيوم أو يومين، عندي نشاط وعندي قدرة واحتياط وكذا، يقال له: لا، لا يجوز لك صيام عبادة تقرب، يقال: أنت مقيد بشرع، أنت مقيد بدين، هل شرع الله عز وجل هذه العبادة؟ بل نهى عنها الشرع، كما في حديث أبي هريرة: «لا تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه». إذن كل هذه الأدلة تدلنا على هذه القاعدة العظيمة، ألا وهي أن المسلم ينبغي عليه متابعة وموافقة الشرع في جميع أعماله وفي جميع عباداته. فتتعجب من بعض المسلمين ممن لا يلقي لهذا أصلاً بالاً، فيحدث في دين الله ويبتدع البدع، سواء كان في الأذكار الجماعية أو في الصلوات أو في الكيفيات أو في غير ذلك مما يفعله بعض المسلمين اليوم، خصوصاً في هذا الشهر، في هذا الشهر تزيد البدع، فإذا انتصف رمضان أتوا ببدعة الختميات، وأتوا ببدعة كذلك الأذكار المخترعة والأناشيد التي لربما يتغنون ويترنمون بها في المساجد وبالطبول ونحو ذلك. أنت مقيد بشرع، هل هذا جاء في دين النبي محمد عليه الصلاة والسلام؟ فإذا مما نستفيد من هذه المدرسة العظيمة، ومن الأسرار البديعة التي ينبغي للمسلم أن يستفيدها، أنه مقيد بشرع، فيربي نفسه على ذلك، يربي نفسه على ذلك. كذلك من أسرار وحكم الصيام: أن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، فهو جنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والصوم جنة»، أي وقاية، يقيك من شهوات البطون والفروج. بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، بل وأوصى الشاب الذي لا يستطيع الزواج أن يكثر من الصوم، وأن يقطع شهوة نفسه بهذه العبادة العظيمة، كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيح: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، أي قاطع للشهوة، فهو يضعف شهوة الفرج، وكذلك يضعف شهوة البطن، فهو يمسك عن الطعام والشراب طيلة نهاره، فهذا يعينه على الزهد في الطعام والتقليل منه، بخلاف ما يفعله بعض الناس اليوم، يصوم بالنهار ويفرط في الأكل بالليل، وهذا مذموم عند سلفنا الصالح، فكثرة الأكل مما يسبب الفتور عن الطاعة، وهكذا يسبب الخمول والثقل في الجسد ونحو ذلك. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن، بحسب امرئ لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». فإذا أملأت البطن أكثر من الثلث بالطعام، وأكثر من الثلث بالشراب، فماذا بقي للنفس؟ ماذا بقي له؟ وكيف يكون حال من فعل ذلك؟ يجد جهداً ومشقة وتعباً، وكذلك ثقلاً ونحو ذلك. فإذا من حكم الصيام أن يتقلل المسلم من الطعام، أن يتقلل المسلم من الطعام، وليس معنى ذلك أن لا يأكل، لكن كل أكلا يغنيك عن الكثرة، كما قال القحطاني رحمه الله: «حسن الغذاء ينوب عن شرب الدواء، سيما مع التقليل والإدمان». قلل للطعام، ولكن اجعل هذا الطعام طعاماً مركزاً مفيداً نافعاً، نافعاً، لا تأكل طعاماً كثيراً وهو قليل النفع، وكل طعاماً قليلاً لكنه كثير النفع. هذا ما يوصي به الأطباء، بل قد أوصى بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كثير من أفعاله وهديه، وما جاء في سيرته عليه الصلاة والسلام. فعلى سبيل المثال، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يفطر بالرطب أو بالتمر، وهذا لشك أن فيه فوائد عظيمة، من يعني الأمور التي ذكرها ابن القيم في فوائد التمر: أنه يقوي المعدة، وأنه يغذي الجسم بما يحتاجه، فيجعل الجسم نشيطاً، وهو خفيف الهضم، ما يتعب المعدة، وهو غني بالسكر. ولذلك، لذلك الصائم عندما يصوم لربما يجد في صيامه شيئاً من التعب بسبب نقص السكر، فربما يأتيه الصداع، ربما يأتيه زوغان في البصر، ربما يأتيه خمول بسبب نقص السكر، فالتمر غني بالسكر، فيفطر المسلم على التمرات، فيغذي هذا التمر هذا الجسد، فيكتفي بذلك، يكتفي بذلك، وينشط الجسد. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم حث على التسحر بالتمر، قال عليه الصلاة والسلام: «نعم سحور المؤمن التمر»، نعم سحور المؤمن التمر. وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام: «بيت ليس فيه تمر جياع أهله»، يعني كأن ما عندهم أكل، لو عندك في البيت الدقيق والأرز والسمن، هذا كله ما يغني عن التمر، فأنت ما زلت جائع، «بيت ليس فيه تمر جياع أهله». ولكن للأسف الشديد الآن النفوس يعني زهدت في التمر، وما أحبت هذا التمر، لماذا؟ لأنها استغنت به عن أكل لا يغني ولا يسمن من جوع، أكل يعني قليل الفائدة، وإن كان لذيذ الطعم، لربما يكون لذيذ الطعم لكنه قليل الفائدة. فيوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالتمر، لماذا؟ لأن فيه فوائد عظيمة، فهو خفيف على المعدة، وهو مغذي للجسد، وهو حلوى ودواء، ويقتل الدود، كما ذكر ذلك ابن القيم، لا سيما عند فراغ المعدة، لا سيما عند فراغ المعدة. ذكر ابن القيم في كتابه «الهدي» أن أكل وتناول التمر عند خلو المعدة يقتل الدود، له فوائد عدة غفلنا عنها. فإذا هذا كله يدلنا على أن العبرة والحكمة من الصيام ليس أن تجوع بالنهار ثم تتعب بطنك وجسدك بالأكل بالليل، وإنما ليكن أكلك قصداً ومركزاً ونافعاً ونحو ذلك، مما ذكره أهل الخبرة، ومما ذكره أهل الطب، وقبل ذلك مما حث عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يأكل القثاء بالتمر، القثاء هو الخيار، لأن التمر حار والقثاء بارد، فيجمع بين الحار والبارد. هذا أيضاً مما يدلنا على أن العبرة بانتقاء واختيار الطعام، لا بكثرته، لا بكثرته. وهذا أمر مجرب، هذا أمر مجرب، كل تمر ثم انظر، هل سيضعف جسدك؟ هل ستشعر بالجوع؟ لا، ستشعر بذلك، لماذا؟ لأن التمر يغذي الجسد ويغنيه، يغنيه عن كثير من المأكلات والمشروبات. فإذا مما نستفيده من مدرسة الصيام، ومن أسراره وحكمه، أنه يكسر شهوة البطن والفرج، فهو جنة، فهو جنة، أي وقاية، يقي به العبد نفسه من الشهوات، ومن الملذات، ومن عذاب الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.