أسرار وحكم رمضان والصيام 6

أسرار وحكم رمضان والصيام 6

الدرس في أسرار وحكم رمضان والصيام 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الفوائد الصحية للصيام وأسبقية الأجر الأخروي

يستعرض المقطع الفوائد الصحية للصيام مثل راحة الجهاز الهضمي والوقاية من الأمراض مع الاستشهاد بأقوال الأطباء، ويؤكد أن المسلم يجب أن يقصد أولاً الأجر الأخروي العظيم كما ورد في الحديث النبوي. ويجمع بين طلب الأجر والاستفادة الصحية مقدماً الجانب التعبدي على الجانب الدنيوي.

أضرار الإفراط في الأكل وهدي النبي والسلف

يبيّن المقطع أن إدخال الطعام على الطعام قبل هضمه وامتلاء البطن من أسباب الأمراض، ويستعرض حديث المقداد بن الأسود الذي يوصي بثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس. وينقل أقوال السلف كإبراهيم بن أدهم والإمام الشافعي في فضل الجوع وضبط البطن مع الإشارة إلى الفوائد الصحية لترك فترات بين الوجبات.

أضرار الإفراط في الأكل وفوائد تقليل الغذاء

يحذر المقطع من الإفراط في الأكل مستشهداً بأقوال الأطباء وابن رجب والشعراء على أن التخم سبب رئيس للموت والأمراض، بينما قلة الغذاء تصلح البدن وترقق القلب وتكسر النفس. ويؤكد أن الصيام الشرعي والمتقطع يحمل فوائد صحية ودينية عظيمة دالاً على حكمة التشريع الإلهي في حفظ النفس والدين.

حكمة التشريع الإلهي القائم على النفع والضرر

يقرر المقطع أن الله سبحانه يشرع للعباد ما ينفعهم ويأمرهم به، ويحذرهم مما يضرهم ويحرمه عليهم لعلمه الكامل وخبرته ورحمته الواسعة. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا البيان شاكراً الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد أخذنا في دروس مضت أسرارًا وحكمًا كثيرة دينية وإيمانية فيما يتعلق بالصيام ورمضان، ومع تلك الأسرار الدينية فلا يمنع أن نذكر بشيء من أسرار وحكم الصيام الدنيوية. فإن من أسرار وحكم الصيام حفظ الصحة، ففي الصيام فوائد صحية كثيرة؛ ففي الصيام راحة للبدن وإجازة للجهاز الهضمي، لإعطائه فترة من الزمن يستريح فيها من الامتلاء والتفريغ، فيحصل له استجمام وراحة ليستعيد بها نشاطه وقوته. ولا شك أن المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، كما قال ذلك طبيب العرب الحارث بن كلدة. فلا شك أن الصيام فيه فوائد صحية كثيرة، فمن فوائده أيضًا الصحية: الوقاية من الأمراض، وخاصة أمراض المعدة، كزيادة الوزن، وزيادة الدهون، وزيادة الضغط، والسكر، والتهاب المفاصل. فما من داء إلا وتجد المعدة سببًا فيه، فأصحاب هذه الأمراض ينصحون من قبل الأطباء باجتناب بعض المأكولات والمشروبات، والتخفيف من الطعام، ولا شك أن هذه المقاصد تتحقق بالصيام. بل لقد وعى الأطباء المعاصرون، بل ومن غير المسلمين، أهمية الصوم، وأدركوا فوائده الصحية، وصاروا يقدمونه على كثير من أنواع الأدوية والعلاج. يقول أحد أطباء الغرب المعاصرين: «إن من المهم أن يطلب من المريض أن يصوم ويخسر بعضًا من وزنه من أجل أن يحصل على الشفاء التام، خير من أن نملأ بطنه بالعقاقير والأدوية وجميع أنواع الغذاء». هكذا يصرحون بالعلاج بالصيام. بل هناك دكتور ألماني اسمه وولف بايير، ألف كتابًا سماه «العلاج بالصوم: علاج المعجزات»، وأكد في هذا الكتاب أن الصوم هو الواسطة الأكثر فعالية من أجل القضاء على كل الأمراض، وساوى أهمية الصوم بأهمية الجراحة، يعني مثل العمليات الجراحية، لربما أحيانًا العلاج بالصوم يغني عن إجراء عملية جراحية. وهذا أمر قد قرره الشرع، وذلك بهذا الصيام. وأما حديث «صوموا تصحوا» فهو حديث غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن فيه شيء من المعنى الصحيح كما تقدم، وأن الصيام سبب للصحة وذهاب كثير من الأمراض. وقد جرب أناس كثر العلاج بالصوم، فوجدوا ثمرة ذلك واضحة جلية، منهم العلامة الألباني عليه رحمة الله، كان يعاني من كثير من الأمراض، فقرأ وسمع فوائد العلاج بالصوم، فصام أربعين يومًا لا يأكل شيئًا أبدًا، وإنما يشرب ماء فقط، فيخبر عن نفسه أنه شُفي من كثير من الأمراض. فهذا أمر مجرب وأمر معلوم لدى أهل الطب وأهل الخبرة. فلذلك ينبغي للمسلم أن لا يكتفي في صيامه بشهر رمضان، فليجعل لنفسه حظًا ونصيبًا من صيام التطوع. مع التنبيه على أن المسلم حين يقوم بهذه العبادة، عبادة الصيام، لا ينظر فقط إلى الفوائد الصحية، لربما يحرم الأجر، وإنما ينظر أولًا إلى عظيم أجر الصيام، ويتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا». يوم واحد تصومه لله عز وجل يباعد الله عز وجل بينك وبين النار سبعين سنة. وهكذا ما جاء في فضائل الصيام الكثيرة: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». فجعل الله عز وجل مرد تحديد وتعيين أجر الصيام إليه سبحانه وتعالى. يتذكر المسلم أولًا وقبل أن ينظر إلى هذه الفوائد الصحية أو الدنيوية عظيم أجر الصيام، فيجمع بين الأمرين: أمر حصوله على الأجر والثواب، وحصوله على الصحة والعافية كما تقدم من فوائد ذلك الصيام، فيجمع بين الأمرين، بل يقدم الأمر الأول. وهكذا ينبغي على المسلم كذلك أن يراعي أمر ضبط بطنه، فإن ذلك أيضًا من الصحة التي قررها العلماء. فإن مما يوجب الأمراض إدخال الطعام على الطعام، وامتلاء البطن بالطعام. وكما جاء عند الإمام أحمد وغيره من حديث المقداد بن الأسود، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». فمن ضبط بطنه ضبط صحته وحافظ عليها. بل قد جاء ذلك في عبارات سلفنا الصالح، فهذا الحديث حديث المقداد بن الأسود شرحه شرحًا ممتعًا نافعًا، وأطال فيه الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه «جامع العلوم والحكم»، ونقل في كتابه هذا وفي شرحه لهذا الحديث عبارات كثيرة عن السلف في هذا الباب، باب الاقتصاد في الطعام والشراب، وضبط البطن بالطعام والشراب. ولا بأس أن ننقل لكم شيئًا من هذه العبارات، ومن هذه الآثار التي وردت عن السلف. فمما ذكره أثر عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: «من ضبط بطنه ضبط دينه، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدة من الجائع، قريبة من الشبعان، والشبع يميت القلب، ومنه يكون الفرح والمرح والضحك». هكذا يقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى، نقل عنه ذلك ابن رجب في الكتاب المشار إليه. وهكذا نقل أثرًا عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعًا اضطررته، قال: لأن الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة». ثم قال، ولا يزال الكلام للإمام الشافعي: «وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التقلل من الأكل في حديث المقداد»، ثم ذكر الحديث، قال: «وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ‹المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء›». والمراد من هذا الحديث أن المؤمن يأكل بإذن الشرع، فيأكل في معى واحد، دون شره ولا أكل شهوة محرمة، ولا شيء من ذلك. وأما الكافر، فإن هذه الدنيا جنته، يأكل بمغبة الشهوة والشره والنهم، فيأكل في سبعة أمعاء. المؤمن يأكل في معى واحد، وأما الكافر فيأكل في سبعة، يعني الكافر يأكل مثل المؤمن سبع مرات. نعم، لماذا؟ لأن الكافر هذه هي متعته، وهذه هي يعني جنته، فيأكل فيها من حلال أو من حرام، ويأكل منها حتى يملأ بطنه. وهكذا ندب صلى الله عليه وسلم مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، فقال صلى الله عليه وسلم: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة». هذا هو هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، لأن المؤمن يقتصد في أكله، ويلزم خلق القناعة في ذلك، فلا يتوسع في هذا الأمر لما فيه من الضرر. وهكذا نقل ابن رجب عن طبيب العرب الحارث بن كلدة أنه قال: «الذي قتل البرية وأهلك السباع في البرية: إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام». دائمًا يأكل، تغدى ثم بعد ساعة إلى الشربة، وإلى استنبوسة، وبعد المغرب إلى الكراش، وهكذا كل ساعات وهو أكل. إدخال الطعام إلى أو قبل إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام. ولذلك ينصح الأطباء أن من الصحة في الغذاء أن يأكل المسلم الوجبة ثم يجعل بينها وبين الوجبة الأخرى فترة زمنية، كأن تكون ثماني ساعات أو نحوها. مثلًا لو اصطبح الساعة الثامنة، لا يأكل شيئًا حتى مثلًا الساعة الثانية، نعم، حتى يكون هناك فترة زمنية تستطيع المعدة أن تستفرغ الأكل الأول، ولا تدخل الطعام على الطعام. وهكذا في رمضان، إذا أخذت وجبة الإفطار، فمن الصحة أن تريح المعدة، وأن لا تأكل إلا بعد ساعات، إذا شعرت بشيء من الجوع تبدأ بالأكل. أما أن تدخل الطعام على الطعام، فكما قال ذلكم الطبيب: إنه هو الذي قتل البرية، قتل الناس، وأهلك السباع في البرية. حتى السباع والبهائم إذا أكلت كثيرًا ربما ماتت، إذا أتيت بأكل، خصوصًا الأكل غير الأشجار، كالطعام أو البر أو نحو ذلك، وأعطيته بهيمة، أكلت هذه البهيمة حتى ملأت بطنها، ربما تموت. صح، ربما تموت هذه البهيمة من كثرة الأكل، تهلك بسبب هذا الطعام. وهكذا الإنسان، وإن كان ما يهلك يعني مباشرة، بل ربما يهلك كما يقال بالموت البطيء، فيصاب بالأمراض: من الضغط، من السمنة، من السكر، من غيرها من الأمراض التي هي بسبب الطعام، فتكون سببًا لمرضه، ولربما تكون سببًا لموته، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك أيضًا نقل ابن رجب بعدما ذكر هذا الأثر عن الحارث بن كلدة، قال: «وقال غيره: لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ أيش سبب موتكم؟ لأجابوا بماذا؟ لقالوا: التخم، التخم». يعني امتلاء البطن، كثرة الطعام. وقال غيره: «لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ قالوا: التخم، قالوا: التخم». ثم علق ابن رجب فقال رحمه الله: «فهذا بعض منافع تقليل الغذاء وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته». هذا بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. قال: «وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه، فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب وصلاحه، توجب رقة القلب وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب. وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك، توجب ضد ذلك». فينبغي للمسلم أن يستفيد من صيامه، وأن لا يفسد هذا الصيام بما يفعله كثير مننا عند الإفطار من كثرة الطعام، ومن امتلاء المعدة بالطعام. وأخيرًا نذكر هذا البيت الذي يصب في هذا المعنى، ونقله غير واحد من الشراح، قال الشاعر: ثلاث هن أشراك الحمام أشراك، معناه مثل المصيضة، يعني مصيدة إلى الموت. الحمام بكسر الحاء هو الموت، هو الموت. فقال: ثلاث هن أشراك الحمام، وداعية الصحيح إلى السقام يعني تجعل الصحيح مريضًا، السقام أي الأمراض. دوام مدامة، ودوام وطء، وإدخال الطعام على الطعام. ومعنى قوله: دوام مدامة، أي شرب الخمر، كثرة شرب الخمور، هذا مما يهلك ومما يضر. والله عز وجل قد قال في كتابه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. فلا شك أن الخمر تسبب وتؤدي إلى أمراض كثيرة في الرئتين، في القلب، في البطن، في غيرها من أجزاء الجسد. فهذا معنى قولي: دوام مدامة. وأما دوام وطء، يعني الإكثار من الجماع، الإكثار من الجماع وإدامة ذلك دائمًا وأبدًا، فهذا أيضًا مضر على الجسد، مضر على الجسد. وأما قوله: وإدخال الطعام على الطعام، فهذا واضح، وهو امتلاء البطن، البطن، وكثرة الشبع ونحو ذلك. فإذا من الأسرار والحكم التي نستفيدها من الصيام، سوى كان الصيام الشرعي أو الصيام العرفي الذي هو صيام متقطع، وهذا الذي يوصي به الغرب، لأن الغرب ما عندهم صيام شرعي. الغرب الكفار إذا ذكروا الصيام إنما يريدون بالصيام المتقطع، يعني كأن مثلًا يأكل الصباح ثم يجلس فترة لا يأكل شيئًا، كأن يجلس عشر ساعات أو اثنتي عشرة ساعة لا يأكل شيئًا، إلى أن تنقضي هذه الساعات يأكل بعدها. يريدون بذلك الصيام المتقطع. فالمهم أن الصيام فيه فوائد عدة، ومع الفوائد الدينية كما ذكرنا وهي الأهم وهي المقدمة، هناك فوائد صحية وطبية، ذكرنا شيئًا منها. وهذا يدلنا على أن شرعنا ما شرع لنا شيئًا إلا وفيه فائدة لنا في ديننا، وفي كذلك دنيانا. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فهو الذي خلقنا، ويعلم ما يصلحنا، ويعلم ما ينفعنا، ويعلم ما يضرنا. فما ينفعنا يشرعه لنا ويأمرنا به ويحثنا عليه، وما يضرنا يحذرنا منه ويحرمه علينا. فالله عز وجل خبير، وعليم، ورحيم بعباده، سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى شكرًا.